الفن ونظريات التعلم


عبد الله أحمد التميمي
الأردن

المقال

مع نهايات القرن العشرين شهد العالم تغيرات واسعة على جميع الأصعدة ،العلمية والاجتماعية والسياسية والتربوية ،كل ذلك كان سبباً في توسع الرؤية المعاصرة في نظريات التعليم المدمج بالفن ،حيث أصبحت الحاجة الى إدخال مفاهيم جديدة الى العملية التعليمية ،تقوم على التفكير والتحليل المبني على الحوار والنقاش ، بالإضافة الى الاستعانة بالوسائل الفنية التعليمية في كل المناهج ، لتكون مساندة للمقرر الدراسي النظري ،مما يضع القائمين على عملية إعداد المناهج الدراسية امام تحدي حقيقي . وسنتناول هنا اعمال الفنان جوزف بويس ،وربطها بالجانب التربوي التعليمي ،من خلال المحاور التالية :
1) فلسفة جوزف بويس بالفن الحقيقي .
2) الفن المعاصر ونظريات التعلم في فكر بويس .
3) العلاقة التي تربط أعمال الفنان بويس بالعملية التعليمية .
4) دراسة اثر ربط الفن بالمجتمع من ناحية تربوية .
5) التعرف على اثر ملكة التخيل والتعبير في تحفيز الطاقة الفنية عند التلاميذ في أعمال الفنان جوزف بويس .
6) مناقشة مسألة الأدراك البصري للعمل الفني التقليدي في فلسفة جوزف بويس .
 


اولاً: فلسفة جوزف بويس بالفن الحقيقي
 

 
على الرغم من كون أعمال الفنان جوزف بويس تجسد صورة لحركة التمرد على الفن التقليدي المحصور ضمن اطار اللوحة او العمل النحتي ، إلا أن فلسفة بويس بماهية الفن الحقيقي هو الفن الذي يقوم على فكرة تشير الى قضية وليس بالضرورة ان تتصف بالديمومة ، وهذا الطرح تبناه فنايين مرحلة ما بعد الحداثة ،وفي بعض أعمال بويس التي توضح الجانب التعليمي في طرح فكرة عمل فني تركيبي يتحدث فيه عن العلم والطبيعة والفن في أن واحد ،حيث تظهر كتلتين من الطين تمثل الأرض مربوطة بجهاز للطاقة عن طريق أسلاك معدنية على طاولة خشبية ،حيث يمكن اعتبار هذا العمل فكرة إبداعية لوسيلة تعليمية تحكي مبدأ توليد الطاقة او مبدأ عمل البطارية في الخمسينات.


ثانياً : الفن المعاصر ونظريات التعلم في فكر بويس
 


عند البحث عن بدايات الفن المعاصر لابد لنا ان نتكلم عن عراب هذا الفن إلا وهو جوزيف بويس ،ولكن سنحاول في هذا المحور ان نسلط الضوء على الجانب التربوي من فلسفة بويس ،هذه النظرة التحررية ،التي طرحت مفهوم توسع منظومة الفن في التعليم ،بحيث تهدف إلى تطوير الفرد وتشكيله من خلال إعادة النظر بصيغ مقررات التربية الفنية لتواكب العصر ، ويؤكد بويس على ضرورة إدخال الوسائل الفنية التعليمية بكل المقررات الدراسية والاستعانة بالفن في تدريس اللغة وعلم الجغرافيا والتاريخ والرياضيات وجميع المعارف الى ان يصل الى الهدف الرئيسي وهو تعليم الفن من خلال المواد الدراسية الأخرى ،كما طالب بويس باستقلالية النظام التعليمي عن الدولة ، والدعوة الى ثورة طلابية تهدف الى اصلاح منظومة التعليم.


ثالثاً : العلاقة التي تربط أعمال الفنان جوزف بويس  بأنثروبولوجيا التعليم
 


تستند فلسفة بويس على ربط تعليم الفنون بعلم طبائع البشر "الأنثروبولوجيا" وعلم البيئة والعلوم كافة حيث يؤكد بويس ان كل أنسان فنان بطبيعة تكوينه ، ،وأن الفن يجب ان يقوم على تربية وتدريب الحواس والتي سيكون لها دور على تنمية التفكير وتحفيز الأبداع ،كما طالب الى رفع سقف الحرية بالتعبير دون قيود ،واستخدام الإنسان لعقله في التحليل والتفكير الناقد والاعتماد على ذلك في البحث والاكتشاف ،وهذا هو الاساس الذي ما يمنعه من السقوط ،وفي بعض اعمال بويس التي توضح صورة سلم خشبي مربوط بكتلتين من الرصاص ،والتي تمنع السلم من السقوط ، وهو بهذا العمل يحاول ان يؤكد ان هناك قوة تمنع اي دولة او شخص من السقوط اذا كان مدعوم بقوتين من الرصاص وهما العقل والحواس .


رابعاً : دراسة اثر ربط الفن بالمجتمع من ناحية تربوية
 


يشير بويس الى ان تعليم الفنون يجب ان يكون مرتبط بالتربية الأخلاقية والعدل والديمقراطية ، وان الفن يجب ان يرتبط بالمجتمع والأنسان ، ويؤكد ايضاً ان كل إنسان هو فنان من ناحية تحمل المسؤولية الاجتماعية اتجاه المجتمع ، ويعتبره اكبر عمل فني على الأطلاق ، ويدعوا الى ان العمل الإبداعي يجب أن يكون بالمشاركة مع المجتمع وان يكون ذا فائدة وقيمة اجتماعية من خلال منظومة التربية الأخلاقية والتعليم ، وان العالم كله مسرح تعليمي وجميع البشر هم تلاميذ ليس اكثر فالإنسان بطبيعته عنصر نشط قابل للتشكيل بما يخدم المصلحة العامة كما انه يلعب عدة أدوار في حياته اليومية ، وفي بعض اعمال بويس التي تمثل سعف النخيل مغموسة بمادة الكبريت ، ويشير في هذا العمل الى قوة عنصر الكبريت في ذوبان سعف النخيل والتي ترمز الى الروح بعد صعودها الى السماء وهذا العمل يمثل محاكاه للطقوس الدينية .


خامساً : اثر ملكة التخيل والتعبير في تحفيز الطاقة الفنية عند التلاميذ
 


يشير بويس إلى مفهوم الطاقة الفنية السارية بالبشر ،والتي لا يمكن لنا ان نطورها الا من خلال النظام التعليمي ،الذي يحفز ملكة التخيل والتعبير والفكر ،فهذه الطاقة الكامنة اذا تم استغلالها بالشكل الصحيح عن طريق الخطط التربوية ، ستكون ذات تأثير فعال في بناء المجتمع المعاصر .


سادساً : مسألة الأدراك البصري للعمل الفني التقليدي في فلسفة بويس
 


يطرح بويس مسألة الأدراك البصري للعمل الفني التقليدي المرتبط بالناحية الجمالية ، اذ يؤكد على ان الجمال والمعرفة هما عنصر واحد لا يمكن فصلهما ، فقد يكون الجمال في الفكرة او في معرفة الحق وتطبيقه على ارض الواقع ،وهذا طبعا ما يضع الدولة أمام تحدي حقيقي ، وهو إعادة النظر في صياغة المناهج التربوية لتواكب العصر ،فالعلم توسع كما الفن من وجهة نظر بويس ليؤدي في النهاية الى تحمل الفرد للمسؤولية الاجتماعية بصورة حقيقية ،وصولاً الى المجتمع المثالي .

لذلك فأن ربط الفن بالنظام التعليمي يعني استحضار التقدم والازدهار للمجتمع ، وان صناعة الفنان الخلاق بالتأكيد تعتمد على النظام التربوي والثقافة المجتمعية السائدة ، مع الإدراك الذاتي لدور الفنان الذي يعكس جمال هذا المجتمع ، وهذا المفهوم الذي أعطى تفسيرًا اجتماعيًا أكثر تحديدا وذات صفة معيارية لرقي الأمم، ومستوى تقديرينا لمعنى الجمال والفن ،كوسيلة تعبيرية عن ماهية ذلك الوسط ،فالفن يعطي صوتاً للأفكار والمشاعر ،حزن فرح وما الى ذلك من مفردات تعبر عن الحالة المجتمعية في ذلك الزمان والمكان ، ومن هذا المنطلق تم اعتبار دراسة التاريخ الفني لأي مجتمع متوازية مع دراسة علم السيسيولوجيا والأدب البشري للمجتمعات .

كما تم التأكيد على فلسفة بويس في دمج الفن مع الجانب التربوي ،من اجل تحقيق التكامل ، فالنظام التعليمي بحاجة الى وسائل فنية لتوضيح المفاهيم النظرية وتثقيف المجتمع بالمبادئ والمنهج المراد تطبيقه من خلال الصور والمجسمات كوسائل تعليمية ،وأن يتوسع مفهوم الفن الى درجة التكيف مع باقي المواد الدراسية ، هذا يعني ان يرتبط الفن بكل المفردات المعرفية والمجتمعية ،الى ان نصل ان يقوم كل فرد بتنفيذ أي عمل له بمهارة وحرفيه عالية وتفرد ليصبح بالنهاية فنان بعمله ،وبما ان المعلم هو أعظم عمل فني ، الا ان الفن المجتمعي يعتبر اكبر مورد فني مجاني للطلاب والتلاميذ ومدرسي الفن أيضاً، وهذا ما يسمى بفلسفة النحت المجتمعي في فكر بويس ،وتمثلت هذه الفلسفة ،عندما قام بويس بتدريس أكثر من 300 طالب في أكاديمية دوسلدورف للفنون من عام 1961 حتى عام 1972 حيث اعتبر الفنان هو معلم مستقل عن مساعيه الفنية من خلال تشجيع طلابه على أخذ مساراتهم الخاصة بهم من خلال الاندماج بالوسط المجتمعي المحيط بهم واستدرار الأفكار منه.
========
مقالات أخرى للكاتب:


للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. سوف يتم نشره .. شكرا لك