الذريعة
من الزراعة إلى الاقتلاع


ماجد ع. محمد
سورية

المقال

يشكّل الترهيب والتهويل من مخاطر سياسية أو عسكرية، وهمية أو حقيقية لجهة ما، هدفاً استراتيجياً لدى بعض الدول والمؤسسات، وذلك التهويلُ المقصود نافذة جوهرية وبنفس الوقت سهلة لتمرير الكثير من القرارات والتشريعات التي يستحيل تمريرها في الحالات العادية محلياً أو دولياً، لأنه من دون وجود ذلك المبرر لدى المؤسسة أو النظام الحاكم.

لن يكون بمقدور الآمرِ اتخاذ اِجراءات صارمة أو إصدار قرارات وأوامر تصل إلى مستوى شن الحرب؛ لذا تكون الذريعة ههنا إما موجودة أصلاً من قبل، وحينها يتم استثمارها وتضخيمها إلى حين اقتناع أطراف وشرائح كثيرة بجدية خطورتها، وذلك حتى يبدأ المستثمر السياسي بجني ثمار الذريعة، أو تحريكها بالاتجاه الذي يتناغم مع مصالحه ويحقق أهدافه عبر الترويج عن مخاطرها ومن ثم إعلان الحرب عليها.

وإن لم تكن تلك الذريعة موجودة في الأساس من الممكن أن يتم غرسها، ومن ثم حقنها، ومن ثم إنماءها، ليتم فيما بعد استثمارها في الوقت المناسب، ومن أخس الذرائع المختلقة لدى الأنظمة، هي الذرائع التي أوجدتها بنفسها ثم بدأت بمحاربتها بعد إنتهاء مدة صلاحيتها، أو انتفاء مشروعية بقائها، وإنتهاء مبرر وجودها بعد أن تم حصد ثمار إيجادها حتى جاء أوان محاربتها، كمن يربي كبشاً، فيعمل جاهداً لتنشأته وتوفير البيئة الملائمة له، فيقوم بتغذيته ومساعدته في نموه وتضخيمه، لإيمانه بأنه سيحقق أبرز مآربه عبر الكائن المرعرع، وبعد تأكيد صاحب الأداةِ بأنه قد حقّق الغاياتَ والأهداف الاستراتيجية من خلاله يتم حينها رفع الكبشِ إلى مستوى القربان للتضحية به.

وبهذا الصدد فقد استفاد نظام البعث الحاكم في سورية أيما استفادة من أسافينها الإرهابية، فهو قبل كل دول العالم حذّر الغرب من مخاطر المنظمات الإرهابية في سورية منذ بداية الثورة، علماً أن الثورة كانت حينها في أرقى مراحلها، ولم تكن الطائفية قد تموضعت في أذهان السوريين، ولا كان الفساد قد استشرى بين صفوف الكتائب كما هو حالها اليوم، وطالما أن النظام ومنذ طفولة الثورة نبّه العالم إلى ظاهرة الإرهاب ما يعني بأنه زرع أسافينه داخل بعض الأجسام المسلحة في البلد منذ انتشار ظاهرة التسلح إلى حين نضوجها ليعمل فيما بعد على تهويل الموضوع والتمهيد لقطف ثمار ما عمل عليه منذ النشأة، بما أنه كان قد حذّر الدول الغربية مِن ظهور غول الإرهاب في سورية، وذلك قبل تبيان ملامحه أصلاً.

والغريب أن دوائر العنف دارت في البلاد كما أراد لها النظام أن تدور، حتى غدت عبارة محاربة الإرهابيين لدى النظام هي الذريعة الأساسية التي انطلاقاً منها ومن الرخصة الممنوحة عبرها إقليمياً ودولياً قام بتصفية الثوار الحقيقيين، ودمر المدن فوق رؤوس ساكنيها، وهجّر الملايين من بيوتها في القرى والمدن، وأعاد سورية أكثر من 50 سنة للوراء بفضل تدمير بنيتها التحتية، وبهذا الخصوص يكاد أغلب الحقوقيين وكذلك المراقبون السياسيون يُجمعون على أن مَن دفع باتجاه تسليح الثورة أصلاً هو النظام نفسه، لأنه لو بقيت الثورة سلمية لما حصل على رخصة محاربة الثورة من خلال ذريعة الإرهاب، ولما حظي بتلك الحجة التدميرية من أساسها، ولا ننسى في الوقت نفسه بأن الحشرات العفنة في المجتمع انتعشت في المستنقعات التي أحدثها النظام لإنهائهم فيها واحداً تلو الآخر. وفي الجوار السوري كذلك الأمر ثمة تجربة مماثلة للتجربة السورية، حيث يشير النشطاء الكرد في تركيا إلى أن المؤسسة العسكرية في البلد فعلت وتفعل مع الكرد الشيء نفسه منذ أزيد من ثلاثة عقود

وبما أن حزب العمال الكردستاني مصنف إرهابياً، لذا غدا الحزب المذكور ذريعة طيعة وجاهزة لدى الدولة الأمنية، لقمع أي نشاط كردي حقيقي، ولمنع ظهور أية حياة سياسية بالمجتمع في عموم المناطق الكردية في تركيا بحجة حزب العمال الكردستاني، بل وحسب شهادات بعض المثقفين أن الأجهزة الأمنية صارت عبر مختلف الأساليب تدفع ببعض الناشئة الكرد للالتصاق بذلك الحزب، ليس إيماناً بنهجه أو حباً بعقيدته المختلقة، ولا تصديقاً لأقوال المتخلفين من قادته، وإنما من خلال الإيحاء بأنه التنظيم الكردي الوحيد القادر على استقطاب الشباب، وبالتالي الضغط عليهم ليتطرفوا وينحوا صوبه، باعتبار أنه التنظيم المشغول عليه إعلامياً بكل قوة، فيخال لكل شاب كردي ناشئ أو متحمس بأنه ما من حزبٍ غيره قادر على تحقيق آماله وطموحاته القومية، وذلك من خلال بضعة شعارات سريالية حَفَظها كوادر ذلك التنظيم من دون واقعية ولو 10% منها.

هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى خناق مختلف الأنشطة في المجتمع الكردي بحيث لا يجد كل من لديه حس قومي أمامه إلاّ ذلك الحزب الممنوع إعلامياً والمسموح ميدانياً له بممارسة بعض الأنشطة، وبعد أن يتم دفعهم بذلك الاتجاه المراد له، وبعد بلوغ الذريعة مراقي الكمال في كل مرحلة زمنية، تباشر المؤسسة العسكرية باقتلاع المزروع ومحاربة كل أنشطة كرد الداخل ـ أي داخل تركيا ـ بذريعة محاربة الحزب المذكور، فلا تنهيه للأخير إنما تعمل على تدمير الحياة السياسية والثقافية في المجتمع عبره، فتبقيه نصف حي لتقوم بإنعاشه في الوقت الذي تريده، وذلك بهدف تهويل خطره في مرحلة لاحقة لكي يتم الهجوم عليه فيما بعد، ولأن فكرة عدم إنهاء الحزب
كانت مفيدة لدوام سطوة المؤسسة العسكرية، لذا راحت تفكر المنظومة الأمنية بالاستفادة من ذلك الجانب حتى خارج حدود الدولة، وذلك عبر الاستفادة من الثورة السورية والفوضى القائمة في سورية، وراحت بحجة نفس الحزب وبذريعة محاربة روافده هناك تحارب أي تواجد كردي عسكري في سورية، حيث انطلاقاً من نفس الأهداف وبنفس الذريعة دُمرت البنية المجتمعية في منطقة عفرين عبر أدوات لها من السوريين الذين تنازلوا عن مناطقهم للنظام، ولكنهم لم يجدوا حرجاً في مقاتلة الكرد بدلاً من الأسد الذي ادعوا بأنهم ثاروا على نظامه، حيث لم يجدوا أنفسهم إلاّ وهم يُغيّرون المسار والقيم مقابل تلقي شيء تافه من فتات غنائم الحرب والاتفاقيات.

وما سلف ذكره بات شبه مفهوم لدى أي ناظر لديه شيء من سلطة العقل ولم تستطع الأيديولوجيا نقله من معبد الأسد إلى معبد زعماء آخرين، ولكن في المقابل بقي العميان المنساقون على حالهم كما كانوا قبل الثورة وبعدها، فقبل الثورة كانت نشوى الشعارات البعثية قد أسكرتهم لسنوات، ولكنهم بالكاد أن تخلصوا من أثر السكرة القومية والممانعاتية للبعث الحاكم، حتى وقعوا مجدداً تحت تأثير بضعة مانشيتات وكليشيهات من نوعٍ آخر، إذ بعد التطهر من آثار كاتدرائية البعثِ العربي الاشتراكي، لم يجدوا أنفسهم إلا وهم في معبدٍ آخر وعليهم اِتباع طقوسه العقائدية بعد تغيير القطب والمعبد والمزامير.


للتعليق على المقالة




وصلنا التعليق على المقالة .. شكرا لك