لماذا أنا يهودي ضد الصهيونية


د. عوفر كسيف
فلسطين التاريخية

المقال

إنكار وتعنّت

عادة ما تطلق الصهيونية مواعظ ضد اندماج اليهود بين الأمم، وبالتالي فعادة ما تنسّق مع أكثر القوى السياسية رجعية، وحتى المعادية –للسامية منها. زد على ذلك، من خلال إنكارهاحقيقة إمكانية اندماج اليهود في الأمم الأخرى، والتعنّت على أن معاداة السامية هي نوع من القدر المحتوم، فالصهيونية لطالما رفضت بل قوّضت، النضالات الديمقراطية ضد التمييز ومن أجل الديمقراطية والعدالة.

إن العنصرية في إسرائيل عامةً، وضد الأقلية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل خصوصًا، تتزايد فعلا منذ أن تشكّلت حكومة بنيامين نتنياهو الثانية في آذار 2009؛ ويزداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم كما يتجلّى في قانون أساس الأبارتهايد: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي. بالرغم من ذلك، لا شكّ أن الاحتلال الوحشي للضفة الغربية، قطاع غزة (الذي ما زال تحت سيطرة إسرائيل) والقدس الشرقية (المحتلة منذ عام 1967) يلهب العنصرية ويلعب لصالح المتعصّبين أمثال نتنياهو وزمرته.

كما أشار بعض اليساريين في إسرائيل منذ أيلول 1967 (ثلاثة أشهر بعد الاحتلال): "يجلب الاحتلال سيطرة أجنبية. والسيطرة الأجنبية تؤدّي إلى المقاومة، والمقاومة تؤدي إلى القمع. القمع يؤدي إلى الإرهاب، ومكافحة الإرهاب". ضف الى ذلك ما أردفه البروفسور يشعياهو ليبوفيتش في حينه، أن "خصائص كل نظام استعماري ستسود أيضًا في دولة إسرائيل. فسيتحتم على الإدارة قمع عصيان العرب من جهة، بينما تكسب عملاء منهم خونة لشعبهم".

الحقيقة، التاريخية والمنطقية، هي أن الاحتلال يولّد المقاومة؛ لكنه يؤدّي إلى تنامي مشاعر العنصرية بين المُحتلّين. كما كتب المفكّر الفرنسي العظيم، ألبرت ميمّي: متى قاوم السكّان الأصليون المُستَعمَرون، فسيصوّرهم الاستعمار كـ"متعطّشين للدّم بطبيعتهم" –"وُلدوا قتلة"، "همجيّين بالوراثة"، و-"مجموعة دونية" غير جديرة بأن تنطبق عليها الديمقراطية وحقوق الإنسان. إن العنصرية والاستبداد، هما نتاجان حتميان للاستعمار.

الآن، استنادًا إلى انتماء كل من الأقلية القومية العربية في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى شعب واحد – فكلتا المجموعتين هما ضحية العنصرية والتمييز الإسرائيلي. أي،إن الفلسطينيين "من على جانبي الخط الأخضر" (ما قبل احتلال 1967) هم الضحية الدائمة للمجتمع وللنظام العنصري الإسرائيليين.

بنظري، إن العنصرية الإسرائيلية هي بالضرورة نتاج للاحتلال؛ عنصرية تلقى حضنًا دافئًا في حكومة نتنياهو النيو-فاشية. لكنها أولاً وبادئ ذي بدء راسخة عميقًا في الفكر الصهيوني بذاته. وفقًا للصهيونية، فإن اليهود في كل العالم يشكّلون شعبًا واحدًا، ما يجعلهم يستحقون حق تقرير المصير على "أرض أجدادهم" – "أرض إسرائيل". منذ بداياتها وحتى اليوم، كان الهدف الأسمىللصهيونية تحقيق "التطابق الثلاثي" بين 3 أبعاد:
1. الشعب اليهودي:كما عرّفته الصهيونية كعرق، يشكّل كتلة مشتركة، بناءً على فرضية أن اليهود في كل العالم (وعلى مرّ التاريخ) يتشاركون نفس الأسلاف وينحدرون من نفس الأصل.

2. الوطن: "أرض إسرائيل" عرّفتها الصهيونية كالمكان الذي نشأ وتناسل فيه الشعب اليهودي. كما ورد في وثيقة الاستقلال الإسرائيلية: "أرض إسرائيل هي منشأ الشعب اليهودي. هنا صيغت هويتهم الروحانية، الدينية والسياسية [...لذا، فهناك] ارتباط تاريخي بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل". كذلك، وكما يؤكّد مجدّدًا قانون الأساس: دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، فإن: "أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، والتي قامت عليها دولة إسرائيل".

3. الدولة السيادية: بناءً على ارتباط "الدم والتراب" الذي أوجدته الصهيونية بين الشعب اليهودي على امتداد أجياله وبين أرض إسرائيل، أصبحت إقامة الدولة اليهودية مشروعها السياسي الرئيسي، مثلاً "استعادة" السيطرة اليهودية على "الوطن اليهودي". مجددًا، وثيقة إعلان الاستقلال واضحة جدًا بهذا الصدد: في "أرض إسرائيل" الشعب اليهودي "حقق الاستقلال وصاغ هويته الثقافية والقومية والدولية، [...] في منفاه عن أرض إسرائيل، بقي الشعب اليهودي مخلصًا لها في جميع دول الشتات، ولم يتوقف أبدًا عن الصلاة والأمل بعودته، واستعادة حريته القومية". لذا، تلخص الوثيقة، بأن هناك "حق طبيعي وتاريخي للشعب اليهودي...لإحياء قوميته في دولته ويأتي قانون القومية ليضيف أن "دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، والذي يمارس فيه حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي في تقرير المصير". من هنا، تواصل: "حق ممارسة تقرير المصير في دولة إسرائيل خاصة بالشعب اليهودي".

باعتقادي، هناك على الأقل ثلاثة محاور شرّ في المشروع الصهيوني كما فصّلت أعلاه، دون علاقة، بالرغم من وجودها، للخرافات حول نشوء الشعب اليهودي وتاريخه في فلسطين ("أرض إسرائيل"):
1. الإثنو-قومية: لطالما فضّلت الصهيونية الهوية العرقية اليهودية وأبرزت القيم الجوهرية للقومية والدولة اليهودية. على هذا الأساس، أي قيمة أو موقف آخر تدعمها مجموعات صهيونية أخرى (الاشتراكية، الليبرالية، الديمقراطية) هُمّشت وأخضعت للخطة الرئيسية – تحقيق سيطرة العرق والدولة اليهوديين في فلسطين. من هنا، وكما أشار عالم الاجتماع البروفسور باروخ كمرلينج أن قانون العودة (1950) وقانون القومية (1952) يحددان/يُعرّفان اليهودية تقريبًا بالتوافق مع قوانين نيرنبرغ النازية. إن القومية والدولة، إذن، كانتا دومًا القيمتان الأسمى في السعي الصهيوني، المتجاوز للديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، المساواة والحرية. إن ملاحقة إسرائيل لمنظمات حقوق الإنسان، للإعلام، للقضاء، للمؤسسة الأكاديمية، للأقلية القومية الفلسطينية وإلخ (ما يُشار إليه بفشستة إسرائيل) هو، إلى حد كبير حصيلة الإثنو-قومية اليهودية المتواصلة.

2. الاستعمار: مع نهاية القرن التاسع عشر، عندما تشكّلت الهستدروت الصهيونية، كانت الغالبية الساحقة من سكّان فلسطين من العرب المسلمين. وفقًا للتعداد السكاني من عام 1890، فمن أصل 532,000 نسمة في فلسطين – 432,000 كانوا مسلمين، 57,000 مسيحيين وفقط 43,000 يهود. بناءً على الهدف الأعلى للتطابق الثلاثي، فإن الحركة الصهيونية (ودولة إسرائيل من بعدها) انتهجت، في الأمس كما اليوم، سياسة "التغيير الديمغرافي". من خلال دمج تشجيع رسمي لليهود بالهجرة إلى فلسطين ("العلياه")، والتهجير الممنهج للعرب من أراضيهم وبيوتهم (بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال مهاجمتهم وإرغامهم على النزوح "طوعًا"). بشكل طبيعي، فإن الأحزاب الصهيونية التي تدعو الآن إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 تفعل ذلك فقط للحفاظ على أغلبية يهودية داخل دولة إسرائيل أكثر من حقيقة كون العدالة تستدعي ذلك. باختصار، فالسياسات الصهيونية عنصرية بالوراثة/ بالتوارث/والتوريث.

3. الرجعية ومعاداة السامية: في سعيها إلى التطابق الثلاثي، وبالتالي للإتيان باليهود، ادّعت الصهيونية أن لا مكان سوى الدولة اليهودية يمكنه توفير الأمان لليهود، أو الحفاظ على هويتهم الأثنية، أو، على الأقل – أنه جيد بما فيه الكفاية لرفاهيتهم وازدهارهم. انطلاقًا من هذا المنطق، عادة ما تطلق الصهيونية مواعظ ضد اندماج اليهود بين الأمم، وبالتالي فعادة ما تنسّق مع أكثر القوى السياسية رجعية، وحتى المعادية –للسامية منها. زد على ذلك، من خلال إنكارها حقيقة إمكانية اندماج اليهود في الأمم الأخرى،والتعنّت على أن معاداة السامية هي نوع من القدر المحتوم، فالصهيونية لطالما رفضت بل قوّضت، النضالات الديمقراطية ضد التمييز ومن أجل الديمقراطية والعدالة.

ختامًا وللتلخيص، يبدو أن على الصهيونية – كفكر وحركة سياسية –أن تعرّف كقوة عنصرية، استعمارية ورجعية، وتضرّ ليس فقط بمصالح الشعب الفلسطيني بل أيضًا بمصالح اليهود في جميع أماكن تواجدهم، وبمصالح دولة إسرائيل. إن الأجدر بالصهيونية، سأجاسر وأقول، هو أن تُرمى إلى مزبلة التاريخ.
-----
*الكاتب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي "الاسرائيلي"

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. سوف يتم نشره .. شكرا لك