الجبهة الشعبية
مؤسسة وطنية لا حزبية



د. وسام الفقعاوي
فلسطين

المقال

عندما نقول بأن الجبهة الشعبية مؤسسة وطنية، ننطلق من رؤيتنا للبعد الوطني الذي تعبر عنه وتمثله، ويشكل الخط الناظم لمواقفها السياسية، ورؤيتها الاجتماعية، بحيث لا يمكن أن تُرى المصلحة الحزبية في هكذا حال، إلا من بوابة المصلحة الوطنية، وهنا موقع المسؤولية وحجمه وتأثيره الكبير عليها، وأي قول غير ذلك، هو انتقاص من الجبهة ودورها ومكانتها ورمزية استمراريتها التاريخية، وتعبيرها عن الضمير الجمعي والذاكرة التاريخية والحصيلة الإجمالية للشعب الفلسطيني.

هنا نحن لا نلقي ما سبق من قول جزافاً، أو من باب مجاملة أو محاباة الذات، بل كون تجربة الجبهة تختزن تجربة التنظيم الأم: "حركة القوميين العرب" الذي استمدت منه قاعدتها الأساسية كما قيادتها الأولى وخبرتها وانتشارها وامتدادها واتساع مجالات عملها في أغلب تجمعات الشعب الفلسطيني وأماكن تواجده، وكذلك التاريخ والسبب المُنشئ لها، لذلك فالجبهة، ووفقا لأي معيار كان، الأكثر تمثيلاً، مما عداها من قوى، للاستمرارية التاريخية. والقول بأنها الأكثر تمثيلاً مما عداها للاستمراية التاريخية، يعني أن درجة المسؤولية التي تقع على عاتقها، تجاه الماضي كما الحاضر والمستقبل معا،ً تفوق غيرها، وإن كان نصيبها مما آل إليه الوضع الفلسطيني من مأزق عميق، أقل من هذا الغير، خاصة وهي تعي وتحذر من المخاطر الجدية على القضية الوطنية التي تصل حد مشاريع التصفية المُعلنة، التي قد تفعل فعلها المُحذر منه والمُكلف كثيراً إن جرى سريان تطبيقها على الأرض والشعب، إذا لم يجرِ التعامل بأقصى درجات الدقة والوضوح والعمق مع سؤال المسؤولية عن الماضي وسؤال المسؤولية عن الحاضر والمستقبل أيضاً، الذي ليس جاهزاً في جيب أحد حتى ولو كان يملك بعض مفاتيحه، إلا من يسعى إلى تبكيّر السؤال، حتى يصل إلى الجواب الصحيح في الوقت المناسب والسليم في آن.

بهذا المعنى، يتوضح مقصدنا من القول بأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي الأكثر مسؤولية تجاه الماضي ربطا بأنها كانت في حينه، القوة الأكثر تأهيلاً قياساً بما عداها، لتوفير الرؤية التاريخية المطلوبة حينذاك، وتحديداً في تلك المرحلة العاصفة التي مازالت تتوالى فصولاً منذ هزيمة 1967 وعلى أرضيتها. وبناء لنفس القاعدة، أي القدرة على امتلاك رؤية تاريخية مستقبلية والممارسة بناء عليها، فإن الجبهة الشعبية هي الأكثر مسؤولية وطنياً، ربطا بأنها الأكثر تأهيلاً لذلك.

إن حديث المسؤولية لا يلغي وجود أسباب قد تفسر ما حدث ولكنها لا تلغي النتيجة الوطنية الكارثية المحققة. أسباب كان على الجبهة تجاوزها، ومن هنا فإن الحديث يجري حول مجمل تجربة تاريخية وكامل المصير والوجود الوطني. تجربة كانت تملك ما يؤهلها لتقدم لهذا الشعب خياراً ونموذجاً أفضل، أما وقد خسرت الفرصة، بعد أن هبطت لموقع المعارضة النشطة في مرحلة تالية، لكن وبدلا من أن تعمق خيارها/ نموذجها البديل لتسترد موقعها الذي ضاع، تحركت في مرحلة ثالثة نحو خسارة حتى موقع المعارضة النشطة إلى موقع المأزوم الذي يكابد من أجل البقاء، باعتراف جريء منها لها الفضل فيه لا لغيرها، وهنا بارقة الأمل كما موقع المسؤولية.

إن السؤال الذي يُطرح والحال هذه، يصبح حول العجز عن الارتقاء بالتجربة عبر تعميقها وتجذيرها رغم النقطة المتقدمة التي بدأت منها التجربة، حيث لا مجال لجواب صائب إلا عبر إعادة وضع المسائل على نحو أكثر جرأة ودقة ووضوح واع ومدرك للخبرة التاريخية المهددة بالتبديد إن لم تصن وتحرس بالوعي والتجذر والمراجعة وإعادة التفكير.

وبناء عليه، فإن حساب الجبهة الشعبية مع التاريخ وحسابه معها، هو حساب يزيد عن نصف قرن ليصل إلى ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن من التجربة والحضور في التاريخ، بما لهذا الحضور وتلك التجربة وما عليهما من سلبيات وإيجابيات وما يقرره من دور وحقوق ويلقيه من مسؤوليات وواجبات، يبدأ من الإقرار بمعيار أساسي بأنها ملك الشعب الفلسطيني كله، وليس أعضائها فقط، وبأن المضمون والبعد الوطني معيار أساسي كذلك لأي موقف أو وجود حزبي، هذا هو المعيار الذي يليق بتنظيم وطني، دورًا وهدفًا ومسؤوليةً وخلقًا، إلى جانب الإمساك بالمفاصل الرئيسية التي ترفع من قدر وقيمة من يمسك بها، وملخصها النقاط التالية:
1. القيمة المطلقة للعقل والنظام المعرفي والمنظومة الفكرية.
2. الحاجة إلى رؤية ونظرية صراع تقود سياسات العمل والممارسة وفقا لمعايير ومناهج عالية المستوى.
3. احترام قانون التراكم والتكامل والمراجعة والنقد والفحص الدوري.
4. تقديس مبدأ النزاهة الفكرية والأخلاقية وضمانته الوعي والديمقراطية.
5. ضرورة مغادرة الذهنية التي تتعاطى السياسة والشأن العام بنوع من الانفعال والشعبوية والفهلوة وفشة الخلق.
6. مغادرة ذهنية القطع ووعي مخاطرها الشاملة والتدميرية.
7. العودة بالمسائل إلى جذرها الفكري والتاريخي.
8. وعي إدارة التناقضات الذاتية/الحزبية والموضوعية/الوطنية، وآليات استثمارها ايجاباً في الحالتين الحزبية والوطنية.
9. وعي الخصوصية الفلسطينية وتوزعها سلباً وإيجاباً بين خصوصية فلسطين، وخصوصية القضية، وخصوصية الشعب والمجتمع الفلسطيني.
10. حُسن تفعيل واستثمار الطاقات الكامنة والمتاحة.
11. أن الأزمة هي أزمة الجميع والبديل المطلوب ليس تنظيمياً، بل منهجياً فكرياً ووطنياً ديمقراطياً لا حزبياً إقصائياً.

بوضوح شديد، إن القيمة الحقيقية لأي موقع متقدم وصلته الجبهة أو قد تصله، إنما تتقرر في ضوء اعتبارها لذلك الموقع مسؤولية وطنية وليس امتيازًا حزبياً، وأنها جزءاً من حالة تقع في قلب المجتمع وحركته الشاملة وقواه الحيّة، عدا ذلك، يعني لا محالة سقوطاً في خطيئة وضع الذات فوق الجماعة، وعودة بائسة لذهنية قاصرة غير ديمقراطية، وبالحصيلة الموضوعية والمنطقية غير وطنية، وهذا محظور من موقع الأمل والمسؤولية أن تقع في مستنقعة جبهة تعرّف نفسها أنها شعبية.  


للتعليق على المقالة




وصلنا التعليق على المقالة .. شكرا لك