أنا إرهابي


فارس حميد أمانة
العراق

واحات

غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حياتنا كثيرا .. لا يمكن لأحد نكران ذلك .. عدت بذاكرتي إلى ربيع عام 2002 بعد بضعة شهور من حادث الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك وأهداف أخرى في الولايات المتحدة .. كنت وثلاثة زملاء آخرين نعد حقائبنا للسفر إلى العاصمة السلوفينية ليوبليانا في بعثة تدريبية لشهر .. كنا ثلاثة مهندسين ومعنا ضابط أمن كالعادة .. لا شيء في جعبته سوى مراقبتنا وكتابة تقرير أمني لمسئوليه عن تحركاتنا أو توجهاتنا أو عن كل ما يمكن أن يدخل من باب الريبة .. كان أطول شخص بيننا والأضخم على الإطلاق .. لقبته في قصة "الوردة السوداء" بالعجل السمين .. لا شيء فيه يدعوك بعدم إطلاق هذه التسمية عليه .. السمنة .. والضخامة .. والغباء .. ولا عمل يؤديه غير مراقبتنا .. فاضطررت غير باغ لأن أطلق عليه لقب " العجل السمين" ..

كان الطيران ممنوعا من العراق حينها بسبب الحصار الاقتصادي لذا اضطررنا لاتخاذ طريق طويل يبدأ من بغداد إلى دمشق بالسيارة ثم الطيران إلى موسكو جوا والبقاء لثلاثة أيام للحصول على سمة الدخول إلى سلوفينيا من سفارتها في موسكو ثم الطيران في اليوم الرابع إلى ليوبليانا .. حصلنا على سمة الدخول إلى روسيا من السفير الروسي ببغداد .. سافرنا في اليوم التالي مباشرة إلى دمشق برا .. ارتأى أحدهم أن نستقر ليلتنا في منطقة السيدة زينب بدمشق لرخصها فوافق الجميع ..

وصلنا بعد الظهر بقليل وما إن استحممت حتى خرجنا بعد طلب البعض أن يؤدي فريضة الصلاة في مرقد السيدة زينب .. دخلت مع الجميع واتخذت زاوية من الزوايا .. بعد دقائق هجم علي شخصان .. احتضنني أولهما وقبلني وهكذا فعل الثاني .. بعد أن أفقت من المفاجأة رحبت بهما واحتضن الجميع بعضهم .. كان الاثنان من زملاء الدراسة في المتوسطة والإعدادية .. وقد هرب الاثنان إلى سوريا بعد مطاردة السلطة لهما عقب أحداث الانتفاضة عام 1991 ولم أرهما منذ ذلك الحين .. لقد اشترك الاثنان بها ولم ينج من الإعدام سوى من هرب مثلهما إلى خارج البلد .. كان موقفا صعبا جدا وأنا أنظر من فوق كتفيهما للعجل السمين الذي كان يرمقني بنظرات الغضب النارية ..

همست بهما بأن أحد أعضاء الوفد هو نقيب في الأمن العامة وان عليهما المغادرة فورا لكن بهدوء ودون أن يلفتا نظره .. ما إن أكملت عبارتي تلك حتى فز الاثنان بقوة واستدارا للهرب بارتباك واضح لفت نظره الصقري .. ربما استطاع احدهما أن يكمل لبس حذاءه بارتباك إلا إنني أشك بأن الثاني قد أكمل ارتداء حذاءه بشكل صحيح ! .. فر المسكينان بلمح البصر .. نهض العجل السمين عندها واقترب مني قائلا بغضب شديد وصوت متهدج : "هل ابتدأت الاتصالات الجانبية؟" .. لم أهتز لحظة واحدة .. أخبرته أن الاثنان من زملاء الدراسة وليس هناك من ضير في تحيتهما لي .. أصر على إبقاء وجهه متجهما والتهديد بإبلاغ مسئوليه وذكر الحادث في تقريره .. أجبته : " لو كنت مكاني فهل ستشيح بوجهك عن زملاء دراستك لمجرد كونك موفدا خارج العراق؟ " .. كان لا بد من إهمال غضبه وليفعل ما يشاء .. توتر الموقف كثيرا .. فبادر الزميلان الآخران للضغط عليه وتأييد موقفي .. كنت حانقا جدا من وجود عجل يراقبنا ونحن الذاهبون في مهمة تدريبية فنية بحتة لا مجال ولا ضرورة فيها للمراقبة والتشنج لسبب تافه كهذا .. قلت له متسائلا : " هل تعتقد انني خطير لهذه الدرجة أو هل إنني أشكل خطرا على النظام أو البلد ؟" ثم أردفت قائلا :" يستطيع أن يكمل مهمته المكلف بها بالطريقة التي يراها صحيحة .. وأنا أيضا سأكمل المهمة الفنية التي كلفت بها وليكن ما يكون " ..كنت يائسا من تغيير موقفه فأسقط بيدي وقررت بيني وبين نفسي : "ليفعل العجل ما يريد .. ولأفعل أنا ما أريد " فذهبت مبتعدا .. وحانقا .. رجع الزميلان فقد أفلحت الوساطة .. وخف التوتر قليلا ..

مرت بعد ذلك أيام أخرى سافرنا بعدها ليكون هناك موقف صعب في موسكو وأخر في ليوبليانا سأتحدث عنهما في الجزأين التاليين .. إلا إن الموقف الأهم هو إنني وأثناء التدريب والنقاش الفني اكتشفت خطا فنيا في طريقة ربط الجهاز .. أبلغت المدرب بأن هذا الجهاز لن يعمل بعد إرساله للعراق ولن أوافق أو أوقع على استلامه هناك .. وقع الخبر كالصاعقة حيث لاحظت تأثير كلامي على وجه المدرب .. لكنني لاحظت أيضا تأثير الدهشة الممزوجة بالإعجاب على وجوه بقية الوفد .. طفقت أرسم للمدرب نقاط الاتصال بالبدالات العاملة لدينا بالعراق وأقارنها بنقاط الربط المتوفرة في جهاز الاتصال الحديث الذي كنا نتدرب عليه .. أفهمته أن هناك اختلافا في نقطة الأرضي التي يتفاهم جهاز الاتصال والبدالة على استخدامها لإجبار الجهاز على تغيير التردد وإعلام المستقبلة على الطرف الأخر للتهيؤ لعمل الاتصال .. وان المشكلة لن تحل إلا بإضافة نقطة الأرضي هذه .. وافقني المدرب إلا انه طلب بضعة أيام لإجراء تغيير وحل المشكلة ..

بقينا ثلاثة أيام بدون عمل منتظرين تكثيف الشركة لجهودها في حل المشكلة .. وقد حدث ذلك فعلا .. شكرني المدرب وقد جاء مدير الشركة بنفسه ليقدم لي شكره .. التفت حينها للعجل السمين قائلا : " هذا ما عليك أن تكتبه في تقريرك لمدراءك الأمنيين وليس إلقائي للتحية على أصدقاء الدراسة في دمشق لتضعني في خانة المخرب " ..
ابتسم العجل السمين ابتسامة صفراء مبتلعا ريقه ..
 


أترك تعليقا




وصلنا النعليق وسوف ينشر بعد مراجعته .. شكرا لك