بخطايانا لا بقوة إسرائيل


سعيد مضية
فلسطين

المقال

أنجزت إسرائيل انتصارات عسكرية عندما افتقد أعداؤها القدرة القتالية ؛ افتتان اليهود بالانتصارات العسكرية الهمتهم مثلا يتداولونه، "اجمل من معركة حربية". ولما امتلك أعداء إسرائيل القدرات العسكرية فتشت إسرائيل عن سلبيات وعقد اجتماعية وأنماط وعي متخلف تستثمرها من اجل إنجاز مشروعها للاستحواذ على فلسطين. وجراء الغفلة والوعي السطحي تلقت المقاومة الفلسطينية طعنات عديدة في الظهر: جراء غفلتها عن تحالف الامبريالية والرجعية العربية مع إسرائيل، ثم تغاضيها عن عناصر التخلف الذاتية، خاصة البنية الأبوية . لم تستثمر إسرائيل جهود حلفائها فحسب؛ إنما استثمرت أيضا أخطاء المقاومة ونزعات محافظة ولا عقلانية غريبة عن روح العصر ومناقضة بالتالي لضرورات النضال الوطني التحرري. على مسرح اللامعقول في الشرق الأوسط، وفي المركز منه فلسطين، تتقصى إسرائيل نوازع وأخطاء أعدائها كي تستثمرها في ما يمكّنها منهم ويعزز سيطرتها على مجريات الأحداث بالمنطقة. من جانب إسرائيل التفكير الاستراتيجي والتخطيط واليقظة والتأهب الدائمين لانتهاز الفرص المتاحة، ومن الجانب المضاد عفوية وارتجال وقصر النظر وانشغال بالتناقضات الثانوية عن التناقض الرئيس. فما إن بزغت موجة الطعن بالسكاكين حتى استلهم جنود الاحتلال هواية اصطياد الفلسطينيين ووضع سكين قرب جثة الضحية. وكم من ضحايا أوقعهم المصير المشئوم في مرمى بنادق القناصين، وأحيانا على مسافة صفر من فوهة البندقية.

إن تأمل مسار الأمور بالضفة والقطاع يكشف ان فراق الضفة والقطاع وتفسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية قد جرى التأسيس لهما في زمن مبكر حين جرى التغاضي، بل الدعم، لجهود الإخوان المسلمين وهم ينشئون الجمعية الخيرية بالقطاع ويرفدونها بأموال النفط كي توسع خدماتها الصحية والتعليمية ومعوناتها الاجتماعية، وينتشرون في الجامعات ويطاردون بالجنازير والهراوات عناصر منظمة التحرير الفلسطينية في شوارع مدينة غزة ويقْدمون على إضرام النار في جمعية الهلال الأحمر بعد الفشل في السيطرة عليها. في تلك الأثناء تغاضى الاحتلال عن أسلحة عثر عليها في احد جوامع الإخوان وقبِل الحجة الزاعمة أن الأسلحة مدخرة للخصوم في منظمة التحرير . كانت الأمور واضحة للجميع لدرجة أن الراحل أوري أفنيري كتب في وقت لاحق يستغرب ادعاء حماس بدعم الاحتلال لفتح ضد حكمهم في القطاع وهم الذين دعمهم الاحتلال لمزاحمة فتح ومناكفتها.

حماس في كل ذلك لم تكن متواطئة ولا مرتهنة، لكن مسيَرة بمزاجها، وطبقا لمشروعها؛ طبيعة الاستثمار في نشاط القوى المتحكمة في إسرائيل والولايات المتحدة وكل دول الغرب الامبريالية اوحت لها بأن التيار الديني في المجتمعات العربية مجال استثمار مجزٍ. قدروا ان حماس السلفية لا بد وأن تصطدم مع فتح وجميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتستنزف جهودها ، ومن ثم تعمق الشروخات داخل المجتمع الفلسطيني، وتثلم نصل المقاومة الفلسطينية. برز التوجه جليا أثناء ما سمي الانتفاضة الثانية، حيث تجاوبت حماس مع استفزازات العنف الإسرائيلي ضد المظاهرات السلمية وادخلت الصراع مع الاحتلال في دائرة العنف المسلح غير المتكافئ، مدعومة في مساعيها من قبل فضائية الجزيرة، التي بات قادة حماس نجوما على شاشاتها يلهبون عواطف التضامن معهم بتهديدات إسرائيل "سوف نزلزل الأرض تحت أقدامهم" و"سوف نعلمهم درسا لا ينسى"!! والنتيجة معروفة، فقد استباحت إسرائيل مناطق السلطة وأجرت عملية إعادة تموضع لقواتها المسلحة في محيط القطاع ، بحيث أحكمت حصار القطاع وكثفت مكابدة المواطنين الفلسطينيين في هذه البقعة، ثم تفرغت لتهويد الضفة وتوسيع الاستيطان في أرجائها وتسريع عملية ضم القدس والضفة لإسرائيل .

وحين قرر شارون ، ومن قبله إيهود باراك، تلطيخ المقاومة الفلسطينية بتهمة الإرهاب تلفت لحماس يستثمر توقها لتحدي فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. راهن على تعلق حماس بالمقاومة المسلحة واستدرجها إلى منازلة مسلحة غير متكافئة. انزلقت الفصائل المسلحة للعنف ثم أدركت الخديعة وحاولت التهدئة، غير أن بيد شارون أوراقا أخرى يلاعب بها ؛ استثمر غريزة الانتقام . ورط الفصائل المسلحة واحدا تلو الآخر في متاهة ردود الفعل الانتقامية . كانت حصيلة المنازلة تجريم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب واستباحة مناطق السلطة.

في العام 2006 جرت انتخابات حرة بفلسطين. طلبت الإدارة الأميركية إجراء انتخابات حرة نزيهة تفضي تداعياتها الى وضع جماهير غزة تحت حصار مشدد، لكن تحت إدارة حمساوية. كانت نتيجة الانتخابات متوقعة من جميع الأطراف، ومنها الإدارة الأميركية. ودعا كاتب هذا المقال في افتتاحية جريدة "الخليل" في عددها الصادر عشية الانتخابات ، وكانت تصدر عن جمعية العنقاء الثقافية.. دعا "أسيادنا في فتح" الى قبول هزيمتهم عقابا على إسرافهم في الفساد والإفساد وإيغالهم في الفلتان وإشاعة التسيب.. تقررت مصائر كل من القطاع والضفة في واشنطون وتل أبيب. فازت حماس بأكثرية مقاعد المجلس التشريعي؛ رفضت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل نتيجة الانتخابات الحرة النزيهة. ركلت الإدارة الأميركية تبجحها بانها موطن الديمقراطية والمدافع عن الديمقراطية في العالم، وانطلقت إسرائيل من الادعاء بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. في الحال فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة عقابا لناخبي حماس بموافقة أميركية غير متحفظة. عمليا جرى تهميش المجلس التشريعي بالضفة والقطاع مع استمرار دفع رواتب النواب. هكذا أجهضت عملية ديمقراطية حقة؛ قطعت مسيرة الديمقراطية على الشعب الفلسطيني. لم يرتفع صوت فلسطيني يعترض على إجهاض العملية الديمقراطية ؛ كما لم يصدر اعتراض على تهديد الرئيس الأميركي حينئذ، بوش الابن، بتنفيذ انقلاب على يد محمد دحلان يسقط حكم حماس. لم تلجأ حماس للجماهير ولا للنواب المنتخبين ؛ إنما التجأت الى القوة المسلحة تبطش وتشرد الفتحاويين وتدير سلطتها بالقوة المسلحة.

في كل هذه المراحل توهمت حماس انها الكاسب وأنها تقترب من إنجاز مشروعها؛ لم تستفد من خبرة التعاون في أفغانستان حيث أدت للامبريالية مهمة عظيمة الشأن باستنزاف الاتحاد السوفييتي وتعجيل انهياره، ثم كوفئت بإدخالها عنوة في صراع حضاري ومنظمات إرهاب منظم. التعاون مع الامبريالية مؤقت وليس للامبرياليين صديق بل عميل مسخر . أهالت إسرائيل تهم الإرهاب على حماس ثم نقلت إليها ملايين الدولارات كي تنفق على إدارتها لقطاع غزة، وتوسع الهوة بين الضفة والقطاع، وتعمق الخصومة بين حماس ومنظمة التحرير. إسرائيل توصل الملايين لحماس التي هالت عليها تهم الإرهاب والقتل والتحريض الديني؛ وفي نفس الوقت تصادر إسرائيل ملايين الدولارات مستحقات السلطة من جمارك الواردات عقابا على تقديم الدعم لأسر الشهداء والأسرى.. إسرائيل تقيم صرحا تذكاريا لغولدشتاين، قاتل المصلين وهم سجود، بينما تدمغ المناضلين ضد نظام الأبارتهايد المرذول دوليا أيدي ملطخة بالدماء. وتحت تصرف إسرائيل ميديا واسعة الانتشار .

عطلت إسرائيل، خاصة حكومات نتنياهو، تفاهم فتح وحماس. وكلما بزغ توجه للتفاهم هدد نتنياهو قيادة السلطة عليكم أن تختاروا بيننا وبين حماس ويكيل لحماس تهم الإرهاب والتخطيط للقضاء على إسرائيل. في ذلك الحين برزت حماس في نهج مقاومة بينما فتح مستغرقة في مفاوضات عقيمة. طرق نتنياهو أبوابا أخرى سرية في دول الخليج تكيد لتعميق الشروخ بين حماس وفتح من خلال تقديم مساعدات مقننة بحيث تمول إدارة حماس، ولا تخفف معاناة أهل القطاع. هل حقا دول النفط الخليجية سيدة قرارها وتتصرف من منطلق التضامن مع ضحايا الاحتلال الإسرائيلي المدعوم بلا تحفظ من قبل الامبريالية الأميركية؟! ألم تستوعب حماس أن "نخوة" التعاطف مع القطاع تأتي من دول تقيم علاقات تعاون مع إسرائيل؟! ألم يتبادر لقادة حماس أن التعامل معهم ككيان مستقل مسعى ملغم بالكيد لمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة بالضفة والقطاع؟

مضت الأمور على هذا المنوال عاما إثر عام وانقضى عقد على فصل القطاع عن الضفة، وتعطل إسرائيل صراحة بحجة التفاوض والعملية السلمية كل مسعى للتقريب بين طرفي النزاع ، إلى أن تبين لكل من يريد الإدراك أن عملية السلام سراب ووهم. برزت على السطح حينئذ مساع خليجية للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي. نشرت المخابرات الألمانية تقريرا تحدث عن تغييرات في الحكم السعودي ثم سحبته بضغوط من وزارة الخارجية الألمانية. ثم برز محمد بن سلمان يضع انقلابه في السعودية تحت حماية إسرائيلية، ويشهر العداء لحماس والإخوان المسلمين ولدولة قطر . كان ذلك توزيعا للأدوار ، حيث تمظهرت قطر بدعم حماس والإخوان، وكل ذلك بإشراف أميركي وموافقة تامة من قبل الإدارات المتعاقبة بغض النظر عن الحزب الذي يشغل الإدارة.

اما مشروع حماس- إعادة منهج الخلافة- فيحدثنا عن مدى الاقتراب منه طبيب جسور وجه اصابع الاتهام لقيادة حماس في تغريدة مطولة أقتطف منها بنود الاتهام:
والسؤال الاهم ما دليك؟ فحسب الشريعة البينة على من أدعى فاسمع يرحمك الله.
1 - رأيت الفلل والسيارات الفارهه ولم تطبق مبدأ من اين لك هذا.
2- لم تطبق مبدا عمر ، عندما قال لابنه(يا عبد الله أغدُ الى رأس مالك واجعل باقيه في بيت مال المسلمين"!! وقُضي الأمر؛ يبيع الإبل ويأخذ رأس ماله فقط ويجعل الربح في بيت مال المسلمين.. دون تذمر ودون نقاش حتى).)
3- سمحت لنفسك باستخدام السيارات الحكومية وقمت بتوفيرها لأصحاب المناصب مع توفير البنزين خوفا على البريستيج في حين يتوجه باقي الموظفين مشيا على الاقدام لعملهم ونسيت قول عمر لعمر(قرقري أو لا تقرقري، لن تذوقي اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين).
4- رأيت الاختلاسات وتسترت عليها وقد تكون حاسبت المختلس او المخطئ سرا ونسيت قول الحبيب صلى الله عليه وسلم (فوالله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ) وقصة عمر بن الخطاب مع ابنه شارب الخمر ليست بخيال وعندما سأل عمر لماذا تقيم عليه الحد علنا فقال قولته الشهيرة (حتى ان مات والتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا له انا كنا نقيم العدل بعدك يا رسول الله).
5- بحثت عن مبررات لرفع الضريبة وقلت في اجتماع مع التجار (ليش زعلانين مهو المواطن اللي حيدفع ايش مفرقه معاكوا).
6- بحثت عن مبررات لشراء سيارات الفورد لبعض المتنفذين في حين لا تستطيع دفع الرواتب للموظفين ونسيت (اعطوا الاجير حقه فبل ان يجف عرقه).
7 - شراء السيارات الفاخرة للجنه الادارية المشكلة بمبالغ خيالية في حين لا تستطيع توفير وجبات الطعام للمرضى بالمستشفيات.
8- حصول بعض المتنفذين على مستحقاتهم المالية بطرق وخدع مبتدعة في حين لا يستطيع من هم بحاجة حقيقية من الحصول على اقل القليل من مستحقاتهم بحجج واهيه.
9- مكاتبكم تضاهي مكاتب اكثر الدول تقدما ورخاءا في حين شعبكم يبحث في حاويات القمامة عن قوت يومه.
10- واخيرا استطيع الحديث عن الكثير والكثير ممن لا يروق لمواطن مكلوم مثلي وانا انتظر مثل الكثير الدفعة الحزينة التي اصبحت تشريعا منذ اكثر من 4 سنوات في حين ارى مواكب السيارات الفارهه والفلل والقصور والمشاريع الضخمة ليست للوطن ولكن لشخوصكم الكريمة
لا استطيع الا ان اقول ما قال ربنا في محكم التنزيل (وقفوهم انهم مسؤولون) (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) داعيا المولى لي ولكم بالهداية).

انتم تستطيعون بخطبكم الرنانة وبفنون الخطابة ان تجدوا المبررات وتقنعوا الكثير بصواب عملكم ولكن عند الله تجتمع الخصوم.
========
مقالات أخرى للكاتب:
1 |

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. سوف يتم نشره .. شكرا لك