القصة
مجلة الكاتب اليساري ::دينا سليم حنحن 



دينا سليم حنحن | فلسطين

طفلة أيلول 1948
قصة حقيقة من قصص النكبة


استعدت جميلة لاستقبال طفلها الخامس، تمنت عودة زوجها الذي فقد في النكبة حتى يحضن المولود ويأخذه بين ذراعيه، لم تتحقق الأمنية!

تفاقم وجع المخاض واستمر عدة أيام، أناف لديها الشعور بالغربة، حضرت أم فريد لمساعدتها، ممرضة متمرسة، أطلق عليها الأهالي لقب الأفرنجية، أشرفت في ذات الوقت على ولادة الجارة زهيدة، أنجبت الأخيرة توأما توفي أحدهم، انشغلت الأفرنجية بزهيدة مما جعل الجارة أم عامر المجيء لمساعدة جميلة.

ألقيت مشاق مهمة الولادة على ابنة جميلة البكر (أ)، غسلت حفاضات القماش من الدماء لاستخدامها مجددا، كانت بمثابة اليد اليمنى لأم عامر.

حضرت غالية بعد انتهاء عملية الولادة، أبدت شيئا من الامتعاض، عايرت جميلة، وبختها قائلة:
- ما خبرتيني بالمخاض قصدا حتى لا أقوم بتوليدك، لا تثقين بي، أنا موّلدة كل ولاد الحارة، لو أنا ساعدتك لإجاكي ولد مش بنت، بس يالله شو بدنا نقول، أم البنات أبدا ما بتجيب صبيان. سلام تعظيم يا أم عامر، تحفة والله، سرقتِ مني المهنة وعم تنافسيني عليها!
- في شغل كتير إلي وإلك، ما بعرف شو صاير بهالنسوان، حاملات بالدزينة، بس أعرف كيف ممكن الوحدة تعرف تحبل بهيك ظروف؟ أجابتها أم عامر.
قالت جميلة بانكسار:
- أنا أكثر منك كنت حابة ييجي صبي لرشدي حتى أفرحو، تخيلت هذه اللحظة كثير، أن أضع المولود واصف بين يديه!
- قديش إلك محضرة هالاسم؟ واصف الطفل مات وواصف جديد يوك(1)، ما في، لا إجا واصف ولا عاد رشدي! أجابت غالية.
- الله ما أطعمها، شو تعمل يعني؟ اتركي الولية في حالها عاد، هَم فوق هَم يعني؟ أجابتها أم عامر.
- راح يعود، لازم يعود! أجابت جميلة.

وضعت جميلة طفلتها الخامسة في غياب زوجها وغياب عائلتها التي عادت إلى الأردن واستقرت في السلط نهائيا، ولدت الطفلة (ج) في شهر أيلول سنة 1948.

تفاقم شعور الخيبة لديها، رددت القول دائما: (يعني بعد كل هذه الخسارات ربنا ما قبل يعوضني بمولود ذكر يحمل اسم والده، ليش كل هذا العقاب وشو أنا عملت في حياتي، أتت الطفلة وجنت على والدها)!

انتظرت جميلة عودة زوجها بترقب مقيت، رصدت كل حركة صدرت ليلا أو نهارا، إن حصل وسمعت شيئا أوهمت نفسها بعودته، زعمت يوما أنها سمعت صوت خطواته عندما دنا من البيت وتردد الدخول، عاشت الوهم بكل أصدائه!

وقفت أمام أيقونة (الأويمة)(2)، صنعت من خشب عطري قاتم اللون، مالسة وناعمة، دهنت بمادة زيتية حفاظا، صلّت أمامها وطلبت من باريها بكل خشوع، احتفظت بالأيقونة دائما، جزء من ذاكرة جمعتها بزوجها رشدي، كان قد اقتناها من دمياط.

في يوم ما، في حرب حزيران، سألتني جدتي إن كنت شممت رائحة البخور المتسربة من الأيقونة، امتلأت المرأة غبطة ورجاء، أحست بالسعادة كلما انداحت الرائحة في البيت، قالت لي:
- هذه بقايا عطر.
- بقايا عطر من؟ سألتها.
- بقايا، عبق ذكريات تجمعني بجدك رشدي. أجابتني مرتاحة.

لم تصل الرائحة إلى أنف الطفلة خاصتي، حاولت الوصول إليها لكنني أخفقت، لازمت الصورة وشممتها من جميع زواياها، لم أتعرف على كنه الرائحة التي تحدثت عنها، عاشت جدتي الصفاوة رغم كدر الحياة وقسوتها!
...
(1) يوك: لفظة تركية، لا يوجد. (2) الأويمة: مهنة النقش في الخشب، تميزت دمياط في جمهورية مصر العربية عن غيرها في احتراف هذه الحرفة اليدوية.