قراءات نقدية
مجلة الكاتب اليساري :: رضي السماك 


رضي السماك | العراق

الواقعية الإشتراكية في الأدب إلى أين؟


تابعت قبل أيام قليلة على إحدى منصات " السوشيل ميديا " مساجلات وحوارات شائقة هادئة وممتعة دارت بين مجموعة من الأصدقاء البحرينيين بعضهم من الشعراء والنقّاد الذين لا يشق لهم غبار ، وإن ظلوا أشبه بالمغمورين حيث لا يستهويهم اللهث وراء الظهور في الأضواء الإعلامية، وقد شاركت بإقتضاب في جانب من تلك المساجلات والحوارات .. وهنا وتعميماً للفائدة وتوسيع دائرة الحوار أرتأيت إعادة صياغة وتدوين تلك المساهمة بشيء من التفصيل في هذا المقال.


كان محور الموضوع يتركز حول موقف الأديب من قضايا مجتمعه، وبخاصة قضايا العمال والمهمشين والبسطاء، وما إذا هو مُلزم بالتعبير عنها في أعماله الأدبية على إختلاف أجناسها أم هو حر طليق في كتابة ما يحلو له وينبغي تقييم أعماله فقط من حيث مستوى جمالها الفني والإبداعي؟ وبالتالي فله مطلق الحرية في التحليق كما يشاء في فضاء عالمه الخاص بعيداً عن عالمه الكوني الذي يعيش فيه أياً كان موضوعه : نرجسياً ذاتياً، نرجسياً عائلياً، التعبير عن علاقة غرامية خاصة، الاستغراق في الإفتتان بمشهد من مشاهد الطبيعة الحية أو كائناتها .. وهلم جرا، حتى لو خلا النص من التطرق إلى أي قضية من قضايا مجتمعه الراهنة المؤرقة، عملاً بالشعار الشهير "الأدب للأدب" أو مدرسة "الفن للفن" أو "المدرسة التأثيرية" والمدرسة الإنسانية التي أرساها الناقد الإمريكي أرفنج بايت والفيلسوف الإمريكي بول مورو ومدرسة "الكثلكة الجديدة" للشاعر الإنجليزي ت . س . اليوت "المدرسة السوريالية" لأندريه بريتون، من المدارس الاخرى .. وجميعها اُعتبرت نقيضة لمقولتي: "الأدب الملتزم" أو "الفن الملتزم".

وفي واقع الحال فقد ارتبط ظهور هاتين المقولتين غالباً في عالمنا العربي بما عُرف ب "مدرسة الواقعية الإشتراكية" بالتزامن مع صعود تيار الأحزاب الشيوعية خلال صعود المرحلة الستالينية والتي ألقت مواريثها بظلالهاالثقيلة على كامل حقبة ما بعد ستالين حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في أعمال الأدباء والنقّاد السوفييت، كما على أعمال الأدباء والنقّاد الماركسيين العرب دون تطوير يُذكر من كلا الجانبين. ويمكننا القول أن أبرز ظهور للتعبير عن "الواقعية الإشتراكية" على الصعيد العربي جاء في مصر على صفحات صحافتها خلال الأربعينيات؟ وتُوج هذا الظهور بصدور كتاب الناقدين والمفكرين السياسيين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس "في الثقافة المصرية" أواسط خمسينيات القرن الآفل إبان صعود حركة التحرر الوطني العربية، وهو تجميع لمساجلاتهما مع قمم أدبية كبيرة كطه حسين وعباس محمود العقّاد وعبد القادر المازني ولويس عوض وغيرهم. وقد صدر الكتاب في بيروت واحتفى به ووضع مقدمته الناقد والمفكر الشهيد اللبناني حسين مروة. ولم تكن كل تلك المواجهات بالضرورة مباشرة بحيث تحمل المرافعات المتضادة المقصودة بمن تعنيهم، بل تتناول أيضاً آراء كل منهما في مواجهة الآراء الاخرى دون أن تسمي أصحابها.

ومثلما أنتقد أقطاب "المدرسة الواقعية" المشار إليهم من يهاجم أو يُعيب على مدرستهم أو الذين كانت تطلق عليهم أصحاب التيار "اليميني البرجوازي" في رفع شعار "الفن للفن" وسائر المدارس المشار إليها آنفاً والذين ينصب جل تركيزهم في الدفاع عن جمالية الفن والأدب أو القيم الروحية، فإنهم انتقدوا أيضاً الأعمال الأدبية المسيسة المباشرة الخالية من الإبداع والخلق الفني والذين كانت أعمالهم أشبه بالمناشير أو البيانات السياسية كنتاج للنظرة المرآتية الميكانيكية المبسطة لمفهوم وظيفة الأدب كإنعكاس مباشر للواقع دون أن يطوّر الأديب أدواته الفنية والإبداعية. ولم يتردد مروة، على سبيل المثال لا الحصر، من اعتباره هذا المفهوم مفهوماً طفولياً متجرداً من الخلق الإبداعي والقيّم الجمالية، لكنهم لم يُقيّض لهم - لتأثرهم بالمدرسة السوڤييتية الستالينيىة - إدخال تطورات ملموسة على هذه المدرسة بحيث تتناغم مع إيقاعات ومتغيرات العصر المتسارعة في مختلف مناحي الحياة الإجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي.

وكان أن وصل الأمر في ذلك التأثر والاستنساخ إلى حد مصادرة أي عمل من أعمال أديب تصنفه الدوائر المختصة في الحزب، بنظرتها الضيّقة لمفهوم الإلتزام بقواعد "الواقعية الإشتراكية" بأنه ذو نزعة أو ميول برجوازية، ويجري التشكيك في الحزب الشيوعي السوفييتي إذا ما انطوى النص على أي إشارة من قريب أو بعيد يّشم منها نقداً تجاه أخطاء التجربة الإشتراكية المطبقة في شتى مناحيها. ولم تكن الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية بطبيعة الحال بمنأى عن هذا الاستنساخ في علاقتها بالعضو المناضل الأديب، أكان شاعراً أو وروائياً أو كاتباً مسرحياً أو فناناً، مما أفضى إلى فقدانها الكثير من قمم ورموز إبداعية كبيرة أو واعدة.

وفي الوقت الذي كان يُنعت فيه عميد الرواية العربية نجيب محفوظ ب "الروائي البرجوازي الصغير" كان هذا الروائي الكبير قادراً في أعماله الروائية التي كتبها خلال حكم عبد الناصر على نقد سلبيات التطبيق الإشتراكي والممارسات الشمولية لحكمه (السمان والخريف، وثرثرة فوق النيل نموذجاً) وهذا مالم يكن بوسع الروائيين السوڤييت ولا الروائيين العرب فعله لو أرادوا أن يعبروا في أعمالهم الأدبية عن أخطاء أو سلبيات تشوب التجربة الإشتراكية السوفييتية، عظِمت هذه الأخطاء أم صغرت. وإذا كان ضحايا الأعضاء الحزبيين من المبدعين العرب النبذ أو الطرد من أحزابهم فإن نظراءهم من ضحايا الحزب الشيوعي السوفييتي، وبخاصة خلال المرحلة الستالينية، مقصلة الزعيم الفولاذي، ولنتذكر في هذا السياق المصير المأساوي الذي انتهى إليه ناقد معارض مثل كارل راديك والذي تحوُل إلى أبرز منظّري المدرسة الاشتراكية الواقعية بالمفهوم الستاليني لكن ذلك كله لم يشفع له في أن تطاوله حملة التطهيرات التي لحقت بخيرة الآف من كوادر الحزب عام 1938 .

وعلى النقيض من ذلك كانت موسكو العاصمة في السنوات الأولى من قيام الاتحاد السوفييتي خلال حكم مؤسسه لينين وحتى السنوات الأولى القليلة من حكم ستالين قبل انفراده بالسلطة المطلقة المتوحشة منفتحة إلى حد كبير على مدارس الحداثة في الثقافة والفن والأدب الوافدة من الغرب، وكانت صحافتها ودورياتها النقدية تفتح صفحاتها للمساجلة مع تلك المدارس ليس بالضرورة من أجل هدمها ورفضها برمتها وإنما لإخضاعها للتقييم العلمي الموضوعي لبيان مالها وماعليها حتى وفق المنظور الواقعي للمدرسة الإشتراكية، ولكن بعد أن أستتب الأمر لستالين في حكم الفرد فرض مفهوماً إحادي الجانب للمدرسة الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن لا يمكن للأديب أو الفنان أن يتزحزح عن قالبه الجامد قيد أنملة. ذلك بأن الساحة الأدبية والثقافية وفق الرؤية الستالينية إن هي إلا ميدان من ميادين الصراع مع الرأسمالية العالمية ولا وسط بينها وبين الإشتراكية في صراع الخير ممثلاً في الإشتراكية وحدها والشر ممثلاً في الأولى وحدها. فإذا ما أتينا إلى مجال العمل الروائي، على سبيل المثال لا الحصر، فإن البطل في الرواية غالباً هو البطل الإشتراكي الذي لا تنكسر شوكته المنافح دفاعاً لا يستميت ولا يكل عن المكاسب والمنجزات الإشتراكية التي حققتها الدولة الإشتراكية الجبارة والتصدي لأعدائها الرأسماليين والإمبرياليين حتى لو كانت هذه المنجزات مُضّخمة ويشوبها الكثير من القصور والشوائب. وحتى تروتسكي الذي اُعتبر أخطر متطرف منشق ومُحرّف للفكر الإشتراكي كانت تتسم أفكاره حول الأعمال الأدبية والنقدية بشيء من بُعد النظر، فهو من الذين كانوا يرون ما مؤداه بأن إدانة الشاعر لمجرد تعبيره عن مشاعره التي يُساء فهمها في قراءة النص لا يقل عبثية عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

والحال أن النقّاد الماركسيين الذين قدموا إسهامات منفتحة ذات سعة أفق في تقويم الأعمال الأدبية الإبداعية جاء معظمهم من الدول الرأسمالية الديمقراطية، ومنهم النقّاد المحسوبين على مدرسة فرانكفورت النقدية مثل تيودور أدورنو الذي رأى أن ثورية الشكل لا يمكن فصلها عن ثورية المضمون، والناقد الماركسي الإمريكي المعروف فريدريك جيمسون الذي طوّر مدرسة نقدية تأخذ بعين الاعتبار عدم إهمال جمالية النص وربطه بالمضمون الإجتماعي واللحظة التاريخية لتطور نمط الانتاج والمرحلة التاريخية بل واللحظة التاريخية التي كُتب فيها بكل تناقضاتها وخصوصياتها التاريخية والإجتماعية. وهكذا كان رأي الناقد والمفكر الماركسي المجري جورج لوكاش الذي كانت آراؤه تلقى قبولاً عند هذه المدرسة والنقّاد الغربيين عموماً وحيث عُرف عنه رفضه تقييم الأعمال الأدبية اعتماداً على المضامين والقوالب الجاهزة فقط وفق النميط الستاليني المحنّط للواقعية الإشتراكية مؤكداً بأن التقييم ينبغي أن يرتكز على مدى قدرة المُبدع في إثارة التساؤلات في شكل الحياة والأقدار الجديدة للإنسان أما طرح الحلول والإجابات فليس ذا أهمية. واللافت أيضاً أن نظرة لوكاش هذه تلتقي مع نظرة الكاتب القاص والمسرحي الروسي الكبير إنطون تيشخوف.

وبطبيعة الحال فإن مُنظّري المدرسة الواقعية الاشتراكية العرب، كالعالم وأنيس، لم يتطرقوا البتة في أعمالهم النقدية الأدبية لهذه الإشكالية على الرغم من رفضهم - كما أسلفنا - للأعمال الأدبية الخالية من الخلق الإبداعي الجمالي والفني بدعوى تحقيقه شرط التعبير عن الواقع الإجتماعي ولو كان ميكانيكياً شديد المباشرة.

وصفوة القول أنه إذا كانت الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية قد أخضعت الكثير من جوانب مسيرتها النضالية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي للمراجعة، بغض النظر هنا عن مدى جذرية هذه المراجعة أو مدى توفيقها في تصويب هذا الجانب أو ذاك أو مدى تمكنها من ترجمة المراجعة إلى حيز الواقع الفعلي، فإنه يكاد يكون هذا الحقل الهام، ونعني به الحقل الإبداعي الأدبي ومعاييره النقدية، مغيّباً، وآن الأوان لاجراء مراجعة نقدية شجاعة للمدرسة الواقعية الاشتراكية للأدب التي تبنتها تلك الاحزاب استنساخاً من التجربة السوفييتية الستالينية عقوداً طويلة، وأن يُصار إلى ربط هذه المراجعة ربطاً مُحكماً بمهمات تجديد الفكر الإشتراكي على الصعيد العربي يأخذ بعين الإعتبار مجمل التحولات والمتغيرات الهائلة التي مرت وتمر بعالمنا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل نحو ثلاثة عقود، فالتحديات التي تواجه البشرية في العولمة وتغول الرأسمالية وتوحشها وتابعتها الرأسمالية الطفيلية العربية على نحو أكثر شمولية من اختزالها في ثنائية إما الرأسمالية وإما الإشتراكية، إذ ثمة إصطفاف أوسع لقوى الخير من جانب ولقوى الشر في المقابل يشمل المدافعين ليس عن السلم العالمي فحسب؛ بل والمدافعين عن قضايا حقوق الإنسان في كل انحاء العالم وعن حق الشعوب قاطبةً في التمتع بأنظمة ديمقراطية، وهذه لا يمكن تجاهل المتأثرين بنضالاتهم اليوم في الأعمال الأدبية أو اعتبارها إذا ما وُجدت بلا قيمة مضمونية ما دامت بلا محتوى إشتراكي، كما لا يمكن تجاهل أهمية الإنفتاح على المدارس النقدية العالمية وما أحدثوه من تطور في لغة نصوص الأعمال العالمية، ومن ثمَ إستشراف مايمكن الإستفادة منه في تثوير نصوص أعمالنا أدبائنا المتكلسة حتى بجديدها بحكم جمود لغتنا العربية رغم أن هذه بدورها قضية شائكة معقدة خارجة عن اختصاص المبدعين العرب وأجيالهم الجديدة.