ter


في الشرق
الكلام يفوق الأفعال



صليبا جبرا طويل
سورية

المقال

"من يغمض عينيه، ويحبس لسانه عن وجع الوطن والمواطن سيتألم، ويدفع ثمن ذنب صمته".

في الشرق، أجيال وراء اجيال تعبت، سئمت، ملت من كثرة الكلام والمتكلمين، من ساسة، علماء اجتماع، واقتصاد، ورجال دين. طاحونة الكلام تطحن بهمة، بنشاط، بأقصى طاقتها، تطحن وعود ، وقرارات، وتعهدات ، وتوصيات، فان غربلت نواتجها، ستجد انك تقبض على هواء. ألة الافعال في الشرق صدئت، اهترأت مفاصلها، واصابها عطب، وبرود، وخمول، ونعاس، واكثر ما اخشى عليها هو الاضمحلال ، والفناء.

في الشرق، هناك اكثر من مليون متشائم، يتبعه مليون متفائل يحلم بالغربة، بالهجرة بالفرار من بلاد محطمة فيها التخلف، والتراجع، والفقر كل يوم يزداد بغرز انيابه .. في الشرق تسمع هجيج الريح، ومن حولك سكوت المقابر، ترى السماء بالغيوم ملبدة، غيومها للأسف عواقر، ترى اشراقة شمس الصيف، خيوطها عليك هبطت، لكن جسدك لا يشعر بسحر دفئها الفاتن، ترى النجوم ساطعات تزين السماء المعتمة، تلألؤها لا يعزز فيك الاحلام والآمال، ولا تبعث بالخواطر. تشتم رائحة الشيح، والميرمية، والزعتر، عطرها لا ينعش القلب والعقل بقدر لأن كلاهما مخدر... بلاد عقيمة ، ليس للإنسان فيها كيان، ولا وجود، ولا قيمة، ما أشبهه بحيوان في مزرعة يقتات على الوعود، ويعاشر كالقرود، وينتظر دنو اجله بشوق ليس له حدود.

الاحرار في الشرق على نصل السيوف يمشون، ملاحقون مطاردون من جوقة الأمر الناهي، المؤلفة من اجهزة امنية، وشرطية، ومخابراتية، وعسكريه، واخرى اجهل اسمائها، واخرى تتشكل بجرة قلم، تديرها دون عدالة اصحاب المصالح، والمؤسسات، والمصانع ، ومن لف لفيفهم من اصحاب البنوك والمصارف، مجتمعين متفقين على منهج أقرب الى العبودية، يبقى خليقة الله بأيديهم يسيرونه كما شاءت قبيلتهم.

سفينة الحياة في الشرق قبطانها باسم الله في راكبيها يتجبر، يتحكم برقابهم وابنائهم ولقمة عيشهم. تتوسع مساحة سطوته كلما عزفت له دور العبادة بالخلود وطول العمر، ليستمر في حكمه، من بعده ابنه الذي لم يلد بعد، وابنه البكر الامير الموعود، ليدوم الى ما شاء الله كرسيه، متنقلا بين احفاده لعقود وعقود واكثر. تعيسة هي الامة التي تصلى طالبة مترجية الله، كي يديم عليها القيود.

في الشرق، باسم الله في احتفالاتنا، اعمالنا خطبنا نبدأ ... الخ - ليس اروع من ذلك- . باسمه تعالى للأسف أيضا نلغي قراراتنا، ووعودنا، وعهودنا... اين استقامتنا؟...نستعمل اسم الله، نحلف، ونقسم باسم العلي الجبار، عشرات وعشرات المرات في تعاملاتنا التافهة لننجو من اعمالنا الغير سوية اليومية ... أليست الاكاذيب، والحلفان وسيلة ظاهرة للعيان، نتعامل بها من القاعدة حتى القمة؟... نختبئ وراء اسم الله، لنستفيد، لنقتنص الفرص، لنظلم، لنتسلط ، لنعتقل، لنتستر على فشلنا واخطائنا، وفسادنا ونهبنا واختلاساتنا، وظلمنا ... الخ. هل الاله الذي يعبده ويؤمن به، المؤمنون الصادقون اصحاب القيم والاخلاق هو بعينه نفس الههم؟

في الشرق، جحافل من فجر التاريخ، شعوب، قادة، وامم على ارضه تعسكره ومرة. لم تدم اقامتها ، فانكسرت وتقهقرت، ورجعت مهزومة، تجر ذيل خيبتها من حيث اتت ... لكن ان تبتلى الشعوب بقيادات سادية، تتسلط بالحديد والنار، على ابناء جلدتها، فذلك ظلم، وقسوة، وعناد ومكابرة. للأسف بعضهم كالنجوم سطع في السماء اسمائهم، وفي الحقيقة كانوا توابع للغرباء، يقادون لا كما تريد شعوبهم ، بل كما يريد الغزاة، اليس ذلك تحقير واذلال لشعوب، باتت مُسخرة؟ اتسأل، هل سنعيد امجادنا التي درست، أم نسير نحو مستقبل نبني فيه امجاد على اعمدة من دخان؟ أم نصبح مادة يدرس فيها طالب التاريخ عن شعوب منقرضة؟

في الشرق، كل المواطنون يتشاركون الارض ، والسماء، والهواء، والماء، تضمهم مساواة، وعدالة طبيعية. ولكني أتساءل كيف يكون هناك اقلية من الأغنياء، والشرفاء، والنبلاء، وبحجمها طبقة متوسطة الحال، واكثرية فقيرة تبحث عن لقمة عشاء؟ هل هذه عدالة الارض، أم عدالة السماء؟ أليس الوطن بما فيه من خيرات ملك لمواطنيه بغض النظر عن عقيدتهم، وأيديولوجيتهم؟ ..نعم هناك استحقاق أكثر لمن يبدع ويعمل بشكل اكبر وافضل، لكن العدالة تتطلب ان نوزع خيرات الوطن بنسبة لا تترك محتاجين دون مساكن، أو فقراء، أو جوعى دون طعام، أو مرضى دون علاج ...الخ. لا تحبطوا الامل من قلوب المواطنين المعوزين، المحتاجين، الفقراء، الباحثين عن كرامة، مثلهم كالغريق بقشة يتمسك، سيحتج على الظلم، بكل ما اوتي من شكيمة، وعزيمة، وقد يحمل بندقية ليصرع بها من تسبب في عوزه، وسيبقى يقاوم ويقاوم عسى امله في الحياة له ولأحفاده تحقق. ايها الزعماء انظروا اليهم كبشر اسوة بكم، لا تسمحوا للسفهاء النظر اليهم كقمامة.

لا تعيدوا احاديثكم عن الله، لأن جل اهدافكم تخدير شعوبكم ...أن شعوبكم تعرف الله ورسله وكتبه وغاياته. لا تتحدثوا لهم عن القيم، فهم يعرفونها، ويعيشونها، هي سلوك واسلوب حياتهم. لا تحدثوهم عن الوطن، لأن من ترابه جبلوا، واكلوا، وعرقوا. لا تحدثوهم عن الاستعمار، فهم احفاد الشهداء الذين وفروا لهم الحرية، وساروا على دربهم واعتقلوا واسروا وتعذبوا، واستشهدوا. لا تحدثوهم عن العلم، فهم على علاقة قوية بالمعرفة، لا تحدثوهم عن الفضيلة، فهم اكثر من يقدسها ويعمل بها، ولا يلبسون ثوبها دجلا. لا تقولوا لهم نحن مستهدفون، فهم يدركوا ان هذا الكلام مضغ فم مليء بماء الرياء، يخضع لهدف يقام على تدليس، وكذب، ونفاق، وشعور بالنقص. تعلموا ان لا تحدثوهم عن الادب، والشعر فهم قصصه وابياته.. لا تحدثوهم عن الفلسفة والفلاسفة، ولا عن الاساطير والقصص الخيالية المرعبة، ولا عن الاديان والطوائف والكفار والملاحدة، ولا تسرحوا بهم شمالا أو جنوبا، ولا تحدثوهم عن باطن الارض وما بداخلها، وما يوجد فوق في السماوات...الخ.

كفاكم ثرثرة ، شعوبكم على دراية، ومعرفة بحركاتكم، يدركون معنى اقوالكم، وافعالكم، وصولاتكم وجولاتكم، وحجم معرفتكم وثقافتكم، وعمق ايمانكم... الخ... للمرة الثانية لا ثرثروا، فقط استمعوا لمطالبهم، وحققوا رغباتهم، وامنوا احتياجاتهم، وتطلعاتهم ، ولا تدوسوا على كرامتهم، وحقوقهم، وحرياتهم... تذكروا دائما أن:" الثرثرة مقبرة الافعال." وأنه: " سيأتي يوما تفرض فيه الشعوب ارادتها، لتستعيد نبض العزة والكرامة لأحفادها، وتبعث من جديد، وتستمر في الوجود".  

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. شكرا لك