المقال
مجلة الكاتب اليساري :: مهند عبد الحميد 


مهند عبد الحميد | فلسطين

الحلقة المفقودة في الموقف من التطبيع


استقالة خمسة أعضاء من مجلس بلدية رام الله، على خلفية المطالبة بتعليق عضوية ورئاسة الجمعية الاقليمية والمحلية الاورومتوسطية (أرلم) التي انتخب لرئاستها المهندس موسى حديد في مؤتمر برشلونة في كانون ثاني/ يناير الفائت احتجاجا على عضوية مستوطنة مودعين في الجمعية. الاستقالة ورد المجلس البلدي عليها اثارا جدلا فلسطينيا كبيرا حول التطبيع واشكالياته.

في البداية يجوز القول انه من الطبيعي وجود آراء ومواقف متعارضة. فالتعارض يدفع المختلفين الى تقديم حججهم وأفكارهم ومقترحاتهم، ولكن من الضروري الاحتكام لمعايير وانظمة مختصة تساعد في اتخاذ مواقف متطورة اقرب الى الصحة، وتجسد الديمقراطية في الممارسة ايضا.

بكلام مجرد، ينطوي قبول استقالة الاعضاء الخمسة (ثلث أعضاء المجلس) على تسرع. فهؤلاء أعضاء منتخبون، ومن المفترض استنفاد محاولات استبقائهم في المجلس على قاعدة تنشيط المحاججة حول قضية الخلاف المذكورة.

يقول بيان المستقيلين ان المجلس رفض نقاش وجود مستوطنة مودعين في عضوية الجمعية الاورومتوسطية بعد الاجتماع الذي اعترض فيه الخمسة أعضاء على وجودها. المستقيلون هم أول من طرح وجود مستوطنة مودعين، واقترحوا تعليق عضوية بلدية رام الله الى ان تُطرَد المستوطنة. بهذا المعنى فإن موقفهم من هذه القضية اشد. وعندما يرفض المجلس البلدي طلب عرض هذه القضية كبند مستقل ثلاث مرات، ولم يجر نقاش المشاركة في مؤتمر البلديات في برشلونة أصلا، كما يقول بيان المستقيلين. وفي نفس الوقت قُبلت استقالتهم بتهمة "رفض الانخراط في جهود المجلس البلدي من أجل طرد "الجسم الاسرائيلي" - يعني المستوطنة- من عضوية الشبكة العالمية"، كما يقول بيان المجلس البلدي وتوضيحات الناطقين باسمه.

إذاً، لا تستقيم تهمة عدم الانخراط وغير مقنعة. السؤال، هل قضية من هذا النوع من اختصاص المجلس بجميع اعضائه ام انها خاصة برئيسه وبعض الاعضاء؟ بحسب الانظمة المتبعة، من حق كل الاعضاء المشاركة، واكبر دليل على ذلك ان السبب الوحيد المعلن لقبول استقالة الاعضاء الخمسة هو "رفض الانخراط في جهود المجلس". هذا التناقض قد يكون سببا في تقديم استقالاتهم. أو كما يقول بيانهم "باءت كل محاولاتنا بالفشل... ولم يبق أمامنا غير إعفاء انفسنا من الاستمرار في عضوية المجلس".

إن السرعة القياسية في قبول استقالة ثلث أعضاء المجلس ووسمهم بالسلب بدون توضيح، يبدو كأنهم المشكلة، وان خروجهم من العمل هو الحل. هذا الموقف بحاجة الى براهين. ولا يكون بقبول الاستقالة السريع جدا والذي لا يبعث على الثقة في آلية وكيفية اتخاذ القرارات. وانا كمواطن من حقي ان اعرف سلوك ومواقف من انتخبتهم لمجلس المدينة التي احبها.

ما حدث في بلدية رام الله يطرح قضية حرية الاختلاف والتعبير والنقد والشفافية على بساط البحث، للأسف هذه العناوين غير مأخوذ بها في المؤسسات العامة وفي التنظيمات السياسية، إلا بمستوى شكلي. فعادة ما يتم شيطنة المختلف ولا يُعترف بايجابياته وعناصر قوته، ويُدرج ضمن ثنائية ابيض اسود. بل إن المختلف الناقد يعاقب ويُعزل ويُشَهّر به، ويتم تحويل الموضوع الخاص به الى وجهة اخرى. وكل هذا يعود للثقافة الابوية والتقاليد التي لا تعترف بأخطاء ولا بتقصير، بمثل ما تعترف بالانجاز والمبادرات الايجابية والبناءة. من جهة اخرى تضعنا تجربة الخلاف أمام مفاهيم خاطئة أخرى، كتبرير السكوت على اخطاء بوجود انجازات ونجاحات، وكانه غير مسموح للمواطن النقد والاعتراض في حالة وجود مثل تلك الانجازات. وكتبرير السكوت على الاخطاء بالوضع الخطير الذي تتعرض له القضية الوطنية، وكأن الخطر الخارجي يستلزم تأجيل النقد والاعتراض والإصلاح، مع ان تصليب الموقف الداخلي واصلاحه اولا بأول يقوي الموقف الوطني ويخلق مقومات صمود افضل بما لا يقاس.

بالعودة الى موضوع الخلاف داخل مجلس بلدي رام الله، هناك حلقة مفقودة في مواقف طرفي الخلاف والمرجعيات (كال بي. دي. اس، ومنظمة الحق) ، الغائب عن المعالجات مؤتمر الجمعية الاقليمية والمحلية الأورومتوسطية (أرلم).

هل كان المجلس يعرف جدول اعمال المؤتمر وما يتضمنه من انتخاب للرئيس، كما تفعل المؤسسات والجهات الداعية عبر رسائل الدعوة؟. وهل تعرف بلدية رام الله عن مشاركة اسرائيل ضمن دول حوض المتوسط؟ وما هو التمثيل الاسرائيلي في هذا المؤتمر، اي بأي بلديات؟

لا يخفى على احد أن اسرئيل ُمشاركة في المؤتمر، بدليل امتناع مجالس بلدية عربية عن المشاركة احتجاجا على مشاركتها. ولكن يبدو ان التحضير للمؤتمر اغفل الحضور الاسرائيلي ولم يتوقف عنده. وهذه مسؤولية المجلس ورئيسه. كان من السهل معرفة كل البلديات المشاركة في المؤتمر بما في ذلك البلديات الاسرائيلية، وبخاصة أن بلدية مودعين تمثل عموم البلديات الاسرائيلية. ولم يكن من الصعب تحديد اهداف المشاركة الفلسطينية من المؤتمر؟ حيث كان الموقف سيختلف من زاوية الاعتراض الفلسطيني على وجود مستوطنة ممثلة لإسرائيل، وما يترتب على ذلك من تعليق الحضور الفلسطيني ودعوة البلديات العربية والصديقة للحذو حذو بلدية رام الله وكذلك بلدية بيت ساحور المشاركة في المؤتمر ولم يأتي على ذكرها أحد.

يقول بيان البي دي اس: "إن المشاركة في المحافل والمؤتمرات الدولية التي تشارك فيها دولة الاحتلال او من يمثلها لا تعتبر بحد ذاتها تطبيعا بشرط عدم التعامل والتشارك والجمع بين العرب والفلسطينيين والاسرائيليين." هذا الكلام صحيح، ولكن نحن امام مستوطنة ومستوطن يمثل دولة الاحتلال بشكل مخالف للقانون الدولي. هناك فرق في التمثيل، على سبيل المثال عندما انتدبت دولة الاحتلال مستوطنا ليكون سفيرا لاسرائيل في البرازيل في عهد الرئيسة ديلما روسيف اليسارية، رفضت البرازيل اعتماده، الشيء نفسه ينطبق على تمثيل المستوطنة مودعيت ورئيسها المستوطن. وفي الجهة الاخرى، عندما تقدم مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة بقائمة سوداء تضم اسماء 112 شركة ومؤسسة اسرائيلية وعالمية تنشط في المستوطنات الاسرائيلية ودعا الى مقاطعتها، ماذا كان رد الفعل الاسرائيلي؟ قطعت الحكومة الاسرائيلية علاقتها مع مجلس حقوق الانسان، ووصفه احد قادة المعارضة يائير لبيد بأنه مجلس حقوق الارهاب. وحذت إدارة ترامب حذو حكومة نتنياهو.

لا يعقل ان يفتح مجلس حقوق الانسان معركة الاستيطان، ونحن نعرف متأخرين جدا ان مودعين مستوطنة، ونهدر فرصة طرح هذه القضية في المؤتمر هذا ما لم تتعرض له المرجعيات القانونية للاسف الشديد. كان الاعتراض الفلسطيني في وقته سيكون له صدى دوليا كبيرا ضد الاستيطان، في الوقت الذي تستعد فيه اسرائيل لإضفاء الشرعية على المستوطنات وضمها. للاسف لم يحدث ذلك؟ ومن حق المواطن ان يتساءل عن الارتباك في الموقف الفلسطيني الذي لم تتحمل مسؤوليته بلدية رام الله وحدها بل يتحمل مسؤوليته وزارة الحكم المحلي ووزارة الخارجية وسفير دولة فلسطين في اسبانيا.

الجديد والمهم، هو اعلان مجلس بلدية رام الله عزمه التقدم بطلب إلغاء عضوية المستوطنة خلال فترة زمنية محددة. وفي حالة عدم الاستجابة للطلب الفلسطيني سيتم الانسحاب او تعليق العضوية في الجمعية. ولكن إذا كانت قرارات الجمعية تؤخذ بالاجماع كما يقول المستقيلون، فإن المبادرة الى تعليق العضوية فورا ودون تأجيل، سيكون له تأثيرا أكبر.

على الارجح عدم تعليق عضوية مودعين.

ستقول الدول المطالبة بتأييد الموقف الفلسطيني لماذا وافقتم ولم تعترضوا في المؤتمر، وهذا يرجح الكفة لمصلحة موقف تعليق العضوية الفوري، الذي بادر اليه الاعضاء الخمسة. اخلص للقول، ان الموقف المأمول بمستوى المرحلة الاصعب يستدعي عودة المجلس عن قراره بقبول الاستقالة وعودة الخمسة عن استقالاتهم وإخضاع هذه التجربة للتقييم واستخلاص الدروس والتعرف على الاخطاء.