إلى خالد عبد الرحيم


نيكوس الخطاب
فلسطين

المقال

فأنت ما أنا عليه,لذك لن أرثيك اليوم يا خالد, ولن أودعك بكلمات. فأنت الخالد في حياتي وفي ذكراي.

عرفتك في الثانية عشر من عمري, عندما كنت شبلاً وانت ألأسير المحرر.

كانت بداية تعارفنا بمزحة عندما اقتربت منك لتقليدك وسام الشرف, فنهضت واقفاً ممازحاً لعجزي الوصول إلى هامتك لوضع الوسام على صدرك, فضحك الجميع وزاد الضحك, فقمت و بسرعةٍ بديهيةٍ ورفعتني لصدرك لتقليدك الوسام.

هنا عرفت هذا المقاتل الصلب الذي قضى من عمره في سجون ألأحتلال ثلاثة عشر عاماً بعد أسره في عام ١٩٦٧.

هنا تعرفت على من شارك في تأسيس أولى خلايا العمل المسلح, وعلى من شارك في بناء ألحركة ألأسيرة الفلسطينية في سجون ألأحتلال بجانب رفيقك الشهيد عمر القاسم (مانديلا فلسطين) عضو اللجنة المركزية للجبهة.

وبعد ذلك إخترت العودة والأستمرار في العمل المسلح, وتلقيت العديد من ألدورات العسكرية إضافة لرصيد غني من الدورات التي تلقيتها في بغداد قبل إعتقالك.

إكتسبت بجدارة رتبة لواء في المقاومة الفلسطينية بعد خوضك أهم دورة عسكرية في حياتك وهي دورة قائد جيوش.

إلتقيتك مرة أخرى عند التحاقي في القوات المسلحة الثورية كمقاتل ضمن تشكيلاتهاالعسكرية,فقمت على الفور بالحرص على متابعتي من خلال قادتي العسكريين, وكنت حريصاَ على متابعتي للمدرسة, فكنت تُبلغ قادتي دائماً رغم الظروف والمواقع والمحاور بأن يحرصوا على التحاقي في أي مدرسة تكون قريبة من الموقع العسكري أو حتى المحاور العسكرية.

كنت حريصاً جداً وخلال زياراتك الميدانية للمواقع بأن تطمئن علي دائماً و تستعلم عن دروسي وانضباطيتي وأخلاقيتي في المدرسة وكنت صاحب القول الشهير بأن ألمقاتل المسلح يجب ان يكون مسلحاً في العلم ومثقفاً, فما نفعنا بمقاتلٍ جاهلٍ.

أذكرك كيف كنت دائما حريصاً على زيارتنا في غرفة المطالعه (غرفة الرفيق ابو جهاد و فؤاد القدس على محور ألأشرفيه) للأطلاع على ما قرئناه من الكتب في ألأدب والفلسفه والسياسة وعلم ألنفس.

كنت دائماً تنصح بتنوع القرائه والتثقيف.

أعيكَ عندما كُنتَ تواسينا بفقدان مكتبتنا المتواضعه نتيجة قصف إسرائيلي للموقع أو تعرض الموقع لقصف مدفعي بقولك:''لا يهم إن فقدتم الكُتبِ بل ألأهم هو إنكم قرئتموها و بقيت راسخة في ذهنكم و قد استفدتم منها''

من حرصك الشديد, يوماً وعند انتقالي للعمل في قيادة ألأركان وكنت يومها ماراً من قرب مكتبك حاملاً كتبي ألمدرسية, إستدعيتني لمكتبك لأقناعي بالعدول عن ترشحي للدورة الحزبية الى صوفيا في بلغاريا والتي كانت مدتها ثلاث سنوات, طارحاً علي بانه من ألأفضل لي الحصول على منحة جامعية لخمسة سنوات والحصول على شهادة جامعية تكون أفضل من ألتحاقي في الدورة الحزبية والفارق هو مجرد سنتان. يومها رفضت عرضك متخوفاً من إمكانية عدم حصولي على المنحة, فقمت مسرعا للاتصال بظابط ألإدارة يومها للحضور لمكتبك وطلبت منه أن يقوم بصرف سلفة مالية لي, لكي أستطيع شراء حاجياتي من الثياب لأنه كان فصل شتاء مما احتاجه من ثياب و لكي لا انتظر نتيجة طلبات المنح الجامعية والتي كانت غالباً تأتي في شهر أيلول مما يتعذر شراء الملابس ألملائمة لأحد الدول التي كان من الممكن إيفادي إليها.

أنت يا خالد كنت السبب بما أمتلكه اليوم من شهادات علمية عالية.

رغم إيفادي إلى البلاد البعيدة إلا إنك واظبت على متابعتي من حين لأخر. وحافظت على لقائي أثناء اجازاتي وأذكر جلساتنا الجانبية في ساحة مكتب ال 82 و مكتب ال 87.

كنت الحريص على التواصل معي هاتفياً بعد توفر الهواتف ألمحمولة كنت تبادر دائماً للأتصال بي اينما وجدتُ وفي اي بقعةٍ في ألأرض و بجميع البلدان التي كُنتُ أعمل وأُقيم بها لكي تسألني عن أحوالي وأعمالي. لأنك كُنتَ الشخص وألرفيق ألوحيد الذي يعرف كيف ألوصول إلي.

أتذكر زياراتي لك في دمشق عاصمة الياسمين وسهراتنا في مطاعم وحانات باب توما. أذكر أخر زيارةٍ قمت بها لكَ وذلك قبل يوميين من إعتقالي. ولن أنسى يوماً تعاطيك بمضوع إعتقالي وكيف كنت حريصاً على متابعة الموضوع بشكلٍ شخصي وكيف كنت حريصاً على التواصل اليومي مع عائلتي لمواساتها.

أبوح لك اليوم بشيء يا خالد بأنه أتاني أحد الرفاق يوماً وقال لي, هل تعلم ماذا فعل خالد أثناء إعتقالك؟؟ أجبته: وماذا فعل؟؟؟ قال بأنك لم تتوارى وتغفل لحظة عن متابعة موضوع إعتقالي وأضاف أيضاً بأنه في إحدى إجتماعات ألمكتب السياسي للجبهة في دمشق, أوصيت بي قائلاً للرفاق عليكم بالعمل الجدي والدؤب للأفراج عن الرفيق نيكوس, ولم تكتفي بذلك بل عند إنتهاء الإجتماع لَحقتَ بالرفيق ألمعني في الساحة للتأكيد عليه بذل الجهود مع السلطات لأطلاق سراحي.
فلمن أستمع ألأن يا خالد, ولمن أمتثل؟؟

كان جميع الرفاق يلجؤون إليك للتواصل معي من أجل تأدية المهام التي أعترض عليها أو تلك التي لم أكن مقتنعاً بها. فكنت الظابط والرابط واللاجم لمشاكساتي ومناكفاتي.

كنت صندوق أسراري .. كنت تعلم عني ما لا يعلمه ألأخرون حتى المقربون. كنت الوحيد الذي يعرف مكاني وترحالي.

لن أرثيك اليوم يا خالد, و لن أودعك بكلمات .. فأنت الخالد يا خالد
 


للتعليق على المقالة




وصلنا التعليق على المقالة .. شكرا لك