ter


هل سيتحقق حلم الشيوعيين
بالمساواة التامة بين البشر
متى وكيف؟



سليم نصر الرقعي
ليبيا (بريطانيا)

المقال

هل يُولد البشر متساويين بالفعل أم يولدون بفوارق بدنية وذهنية واجتماعية!؟ وهل يمكن تحقيق المساواة التامة بين البشر في توزيع الثروة العامة للمجتمع!؟ ومتى!؟
****************************
ربما يتحقق ذلك بالفعل - أقول ربما! - إنما في المستقبل البعيد، ربما البعيد جدًا، وذلك حينما تبلغ العلوم والتقنية ذروتهما وتأخذ الارض زخرفها وزينتها من حيث العمران والرفاهية (*) وتتكون إدارة عالمية بمجتمع دولي موحد تتحقق فيه درجة عالية من التنظيم الاداري والاجتماعي ودرجة عالية من المساواة بين البشر في المعيشة والرفاه العام، ولا تكون هناك حاجة حتى للرأسمالية وللتجارة والعمال البشريين لتحريك عجلة الاقتصاد!، انتاجًا وتوزيعًا، لأن كل العمل العضلي القوي وأغلب العمل العقلي الذكي سيتم تحميله على الآلآت القوية والذكية الجبارة التابعة للحكومة الدولية المركزية والتي توفر للبشر كل الحاجات الضرورية والكمالية وتوزع الثروة الناتجة من الجهود الآلية الجبارة للعمال غير البشريين والمدراء الآليين بطريقة عدلية راقية ودقيقة!.. فتلك الإدارة العالمية للكوكب - وبالاعتماد على الآلات فائقة الذكاء والدقة والمهارة في فن الادارة - تقوم بجمع المعلومات الدقيقة عن أحوال كل البشر ثم تقوم عن طريق هذه القوى الآلية بتوزيع الحصص بين سكان الكوكب بشكل عادل ومتساوٍ وبطريقة فعالة وصارمة وسريعة ودقيقة بطريقة تفوق قدرات ومهارات البشر الطبيعيين!، طريقة (عدلية) آلية ليس فيها مجال للرشوة أو مجاملة أحد أو وساطة ومحسوبية أو بيروقراطية بطيئة وعاجزة!، لا مكان فيها للعواطف!..

بل توزيع عادل وآلي يقوم على الارقام والحسابات والمعلومات الدقيقة التي تصل لمركز المعلومات والادارة الآلية لكوكب الأرض والمجتمعات البشرية عبر مجسات منتشرة في كل مكان تراقب حاجات السكان بشكل يومي وتتابع مستوى معيشتهم وتتأكد من سلامة ودقة نظام التوزيع (العدلي) الآلي الذكي للثروة حيث يمكن للحواسيب الجبارة أن تعرف حاجة وظروف كل مواطن وكل انسان!!.. أقول ربما هذا يحدث!.. من خلال النظر إلى خطين متعامدين، خط التقدم العلمي والتقني المتصاعد وأحيانًا بشكل متسارع مذهل.. والخط الثاني هو خط ارتقاء الحس العدلي عند البشر خصوصًا في مجال ضمان حاجات الناس الأساسية بشكل يحقق مبدأ (العيش الكريم)... فوفقًا لهذين الخطين يمكنني أن استشرف المستقبل وأكوّن (صورة تخيلية) للوضع البشري حين يبلغ هذا التقدم والارتقاء ذروته ببلوغ أقصى درجات انتاج الثروة وتحسين وسائل التمدن وأدوات المعيشة!.. فيومئذ لن تكون هناك ضرورة للرأسمالية والتجارة والعمال البشريين ولا حتى الموظفين البيروقراطيين!.

ولكن من هنا إلى هناك فإن الحاجة الماسة للرأسمالية والتجارة والعمال والمدراء البشريين لا زالت قائمة وهو ما قد يترتب عنه الكثير من عدم المساواة بين البشر بل وربما الكثير من النقائص والعيوب والمظالم والمساوئ والتجاوزات على المستوى المحلي في كل مجتمع وعلى المستوى الدولي!.. والعجز عن تحقيق العدل التام في زماننا ليس بالضرورة يكون ناتجًا عن انعدام ارادة العدل أو حب العدالة أو غياب الارادة السياسية بل قد يحدث في كثير من احيان بسبب غياب أو ضعف (الإدارة الانسانية) لمسألة توزيع الثروة فبحكم الجهل أو الضعف البشري والعجز العملي عن معرفة كافة دقائق الظروف الفعلية لكل مواطن وكل أسرة وكيفية ايصال الحصص لمستحقيها على أكمل وجه لا تصل الحصص إلى مستحقيها بل وقد لا تتعرف الادارة المركزية على المستحقين للمساعدة بالفعل!.. فالإدارة البشرية حتى الآن إما أن تكون فاسدة أو عاجزة!.. فاسدة أي أنها لا تريد تحقق العدالة والمساواة ، وعاجزة لأنها تريد ولكن لا تستطيع!.. فقدرات البشر على جمع المعلومات الدقيقة عن أحوال الناس فردًا فردًا لازالت متخلفة وقاصرة جدًا..

أما في عصر تتولى فيه الآلات الجبارة القوية والذكية جدًا عملية الانتاج والتوزيع فلربما سيتحقق الهدف النبيل الذي قامت عليه (الشيوعية) وهو المساواة بين البشر في الثروة العامة ((من الآلات القادرة والماهرة والذكية أقصى طاقتها الانتاجية والابداعية من حيث توفير السلع والخدمات وأدوات المعيشة .. ولكل البشر حاجاتهم الضرورية والكمالية وبما يحقق له العيش الكريم بل والرفاهية)).. هكذا سيكون ذلك النظام المستقبلي المتقدم في ذلك الوضع البشري الغني والذكي جدًا، بل يمكن عندها - بالعلم والتقنية الطبية والآلات والأجهزة الفائقة القدرات والمهارات والذكاء الاصطناعي - تجاوز عقدة (الفوارق الفردية البدنية والذهنية) التي يُولد بها البشر!، حيث أن البشر في الحقيقة لا يُولدون متساويين كما تنادي وثيقة حقوق الانسان بل هم في الواقع الحياتي الفعلي يُولدون غير متساويين كما يزعم (الاعلان العالمي الليبرالي والمثالي لحقوق الانسان)!.. بل يُولدون بفوارق جسمانية واجتماعية وواقعية تؤدي إلى عدم التساوي في (الفرص) من الناحية الواقعية!.. فحتى مع ضمان الدساتير والقوانين لمبدأ (التكافؤ في الفرص بين المواطنين!!) إلا أن الواقع يصرخ بعدم المساواة وبالفروق الفردية في المجتمع الوطني الواحد وبالفروق الوطنية في المجتمع الدولي!...

لهذا فإنني أتصور - إذا شاء الله للبشرية أن تبقى وتستمر في رحلتها الارتقائية فوق كوكب الأرض - وعن طريق العلم والتقنية سيتم تلافي الكثير من العيوب والنقائص (الخلقية) التي يُولد بها الافراد كقلة الجمال أو شدة القبح وضعف الاعصاب والقابلية للإكتئاب والأمراض العضوية التي تنتج إما عن خلل جيني موروث أو عن خلل حدث أثناء تكوين الجنين في بطن أمه أو حتى نتيجة اصابات وحوادث بعد الولادة!.. حيث سيتم بالعلم والتقنية الفائقة تحسين النسل البشري شكلًا ونوعًا وأيضًا من حيث الصحة البدنية والذهنية والعقلية والنفسية!...

هكذا أتصور الوضع البشري بعد ألوف السنين ولكن من هنا إلى هناك وحتى يحصل ذلك فإن الفوارق بين البشر ستستمر!.. وسيُولد البشر غير متساويين سواء من حيث أوضاعهم البدنية والذهنية أو أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية... وفي هذا الوضع سيظل للرأسمالية والتجارة وعامل الربح والتدرج الطبقي الاجتماعي والتنافس على الثروة والسلطة بين الافراد وبين المجتمعات هو أهم العوامل في تحريك عجلة الاقتصاد والسياسة وبالتالي حركة التاريخ، وستظل الدعوة للشيوعية والمساواة التامة في العيش الكريم بين الناس مجرد حلم طوباوي مثالي بعيد المنال، بل وإذا حاول بعض (الثوار) من الشيوعيين تحقيقه وتطبيقه بالفعل عن طريق القوة والعنف الثوري والديكتاتورية باسم الشغيلة والكادحين أو حتى باسم (الشعب العامل) فإنهم سيُفسدون الأوضاع الحالية التي ساهمت الرأسمالية والديموقراطية الليبرالية في تشكيلها وتحسينها ويكون حالهم كحال الذي جاء ليداوى عين الأعور، فأعمى العين الصحيحة وتركه أعمى بلا بصر!!... وتجارب المعسكر الاشتراكي السابقة خير برهان على صحة ما نقول!.
*************
(*) يتنبأ القرآن بحصول هذه الحالة التي يحلم بها البشر وعلى رأسهم الشيوعيون أي الوصول في عملية انتاج الثروة البشرية العامة على كوكب الأرض لحالة الطفرة والوفرة التي تبلغ درجة الفيضان (مجتمع الوفرة) و(الفائض)!.. بل يخبرنا القرآن أن يوم القيامة والحساب لن يتحقق إلا بعد بلوغ البشر هذا الوضع المثالي المريح .. الثراء العالمي العميم!.. يقول القرآن : {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس : 24) .. كما أن هناك بعض الاحاديث المنسوبة للنبي محمد - ما أدري ما صحة نسبتها له - تخبرنا بأن القيامة لا تقوم حتى يصبح حجم (الرمانة) الواحدة ضخمًا جدًا إلى درجة أنها ليأكل منها مجموعة كبيرة من الناس فتشبعهم وتفيض بل ويستظلون بقشورها أو يحولون القشرة إلى ما يشبه البيت الذي يستظلون به!! .. وهذا بالتأكيد إذا حدث سيحدث بسبب تحكم البشر في البيئة الطبيعية عن طريق العلم والتقنية (البيولوجية) خصوصًا في الانتاج الزراعي وكذلك الحيواني كمًا ونوعًا وحجمًا فضلًا عن التحكم في الانتاج البشري كمًا ونوعًا وحجمًا كما ذكرنا في الموضوع بغرض تحسين النسل البشري من الناحيتين الصحية والجمالية!!.  

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. شكرا لك