إنها مجرّد أسئلة


د. وليم نصار
رئيس التحرير

الكلمة

من يقدر أن يضيء شمعة، ويعبر بها زمن العتمة، فليمضِ معي..!
من يقدر أن يزرع شقيقة نعمان واحدة وسط دنيا الخراب، فليأتني.!
من يقدر أن يقيم داراً.. جداراً.. عتبة بيت.. بسمة طفل.. شاهدَ قبر.. فليحمل معوله وليأتِ، فلم يعد هناك بقيّة للحزن..

يتسرّب الوطن من بين أصابعنا.. كأننا نقبض على حفنة رمل يابسة ساخنة.. نقبض عليها بقوّة لكنها تتساقط ذرّة ذرّة رغم شعاراتنا الضاجّة الصاخبة الممجوجة..ثم لا نملك غير البكاء واستجداء الآخرين حتى تحولنا إلى شعب من أفواه نايلون ودموع شمعية.!

نحاول أن نبعد السياط التي تجلد ظهورنا فنتمسّك بالكلمات.. الكلمات فقط.! وينزل السقف، يهبط علينا شبراً وراء شبر فنحسن التمسّك بهبوطه الأخير.. الأخير..

ثم..!
لا.! لم يعد هناك من ثم..

تكشّفت الأوراق.. ماتت الشعارات وماتت معها إلى غير رجعة الأحزاب اليسارية والقومية..
تكشفت الأوراق.. وفاحت رائحة العفن والمحسوبيات وتمسيح الجوخ ..
تكشفت الأوراق.. وأخذت معها أكداس المفاخر التي لاكتنا ولكناها شوط عمر طويل حتى مصّت من دمائنا كل خلايا الحياة، وأبقت على عورات السادة المتحضّرين القابعين في بروجهم المنيعة، صنّاع القرارات الكبيرة والصغيرة.. نظيفة…. ملفوفة بربطات عنق أنيقة.

ربطات عنق إسلامية منسوجة على الطريقة الحلال أو (كوشر) لافرق.
ربطات عنق بروليتارية فاشلة تعيش على هامش الحياة..
ربطات عنق لا يعرف مرتدوها كيف تعقد، باتت تحتل الصدارة..

ونحن نبكي..
ليس على آخر مشهد لهزيمة صفعتنا بطعمها المرّ وقتلت فينا الأمل والأمنيات بل نبكي لاننا لم نعرف كيف نبدع مثل قاتلنا كي نصيّرها بقدرة قادر إلى انتصارات مؤزّرة..
صمتَ كل شيء.. كل شيء.. ولم تعد هناك من أجنحة تحلّق في الأفق غير أجنحة طيور البين ومناقيرها الحادّة، ومخالبها الصاعقة..

لم يبق على الأرض بين الركام غير لفافات بيضاء تنزّ دماءً وعظاماً.. تنزّ صرخات وجع حزينة مقهورة تلتصق على أجسادنا.. لا تكفي لأن تستر حتى أجساد نساءنا وأعراضنا وكرامتنا وتاريحنا وعطاءاتنا..

لقد قتل صوتنا..
قتل صوتنا… ولم يتبق غير أصوات الجهلة والمنافقون والمسترزقون..ا..
قتلت إنسانيتنا ...

هل حقّاً لم ندرك بعد حقيقة ما يجري؟!!!
بعد قرن كامل ونحن لا نعرف حقيقة ما يجري.؟
رائحة الموت تدخل بيوتنا وصالاتنا وأسرّتنا وعمرنا… تسخر من أحلامنا وموسيقانا وأقلامنا … تسخر من أوراقنا التي فصَّلناها على حجم خطابات الأنظمةِ وفتاوى أصحاب الغبطة والسياد والشيوخ أصحاب القرار الأخير في مواقفنا السياسية..

امرأة تهيل على رأسها التراب..
لم تعد تعرف وسط هذا الدمار أيها الذي كان بيتها.. لم تعد تعرف وسط العويل والصراخ إذا كان ابنها هو الذي يمسك طرف ثوبها أو أنه طفل آخر ترك وجوه أحبائه تحت سقوف مهدّمة وصار يرى في كل وجه يقابله وجه أمّه..
امرأة أخرى تهيل التراب على رأسها وتقول “لا تدفنوه .. أرجعوه إلى حضني فيحيا ثانية”.

جرفوا البيت والبيت المجاور.. الشارع والشارع المجاور.. القرية والقرية المجاورة.. البساتين.. المزارع.. الدكاكين.. أقوات الناس..
فهل حقّاً ما نزال نتمسّك بالوطن الذي يريدون.؟

أي وطن هذا وأشلاء الناس البسطاء المسحوقين الممصوصين تبحث تحت أطنان من الإسمنت والحجارة عن كِسرة خبز، وجرعة ماء.؟
إن المسألة مهما فلسفها المتفلسفون هي ببساطة مسألة وجود…. إما أن نبقى ... أو نزول.
أما آن الأوان بعد أن نصرخ.؟
أما الأن الأوان كي نرتفع فوق الجراح ومعزد إلى بداية البدايات، إلى الثوابت التي ورثَّنا إياها آباؤنا وأجدادنا.. إلى أصل القضيّة وجوهرها وروحها. إلى أصل الصراع بين المشروعين.. إلى مسألة الوجود بقضّها وقضيضها..

هل المثقفون هم ضمير الأمة؟
في حالتنا … الجواب لا …

عادة يكون المثقّفون ضمير الأمم، هم الحاملون الأقدر للأفكار السياسية والوطنية والقومية التي لا تنفصل عن طموحات شعوبهم.. هم الرديف الداعم للسياسي، يتساوون معه بالرؤى ولو تبدّلت طرائق الممارسة لكنّهم يلتقون في النهاية.. (وأنا أتحدّث منطلقاً من افتراض نظافة السياسي، ونظافة المثقّف .. وليس السياسي العقائدي أو الحزبي .. وليس أيضا المثقف المسترزق الانتهازي).

قد يقول قائل بأن الحديث عن الثوابت، عن الوطن كل الوطن ضربٌ من ضروب المستحيل في ظل الظروف الجديدة، والعالم الجديد، والمعطيات الجديدة المستجدّة….. فأقول:
إن هذا كلّه لا يعنيني، أنا صاحب الحق، صاحب الأرض والتاريخ والتراث، وسأبقى كما ورثت أورّث.

سوف يأتي يوم يكون فيه كل أطفال بلادي يعرفون كما أعرف، ويكدحون في سبيل ما نعرف لأنهم ورثوا منّا بأمانة ما ورثناه.

آلاف القتلى، آلاف المصابين، رموز بطولة ورموز تصميم، ورموز صمود، كل واحدة قصّة ورواية وقصيدة شعر ولوحة فنان وأغنية ومسرحية ولحن…. فلنمض في تصوير كل واحدة منها كي نبقيها حيّة تنبض في ذاكرتنا.

أن يتساوى عشق الحياة وعشق الموت في هيكل بشريّ واحد.. ثم لا يسأل أحد لماذا..!؟
ما هذا الوطن الذي لا نستحقه .. هذا الذي نعيش فيه أو على هامشه أو حتى على خيالاته.؟
هل فرض علينا أن نبقى معلّقين على ذيول أحلامنا؟

ثقافة الشعوب هي المعيار الأبرز لأهلية تلك الشعوب وانتمائها… فأين شعوبنا من تلك الأهلية؟
هل حقّاً حملنا هذا المعيار بالأمانة الكافية.؟
هي أسئلة.. مجرّد أسئلة


للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. شكرا لك