كقصيدة رعوية


بديع الألوسي
العراق

القصة

قالت الرسامه اليابانية (وانغ فو )وهي تنظر الى عرانيس الذرة :
ـ احتاج الى العزلة ...

الطريق الذي مرت به طويل بمنخفضات ومرتفعات وبعسر ويسر وبشجاعة ورهبة . اليوم ، تتداخل في روحها وتذوب كل هذه المفردات الملتبسة ، والتي تتأملها وهي تزفر دخان التبغ غير مكترثة بالعادات والتقاليد الصارمة .. في الفترة الأخيرة ، ومن حسن حظها ان اللوحة البيضاء ما عادت تسبب لها ذلك الاضطراب ، وان محاولاتها المتأنية في البحث ساعدتها في العثور على ذاتها و أعادة الثقة والأمل إلى نفسها ، أحيانا ً تقول للأطفال : كأني بدأت أتخيل روحي مثل تلك الساحرة التي امتلكت قدرة الإبهار .هي تعترف ان سنيين عمرها السبعين قد أمدتها بخبرة تساعد مخيلتها على رؤية ماوراء الشكل من جماليات . و كذلك فأن وانغ فو قد أنتبهت وكتشفت ان في صراع الظاهر والباطن إيجابيات لا تعد ولا تحصى . ففي عزلتها وقبل ان تمسك الفرشاة ، تقضي ساعتين مصغية ً إلى موسيقى ملحن شعبي موهوب ، يدها اليسرى تحضر السلم اللوني الذي يتلائم مع مزاجها ، وبحركة مدربة تحدث تغيير ما ، بخط رشيق او منفعل تخلق شكلا ً ، او بفرشاة كبيرة وعبر اللون تبدع تكوينات غريبة . لكنها توقفت فجأة ً كي تعيد إلى لفافة التبغ الحياة ، انها تحب مراقبة الدخان ، الذي يظهر ويختفي ، كل ذلك دفعها كي تخاطب ببغاءها الكسول والغبي : أنا ما زلت متفائلة ً على الرغم من كل الآلام .

حاولت هذا النهار رسم طائر يطلق عليه البوذيون بالملاك الحائر . بعينيها نصف المغمضتين وبضربات فرشاة ناعمة ، اذهلت الأطفال ، كأن روح الطائر صارت ترقص على ورقة الرز ، قال صديقها دون تردد : هذه المرتبة من الجمال لا تحتاج الى برهان .

مَن يرى وانغ فو منهمكة في عملها ينتابه شعور ان ما تنجزة سيتجاوز ما هو مألوف ، ربما لأن لوحاتها اشبه بلحن رَعويّ خالي من الانفعال المتطفل اوالهواجس غير المجدية ، يعرف الاطفال جيدا ً ، انها ستذرف الدموع إذا عملها الفني لم ينل رضاها . كان قلبها المغامر يؤكد للزوار الفضوليين المحبين مشاركتها عملية الخلق من ان الإبداع سلسلة من الاحتمالات الامنتهية ، وان الرؤية المتكاملة تلد بعد انهيارات تشذب اللوحة من الخداع المحايد .

لوحات وانغ فو يطغي عليها الصفاء الروحي ، اما عن مشغلها فعبارة عن صالة طويلة رتبتها بما تقتضي ضرورات عملها ، حيث نجد عدد من الطاولات الملتصقة ببعضها ، على أحداها صندوق وضع عليه لوح خشبي ، أعد خصيصا ً لتحضير السطوح التي سيتم معالجتها بالألوان . بما انها ريفية المزاج ، فقد أحضرت هذا النهار باقة ورد من كل الألوان ووضعها قرب النافذة ، يوم حافل بالفرح والنشاط ، ربما كل ذلك لان لها موعد مع الحب يوم غد ، فقد حرصت ككل خميس بعد الظهر على اللقاء بصديقها ، الذي يملأ قلبها بكلمات تعيد المسرات الى روحها .

كان ترسم بخفة راقص ، وتحفر سطوح الخشب والبلاستك بهدوء وصبر عجيبين ، كانت فرحة ً بلوحتها ينابيع الربيع والتي كل من يراها يسترسل في تأويل ما تبعثه من سرور ، كان بعض ما تنجزه يصل في نهاية المطاف الى المطبعة التي وضعت في آخر طاولة . كل الاطفال يحبوها وتحبهم ، كانوا يرون الابتهاج على وجهها حين حظر صديقها ، هي تعلم إن تحمله عناء المجيء جوابا ً على حبه لها وفرط التعلق بها ، وقبل ان يشرب الشاي قال لها بنبرة مشجعة : أرى في اعمالك الأخيرة استعارات مكثفة . كانت تضحك وانغ فو وتقول للاطفال : وانتم ماذا ترون ؟ كانوا يصرخون بحماس ، كل منهم يصرح بما يحسه ، أما هي فتفرح حين تعرف انهم يرون ما يشبه تلال بللها المطر أو الغيوم تتعمد بالشمس ، أو نجوم فضيّة تحتضن القمر ، و كذلك طائر يغفوعلى غصن شجرة .. لكن صديقها يفلسف الأمر بعبارات غامضة ، قال كلاما ً لم يدركه الأطفال لا بل ضحكوا حين سمعوه : اني أرى عالما ً خياليا َ بعاطفة مضغوطة تشبه عاصفة تجريدية .

بعد ان انصرف الضيف .. غابت الشمس ، وحل الليل الرمادي والسلام الهانيء ، كل ذلك ساهم في انزواء وانغ فو بتلك الغرفة التي تحوي أهم اعمالها ، ظلت معلقة ً بين الفرح والدهشة ، وهي تتفحصص لوحاتها الملونة الصغيرة ، التي صارت تقلبها وتعيد تأملها واحدة واحدة، سمع الأطفال ماقالته : حمدا ً للحرية على حسن المفاجئة والمصادفة .. بعدها شعرت ان روحها قد امتلأت بالغبطة ، كأنها لامست تفاصيل حلم عاطفي لذيذ . كانت شجاعة لكن بخطى متثاقلة انسحب ورتمت على الكرسي القريب من المدفئة .. ولتبديد مواجعها قررت ان تحتسي مشروبها الروحي المفضل ، وغطت في غيبوبة التأمل الروحي، محاولة ً عدم مطاردة ما وراء الأشكال من جماليات . لكنها جعلتني في حيرة من أمري حين فاجأتني بسؤالها :
ـ هل تعلم من رسم لوحة ينابيع الربيع … ؟
========
قصص أخرى للكاتب:

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. شكرا لك