هل الكتابة النسائية موجودة؟
 

 

لا ترتبط الإجابة عن إشكال: هل الكتابة النسائية موجودة؟ يوجود روايات أو دواوين شعرية أو مؤلفات تحمل أسماء نسائية مهما كان كمها، وإنما ترتبط اساسا بنوع الكتابة وتميزها إن على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون.

في محاولتنا الإجابة عن هذا الإشكال ننطلق من تصورين أساسيين:
- التصور الذي يفترض أن جنس الشخص ليس قيمة محايدة، بل هو أحد الخصائص الوجودية والاجتماعية المهمة التي تحدد التوجه الاجتماعي والثقافي والمعرفي للشخص، وتحدد بوجه عام رؤيته للعالم. كما نتبنى افتراض أن وجود الكتابة النسائية لا يرتهن بوجود كم معين من الكتابات التي تحمل أسماء نسائية، وإنما يرتهن بطبيعة الإجابة عن السؤال المتعلق بالماهية والسمات المميزة.
- تصور كريستا وولف Krista Wolf التي تعتبر أننا نتحدث عن وجود كتابة نسائية، إذا كانت هذه الكتابة تعبر عن تصور المرأة للعالم مختلف نوعيا عن تصور الرجل. تمكننا هذه الخلفية النظرية من البحث عن الاختلاف النوعي للكتابة النسائية في الاختلاف النوعي لأسبابها وروافدها.

إذا عدنا إلى الواقع، نجد أن الكتابة النسائية ارتبطت بأسباب تاريخية وبيولوجية واجتماعية خاصة. تكمن هذه الخصوصية في كون المرأة تتحمل الواقع المعيش بشكل مختلف عن الرجل وتحاول أن تجد موقعها في مجتمع ذكوري ينظر إليها نظرة دونية ويعتبرها إنسانا من الدرجة الثانية.

من هنا تغدو الكتابة النسائية ظاهرة جماهيرية تهدف إلى إضفاء الشرعية على التجربة النسائية التي كانت مهمشة عبر التاريخ في المجتمع الإنساني ككل وكانت تعد تجربة ثانوية . لقد كانت النساء محرومات من التعبير عن أنفسهن و منهن من كن يكتبن بأسماء رجالية مستعارة مثل مودي إيتون - رولنغ – إليوت- فيرنون لي- كاترين برادلي و إيديث كوبر. لكن الكتابة النسائية اليوم، أضحت واقعا فرضه تحرر المرأة وكرسه الخطاب المعبر عن النوع الاجتماعي، والذي هو شكل من أشكال تعبير المرأة عن ذاتها وعن رؤيتها للعالم. في ظل هذا الربط، يمكن أن نتبين الملامح المميزة لهذا الخطاب. لأنه حينما نربط هذا الخطاب بالنوع الاجتماعي، فهذا يمكننا من النظر إليه باعتباره ظاهرة اجتماعية ثقافية معقدة تختزل الوعي الأنثوي الذي له خلفية جندرية.

للكتابة النسائية صيغها الخاصة وأساليبها المتميزة عن الصيغ والأساليب التي يوظفها الرجل. إن دراسة طرائق التعبير عموما، قد يقودنا إلى فهم أعمق للتصورات العامة التي أطرت وتؤطر تاريخ المجتمعات و رسمت ملامح الكتابة بوجه عام والكتابة بصيغة المؤنث بوجه خاص.

من هنا نلح على أهمية اللسانيات النسوية التي تهتم بدراسة النوع الاجتماعي، وعلى أهمية بناء نظرية حول الكتابة النسائية. ذلك لأن التحليل اللغوي يمكننا من رصد السمات المحددة للكتابة الإبداعية من خلال الوقوف على الصيغ المختلفة وطرائق التعبير التي يوظفها الجنسان، وهذا قد يقودنا إلى فهم أعمق للتصورات العامة المحددة للتمايزات القائمة بين إبداعات الجنسين وضبط الخصوصيات المؤسسة للكتابة النسائية من حيث المعجم الموظف وطرائق التناول ومن حيث البعد المعرفي والتصوري المؤطر لهذه الكتابة ومن حيث أيضا الوسائط التي توظفها المرأة للتعبير عن رؤيتها للعالم. سيمكننا ذلك من تجاوز توظيف المفاهيم الجاهزة والقوالب التقليدية التي عادة ما تستعمل في تناول هذا النوع من المواضيع.

لابد من أن نشير بهذا الخصوص، إلى أن إشكال الكتابة النسائية هو إشكال علمي وليس إشكالا إبداعيا، فلقد لاحظنا أنه حينما يوجه السؤال إلى روائيات أو شاعرات تكون الإجابات مبنية على حدوس أو انطباعات. السؤال حول الكتابة النسائية ينبغي أن يوجه إلى باحثات في العلوم بصفه عامة وينبغي أن تؤسس الإجابة عنه في إطار نظريات محددة المعالم، لأن هذه النظريات هي التي في ضوئها تصاغ الفرضيات والمسلمات وتقدم الاستدلالات التي تمكن من تقديم إجابة علمية موضوعية بعيدة كل البعد عن الانطباعات الشخصية وبعيدة أيضا عن التوظيف المجاني لمفاهيم الذكورة والأنوثة.

إن اللسانيات النسوية يمكن أن تقدم إجابات علمية موضوعية لإشكال الكتابة النسائية، لأنها تملك منظومة تصورية شاملة وأدوات إجرائية تمكن من ضبط خصوصياتها المؤسسة، سواء من حيث الأسلوب وطرائق التناول أو من حيث البعد المعرفي والتصوري المؤطر لهذه الكتابة أو من حيث الوسائط التي توظفها المرأة للتعبير عن رؤيتها للعالم. توظف اللسانيات النسوية هذه الأدوات في دراستها للمعطيات اللغوية (المتون التي تكتبها المرأة) بهدف تحقيق أنماط مختلفة من الكفايات وعلى رأسها:
- الكفاية الوصفية التي تتحقق عن طريق تجميع المتون ووصفها.
- الكفاية التفسيرية التي تتحقق عن طريق تفسير ما يلاحظ من خصائص. يقتضي تفسير هذه الخصائص ربطها بأبعاد متعددة كالبعد البيولوجي والبعد المعرفي والبعد الاجتماعي والبعد الثقافي والبعد النفسي إلخ.

من ضمن الإشكالات التي تطرح في اللسانيات النسوية البحث عن كيف بنينت الذهنية الذكورية الخطاب حول المرأة والخطاب الموجه للمرأة.

إشكال آخر يطرح بخصوص الكتابة النسائية هو: هل يمكن اعتبارها ظاهرة ثقافية. يرتبط هذا الإشكال بالبحث في مدى قدرة المرأة على خلق منتج ذهني بجودة جمالية عالية، موازية للجودة الجمالية التي يخلقها الرجل. يستمد هذا الإشكال مشروعيته من السبق الزمني للإبداع الذكوري الذي راكم عبر التاريخ كما هائلا يفوق ما أنتجته وتنتجه المرأة وأرسى، فضلا عن ذلك، معايير بواسطتها تقاس جودة العمل الإبداعي. لذلك، فهو المؤسس لقواعد الكتابة الجيدة. هذه المعايير ينبغي الانتباه إليها في دراسة الكتابة النسائية لمعرفة إلى أي حد تستحضرها المرأة في كتابتها و إلى أي حد تثور عليها لخلق معايير جديدة في اللغة والثقافة والأدب: معايير بصيغة المؤنث.

لقد اتخذت الكتابة النسائية اتجاهين:
- الاتجاه إلى تقليد كتابة الرجل وتبني معايير هذه الكتابة ومضامينها وخلفياتها الإيديولوجية و قواعدها في الشكل والمضمون.
- الاتجاه إلى تمثل "البعد النسوي" المرتبط بالتعبير عن الاحتجاج ضد المعايير الذكورية والقيم الثقافية واللغوية السائدة.

في ظل هذين المسارين، يطرح السؤال حول إمكان دراسة النوع الاجتماعي في النص. إذا كان هذا ممكنا، ماهي آليات الاشتغال التي ينبغي تفعيلها في هذه الدراسة؟ هل جنس المؤلف يؤثر على عملية إبداع النص الأدبي وهل جنس القارئ يؤثر على عملية إدراكه وتأويله؟ وهل يختلف النص الذي تبدعه المرأة في بنيته ومعماريته و معجمه عن النص الذي يؤلفه الرجل. هذه الإشكالات تشكل بعضا من الإشكالات التي تطرحها نظرية النوع الاجتماعي والإجابة عنها تمَكن من الإجابة عن السؤال الذي انطلقنا منه وتمكن من وصف وتفسير الأعمال الإبداعية وفق ثلاثة أبعاد:
- بعد عام يقوم بجرد المميزات الكلية للخطاب النسائي، أي الخصائص العامة التي تميز خطاب المرأة باعتبارها امرأة.
- بعد خاص يرصد المميزات الخاصة التي تميز المرأة باعتبارها تنتمي إلى عقيدة معينة أو مجتمع معين أو مرحلة تاريخية معينة.
- بعد مقارن يسلك مسلك المقارنة بين هذين النمطين من الخصائص العامة والخاصة بما يناظرها في الخطاب الإبداعي للرجل.

تدعو هذه الأبعاد إلى ضرورة الكشف، في دراسة النصوص النسائية، عن الخصائص الجنسانية المرتبطة بلغة المرأة أي اللغة بصيغة المؤنث والكشف عن الأبعاد المؤطرة لرؤيتها للعالم ودراسة الاستراتيجيات التي تستخدمها المرأة للتعبير عن خصوصيتها الجنسية.

من الضروري التأكيد أنه لا يمكن فهم الأنوثة بدون استحضار التقسيم الطبقي، بما فيه التقسيم الطبقي بين الجنسين، لأنه هو الذي يعطي للمرأة دورا ثانويًا و يقزمها اجتماعيا انطلاقا من العامل البيولوجي ومن الفهم النمطي للأنوثة . يرتبط هذا الفهم بعدم المساواة بين الجنسين. لكن لابد هنا أن نشير إلى أن الأعراف والأدوار الاجتماعية تتغير باستمرار و هذا يحسن من وضعية المرأة بصورة بطيئة، لكن بصورة أكيدة.

في الكتابة النسائية نجد عالما جديدا وموضوعات جديدة والأهم من ذلك نجد نماذج سلوك جديدة تدافع بها المرأة عن حقها في الاختيار المستقل والدخل المستقل والحياة المستقلة والقرارات المستقلة و المصير المستقل. وهذا خلق وضعًا اجتماعيًا وثقافيًا مغايرا أضفى الشرعية على تجربة المرأة ومكنها من ممارسة هويتها الذاتية.

ترتبط الموضوعات التي تتناولها المرأة عموما بالمعيش اليومي، بحيث تتواتر في كتاباتها الموضوعات التالية:
- الأسرة والعلاقات الأسرية.
- العمالة المنزلية.
- التمييز ضد المرأة.
- المجتمع وقيمه الذكورية.
- ظاهرة العنف بأشكالها الظاهرة و المستترة.
- العلاقات الإنسانية بمختلف تجلياتها، وما إلى ذلك.

في كل هذه الموضوعات، تنقل المرأة تصورها للأمور وتصف أحاسيسها وتحكي عن وضعها الاجتماعي ومعاناتها في المجتمع الذكوري وتكشف عن وجهة نظرها فيما يدور حولها من أحداث.

إن ما يحدد طبيعة هذه الموضوعات هو التجارب التي مرت بها المرأة. لما لها من تأثير كبير في رسم الاستراتيجيات النصية وتشكيل النص النسائي وبناء الخلفية التصورية التي تنطلق منها في صياغة الأفكار التي تدافع عنها أو تروم توصيلها إلى القارئ.

إن نظرة المرأة للعالم تختلف عن نظرة الرجل من أوجه متعددة:
1- المستوى اللغوي المتمثل في طبيعة اللغة المستعملة بمستوياتها المتعددة بما فيها مستوى المعجم. بما فيها اختيار العنوان الذي يبرز الغاية التواصلية ويختزل الفكرة الأساسية للنص.
2- المستوى المعرفي المتمثل في طبيعة المفاهيم الموظفة وطبيعة التصور المعبر عنه وكيفية مناقشة الصورة النمطية المشكلة لنظام قيم لا يخدم مصلحة المرأة.
3- المستوى العملي الذي يشمل توضيح الأسباب ورسم الأهداف التي ينبغي السعي إلى تحقيقها.

إجمالا، يمكن القول إن الكتابة النسائية تشهد تناميا مطردا، إن على مستوى الكم أو على مستوى الكيف. يعكس هذا التنامي جوانب جديدة لدور المرأة ومكانتها في العالم. يعد هذا مؤشرا على أنها تزيل الملامح العامة المحددة للصورة النمطية للمرأة ودورها التقليدي في المجتمعات الإنسانية، لتبنى صورة نمطية جديدة التي نعتقد أنها في طور التشكل. بالتالي هذا يمكن من الانتقال من البراديغم الفكري القديم إلى براديغم جديد ضابط للعلاقات بين الرجل و المرأة على أسس نوعية جديدة.