المقال
مجلة الكاتب اليساري :: شيرزاد همزاني 


شيرزاد همزاني | العراق

عندما أصبح الاله ذكرا


 كانت مدينة جنان تقع عند ملتقى نهري دجلة والفرات .غير بعيدة عن ما تعرف بجنة عدن يحيط بها سور عالٍ وتشقها شوارع طويلة تتراصف على جوابها البييوت والمحلات التجارية وممتلئة بالمساحات الخضراء.وبساتين النخيل وساحات ممتلئة بتماثيل الآلهة ألأنثى.البيوت كانت مبنية من .الطوب اللبني ومسقوفة بجذوع النخل المغطات بالطين والتبن الذي يبس لتحميهم من امطار الشتاء القصيرة ألآمد. في وسط المدينة حيث تلتقي الشوارع كانت الساحة العامة التي في منتصفها يقع بناية مجلس المدينة الذي يضم قاعة المجلس النيابي وجناح حكماء المدينة ومنزل حاكمة المدينة العليا المسماة الام الحكيمة.

كان سكان مدينة جنان حوالي 90 الف نسمة .كانوا حرفيين ومزارعين محترفيين يغيشون في سلام وطمأنينة لولا بعض الغزوات . من مدينة دكة الرجولية الديانة المجاورة .بألأضافة الى المدينة ومركزها كانت تتبع المدينة 127 قرية متنوعة الحجم والسكان وتقع هذه القرى حول المدينة او ما يعرف بريف مدينة جنان .كانت جنان جمهورية صغيرة.

كانت ديانة المدينة ترتكز على عبادة ألآلهة الانثى ألأربعة (اللات,عشتار,أناهيتا أفروديت ) كانت إلهة متساوية في القوة ومعبد واحد كان يضمها ولها كاهنات يقمن بادارة المعبد وأقامة الاحتفالات الدينية التي تمجد ألوهيتها. الى جانب ألآلهة ألأنثى ألأربع ,كانت هناك ألهة ذكرية أقل قوةً وأهمية منها (الله ,يهوه ,ألأب وزيوس) ولأن التنظيم السياسي في المدينة كان نسويا ولأن الآلهة الأنثى كانت لها الغلبة فقد كان الآلهة الذكور في المرتبة الدنيا من حيث التسلسل الديني والعبادة.

كانت الحياة في مدينة جنان هادئة ومرتبة بشكلٍ قد يبدو غريبا لعصرنا , فكانت ألأم عماد ألأسرة وألأطفال يُنسبون لأمهم ولم يكن هناك زواج بالشكل المتعارف عندنا . والنشاطات الثقافية كانتى سائدة ومسيطر عليها من قبل ألأناث ودور الرجال كان في الغالب في الحقول للعمل بالزراعة والجيش لصد غزوات مدينة دكة وإن كانت قيادة الجيش بيد نساء محاربات قويات الشكيمة . والرجال او بألأحرى الذكور يؤخذون في سن الثانية عشر ويربون تربية خاصة في بيوت ومساكن خاصة . ولم يكن هناك زواج دائم كما لدينا ألآن . فبجانب العلاقات الدائمة كانت العلاقات المؤقتة هي الغالبة وكانت عقوبة الاغتصاب لكلا الجنسين هي الموت.لكن التحقيق في الجرائم الجنسية كان محترفاً ولم يكن مجرد ألأتهام عملاً سهلاً وكان من يتهم غيره بجريمة جنسية باطلة يقع تحت عقوبات مختلفة مالية وبدنية متشددة . كانت العلاقات الدائمة التي هي استثناء موجزدة ولم يكن يسمح لكلا الجنسين ان يكون له اكثر من شريك في وقتٍ واحد بألأضافة الى ذلك كانت هناك علاقات بين كل جنس وشبيهه فترى رجلا يضاجع رجلا وأناثٍ سحاقيات وأن كانت كهذه العلاقات نادرة ولكن مجتمع مدينة جنان لم يخلو منها.

كانت النقود موجودة وإن كان الغالب في التعامل التجاري هو المقايضة وكان السوق نشطاً كأنه خلية نحل . فالحرفيون في مدينة جنان ماهرون ومعرفون في هذه ألأرجاء بسلعهم النادرة والمفيدة . وكانت الفلاحة متطورة فالفلاحون يزرعون الرز والقمح ومختلف انواع الخضروات المحلية وكانوا قد جلبوا مزروعات من المناطق المختلفة ويزرعونها فكانت المدينة غنية جدا من هذه الناحية . بألآضافة الى هذه النشاطات الاقتصادية كانت هناك مهنتي الرعي التي يمتهنها الصبيان والرجال في مقتبل اعماره ومهنة جمع الثمار التي برع فيها النساء.

كانت الحياة ألأدبية ومهرجانات الشعر والخطابة رائجة في المدينة وكانت المدارس الادبية المختلفة منتشرة ولكل مدرسة روادها .والكثير من الشعر كان محور موضوعه الحياة الدنيوية ومتع الدنيا واللذة , وذلك لأن ديانة مدينة دنان وشعبها لم يكونوا يؤمنون بحياة ما بعد الموت أو حياة أخرى فكان الفكرة العامة هي التناسخ – اي عودة الارواح الى الحياة الدنيا بعد الموت وتحل بشخص يولد من جديد – وذلك كان يشجع على العمل الصالح . كانت النساء بارعات في الشعر العاطفي والرجال كانوا بارعين في التفاخر ببطولات صد غزو مدينة دكة عليهم ووصف الجهد الذي يبذلوه في العمل. كان وصف الشريك ومتعة العيش لها الغلبة لفي ألأشعار, وبرزت شاعرات نساء كالخنساء وعميرة بنت ليلى وبرز شعراء ذكور كامروء القيس بن فاطمة. كانت هناك صالونات ادبية للاديبات والادباء ويختلط فيها الجنسين ويتناولون القصيد والقصة ويتبادلون الشراب. هذه المهرجانات والصالونات اعطت لمدينة جنان الريادة في الاجب في المنطقة باسرها على مد عصور وأجيال.

كانت الملكية الجماعية هي الصيغة الغالبة للملكية في مدينة جنان. فألأراضي الزراعية وقطعان الخراف والبقر والضآن والخيول وبقية الحيوانات كانت جماعية وحكومة المدينة كانت ذكية جدا في ألأدارة ألأقتصادية نتيجة الكفاءات وتراكم عصور من الخبرة وتنظيم وتفهم المجتمع ,بألأضافة للملكية الجماعية كانت هناك ملكية فردية وحق ألأمتلاك الشخي كان يقتصر على سبعون من الخراف والنعاج وخمس بقرات وثور وثلاث عدول وحماران وحصان وثلاثة كلاب بألأضافة الى النقود وكمية اقل من المعادن النفيسة. ألأسلحة كانت شبه حصرية بيد حكومة المدينة لكن يسمح لكل شخص بالغ بحيازة خنجر وسيف ورمح لكن يتعهد بأن لا يستخدمها في المشاجرات والنزاعات الاجتماعية وفي حال تم استخدامها فكان يعتبر ظرفا مشددا بالغ التشدد حتى وان كان مستخدم السلاح صاحب الحق, هذه الاسلحة كان يستخدمها الاشخاص غالبا للصيد او التزين لا غبير.

كان الميراث في المدينة يقوم على وراثة الزوج او الزوجة في العلاقة الدائمة للاملاك الثابتة وتقسيم الاملاك المنقولة بنسبة النصف للزوج الباقي على قيد الحياة وتقسم باقي الممتلكات بالتساوي بين الابناء والبنات وفي العلاقات المؤقتة كانت الاموال تنقل للابناء والبنات بالتساوي مع احتفاظ الشريك على باقي الحياة بحق النفقة والسكن من اموال المورث مدى الحياة . أما إذا توفي الشخص ولم يكن له أبناء لإان والديه وأخوته كانو يرثونه بحساب النصف للوالدين والباقي يقسم مناصفة بين أخوته وأخواته . بصورة عامة كان الموروثون مقسمين الى ثلاث درجات في الدرجة الاولى كانت الزوجة والابناء والبنات ثم في الدرجة الثانية لبوالدين والاخوة والاخوات وفي الدرجة الثالثة كان الجد والجدة والاعمام والعمات والخالات والاخوال. لإاذا عدمت هذه الدرجات الثلاث كان الميراث يذهب الى صندوق الارث العام .
.
كان النظام التعليمي في مدينة جنان هو الافضل في المنطقة ,حيث تبداء الدراسة في سن السابعة ويتعلم التلميذ اللغة ويمارس الرياضة في السنتين ألأوليتين ثم تضاف الرياضيات والفنون في السنة التاسعة ثم تضاف العلوم الطبيعية في السنة العاشرة ويدرس هذه المواد بمختلف فروعها ويمارس الرياضة الى ان يبلغ التلميذ والتلميذة الثانية عشرة ثم بؤخذون من عوائلهم ويعيشون في بيوت هيئة التعليم الخاصة الى ان يبلغوا الثامنة عشرة. في السنوات الثالثة عشر الى الثامنة عشر يدرسون بالاضافة الى المواد الدراسية فن الحياة المنزلية من طبخ وغسل وتنظيف وعناية شخصية اضافة الى تعلم فنون القتال في السنوات السابعة عشرة والثامنة عشرة من اعمارهم ثم تنتهي فترة التعليم الاجباري. بعد ذلك هناك دورات لتعليم المهن او ان الطالب ينخرط في الحياة كمواطن متعلم. وهناك العديد ممن يكملون حياتهم ويستمرون في الدراسة في مختلف المجالات وفي مختلف الهيئات العلمية بصورة عامة كان النظام التعليمي في مدينة جنان يساعد ويساهم بشكل كبير في جعل المجتمع عقلانيا بعيدا عن التعصب.كان الدين والمعتقدات مادة اضافية تدرس بدرجةٍ اقل بعد بلوغ التلميد السن الخامسة عشرة وكانت تدرس جميع المعتقدات الموجودة في مدينة جنان ومحيطها من القرى دون ابداء الرأي في اي دين أو أي معتقد هو الصحيح ,فألأهم هو بناء انسان صالح اجتماعيا وغير متعصب ويلائم مجتمع مدينة جنان ومحيطها.

النظام السياسي في مدينة جنان كان يتألف من مجلس ترأسه سيدة الحكمة أو الكاهنة ألأم . ويتألف من 21 عضوة وعضو, 12 أمرأءة و 9 رجال. كانت الشروط للترشح للمجلس هو أن يكون الشخص قد بلغ الاربعين من عمره وان يكون قد انهى التعليم الاساسي وان يكون نزيهاً, أما رئيسة الهيئة فكانت تنتخب من المجلس من بين المرشحات وكانت شروط المرشحة ان تكون في ال 55 من العمر على الاقل وان لا تتجاوز ال 65 سنة ولا يجوز ان تبقى كرئيسة للمجلس اكثر من دورة واحدة. كانت فترة العمل هي 5 سنوات قبل ان يحل نفسه . والديمقراطية كانت مباشرة فكان المواطنون يدلون باصواتهم في حديقة الشعب المحيطة ببناية مجلس المدينة . كانت من مهام المجلس اصدار القوانين وادارة المدينة وتعيين الموظفين العامين ومراقبة ادائهم للعمل ومسائل الميزانية وادارة مؤسسات المدينة المدنية والنظر في الاحكام القضائية بصفتها اعلى المراجع وغيرها. أما القرى فكانت لكل قرية مجلسها ورئيس او رئيسة القرية الذين كان يتم انتخابهم , وأن كان الواقع ان منصب رئيس او رئيسة القرية كان شبه وراثي بالاضافة الى ان اغلب القرى كان الرجال يتبؤون ذلك المنصب وكان هناك اختلاف في الشروط واعداد كل مجلس ونسبة الرجال والنساء ولم تكن الريادة للنساء في الكثير من الاحيان وذلك بسبب حياة القرية والاعمال اليومية فيها.

هكذا كانت مدينة جنان بصورة عامة الحياة فيها هادئة ولا ينغص عيش سكانها شيء لفترة طويلة من الزمن, لأجيال وأجيال ولكن دوام الحال من المحال . حيث ظهر رجالٌ يدعون ألأتصال بالغيب وادعاء الوحي وسن شرائع وعادات هي غريبة عن المدينة , رجالٌ كثيرون لكن بعضهم كان أخظر من غيرهم ةمنهم من كان كالنار التي اتت على المدينة فجعلتها هشيماً وأسدل الستار على عبادة الالهة الانثلى وقضي على اقدم حضارة للانسانية.