نلقاكم في فلسطين


 


 

في كل عام … ومع إقتراب ذكرى هزيمة فلسطين … أعود إلى أرشيفي المرئي .. وأعيد مشاهدة هزيمتنا في بيروت … ليس فقط هزيمتنا أمام الجيش النازي اليهودي … بل هزيمة مشروعنا اللبناني الوطني الديمقراطي العلماني.

أوقف الفيديو على وجوه صديقات يطلقن الرصاص على السماء … أو أعيد الاستماع إلى ما قاله جورج حاوي .. والياس عطالله .. وياسر عرفات … وجورج حبش .. ونايف حواتمة والمقاتلون من مختلف الفصائل الفلسطينية واللبنانية عن الانسحاب من بيروت …

وجوه أعرفها … لكن الذاكرة لم تعد تسعفني بالأسماء …

يا الله … كم كنا جميلون رغم غبار القذائف وعرق الخوف.

ياسر عرفات قال .. أنا عائد إلى فلسطين .. وكذلك قال جورج حبش .. ونايف حواتمة وغيرهم .. وأجبناهم بلسان جورج حاوي .. نلقاكم في فلسطين ..
هل حقا عدتم إلى فلسطين؟

أنا الشاهد على مجزرة إسرائيل … وأنا الشاهد على مجزرة اجتياح عقولنا وطنيا وقوميا وعروبيا …
هل حقا عدتم إلى فلسطين؟؟؟

لا .. لم تعودوا … وفلسطين التي قاتلتم وقاتلنا لأجلها … لم يتبق منها سوى أحلام العجائز وحكاياتهم … وشعب يتأسرل طواعية … وعن سابق تصور وتصميم …
شعب .. يدافع عن قضيته كمتضامن غريب وليس كأبن البلد …
هل حقا عدتم إلى فلسطين؟

أعرف أن الحقيقة قاتلة … لكن لا بد من نكئ الجرح …

أنا الشاهد الذي لا يعرف ابتلاع لسانه عن مسؤولين كانوا جرذان ملاجيء وبارات في بيروت أثناء القصف … وعندما عادوا إلى فلسطين … أصبحوا يمارسون نفس ما كانوا يمارسونه في بيروت .. لكن هذه المرة على شعبهم …

زوجة أو أخت أو أم شهيد .. تساوَم على جسدها مقابل الراتب الشهري ..

“مثقفون” فلسطينيون .. لا زالوا ينتظرون غير الفلسطيني في المقاهي والحانات ليحررهم من الاحتلال .. لأن وقتهم ممتليء بكتابة قصائد مائية وكهربائية .. وأحيانا منوية … عن فلسطين والمسجد الأقصى … أما كنيسة القيامة فقد أصبحت ذكرى...

قيادات فلسطينية … لديهم خادمات وسكرتيرات وسيارات ومرافقون … كما كانوا في جمهورية الفاكهاني المحتلة …

قيادات فالتة … كالكلاب الشاردة على صفحات التواصل الاجتماعي … تبكي فلسطين ونكبتها … وتكتب لك معاتبة وغاضبة لعدم إهتمامك لما يكتبوه … وتقصيرك في عدم ” اللايك”.
هل حقا عدتم إلى فلسطين؟؟

كل الحقائق أصيبت بالسفلس الثوري … والعقم البروليتاري … وطل سلاحي من جراحي أصبحت لا تغنى سوى في الحانات … وعائدون أضاعت الاتجاهات لكثرة تناول الويسكي وأصبح اتجاهها ألمانيا والسويد والدنمارك بدلا من حيفا ويافو ويبوس .. أما يا زهرة النيران في أرض الجليل .. والنجمة الحمراء والمتراس .. فقد أصبحتا متعهدا رسميا ووكيلا حصريا لمنظمات الأن جي أو..

بالنسبة لي … فأنا لا أعرف سوى حقيقة واحدة … هي أن لا شعبا فلسطينيا سوى في مخيمات اللجوء وتحديدا في مخيم شاتيلا حيث لي أصدقاء أحبهم … وأن أمي من حيفا …

في كل عام .. ومنذ هزيمة بيروت .. أتزلبط من كل ملابسي … أجلس محاطا بالآلات الموسيقية وأوراق النوتة .. وصورا تأبى أن تغادر الذاكرة عن مقاتلات ومقاتلين أعرفهم رحلوا.

في كل عام ..
أدير جهاز الفيديو … وأعيد مشاهدة فيديوهات عمرها أكثر من ربع قرن … متجردا متزلبطا من كل ملابسي … إلا من بروتيل (فانيلا) بألوان علمنا اللبناني … وكيلوت (كلسون أو شنتان) أحمر بلون علم الاتحاد السوفيتي المنقرض … وأنظر من الشباك إلى السماء .. وأصرخ: “يا الله بكافة فروعه الاسلامية واليهودية والمسيحية … كم كنا أغبياء” ..

لا ماركس بقي ماركس .. ولا لبنان بقي لبنان … ولا فلسطين هي فلسطين …

ما أريده الآن في هذه اللحظة … هو أن تأتي حبيبتي وتضمني إلى صدرها كوطن .. نرمي فيديوهات مذلة بيروت الفلسطينية وهزيمتنا في الحركة الوطنية اللبنانية …
نضيء شمعة … نتعرى … نكتب رسائل حب إلى كل الشهداء النادمين على موتهم ..
ثم ..
ننام.
----
تنويه: أهدي إصدار هذا العدد إلى أصدقائي في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين. أخص بالذكر أخي علي مراد، سعيد قمرية وسليمان اليوسف. وإلى أصدقائي الشهداء هاني، غارو ويوسف الذين سقطوا دفاعا عن مخيم الداعوق أثناء حصار حركة أمل والمخابرات السورية للمخيم. وآخرون لا تساعدني الذاكرة على تذكر أسماءهم