الكلمة

بقرة ذات ضرع إسمها فلسطين

د. وليم نصار | رئيس التحرير

وليم نصار في عام ماطر بالحب والحنين، صبيحة أحد طلق كوجه طفل يغفو على ثدي أم ترضع الخير، وُلدنا. ونحن في كل عام، أيتها المسافرة في دمنا والمبحرة في شريان الذاكرة، نرتديك لحما وعطرا، نجدد صلتنا برحمك ونخبيء طيفك في بؤبؤ العينين، وحين تضيق بنا الأرض والسماء، ويجافينا وينسانا ويخوننا بدافع الغيرة والحسد، أخوة ورفاق لنا نحبهم، نراك وحدك نورا للحب ومصدر الفجر الندي.

في عينيك نور من سماء لا يراه إلا من آمن بمظلوميتك، فاتركينا نأخذ البرد والنار عنك كي نحميك منا. اتركينا نحملك في القلب المشاغب، ذكرى يغنيها الشعّار على رباب من نقر حنين ودموع.

من قال أن دموع الرجال أصعب الدموع؟
أصعب الدموع تلك التي نذرفها على صدر أم أو على تراب وطن، ونحن وأنت استجدينا حلما ووطنا، غير أن الوطن قتلنا والحلم قد جفانا.
لكننا ورغم ذلك، سنبقى نحن المرفأ ومرساة الجرح الأخيرة.

يا فلسطين..
أيتها الرفيقة حتى العظم..
سوف تبقي بوصلتنا، إذا صارت برسم واحد كل الجهات.
كل يوم ننقش وجهك الحنطي آيات لسفح القلب الكنعاني، ونتذكر كم رضعنا من الحنين فأصرخ ملىء الحلم: يعلمني الحنين أنه حتى الجبابرة أقزام أمام الوطن.

لكن كَثُر الأقزام في بلادنا يا فلسطين، حتى أنهم غزوا حلمنا.
.. ينظرون في أعيننا، يراقبون نبرة صوتنا.
.. لقد أصبحوا شرطة، بدلا من دولة، وزرعوا داخل كل منا شرطي. واليسار الذي أضاع أعمارا كثيرة أصبح خادما ومخبرا رخيصا في منظمات الان جي أو. (NGO)
*****
الليلة رأيت وديع في الحلم يقول لي:
"إذا أردت أن تضيف إلى همك هما جديدا، فاعشق الوطن."
ونحن منذ المخاض الأول نعشق الوطن.
ننتمي إليه انتماء الإبن لا انتماء السمسار أو انتماء مناضل حلّاب إلى بقرة ذات ضرع.
ننتمي إليه كما انتمى إليه سمير القنطار وأنور ياسين ونبيه عواضة، ننتمي لحزنه وشقوة عينيه، في قوته وفي شلله، لأنه أنجبنا من خابية حزنه العتيقة، فكبرنا حادّون كشمسه، مقهورون كأرضه، ولم نتنكر لأحد أبنائه.

كم غنينا لغزة، وها هي غزة لا تجيء إلينا، ولا تتركنا نأتي إليها بفعل الحصار المصري قبل الاسرائيلي. وكم صلينا لآلام أريحا، لكن أريحا لم تخلصنا.
هل أصبح الموت أحن من بيروت والناصرة وأكثر دفئا من تراب صفد واللد؟
*****
هل تسمحين بأن نناديك يا أم؟

يا أمَُ..
ندرك الآن أن بلادنا مؤجلة، غير أننا نحاول أن نثبت الحلم واللون والريح في الذاكرة، ورغم الألم فإن معنوياتنا وأرواحنا مثل خشب البلوط ...
ولن ننتحر .. بل سنظل داخل النضال ضد الثورجيين وضد العوج.

يا أمُّ ...
نقبّل حزنك، ونشد على يدك، واطمئني فنحن مستمرون في العناد وركب الرأس، فأنت ذاكرتنا حين تخوننا الذاكرة، أنتِ دمنا، يشدنا إليك رباط الرغيف والحرية والحلم.

مثلك جعنا، مثلك عرينا، مثلك حلمنا وغنينا، مثلك جرحنا واعتقلنا، لذا فالغد الآتي لنا.

في كل عام جديد، نزداد إيمانا بأننا وحدنا ورثة هذا الوطن، نضم زيتونته إلى الصدر الفسيح رغم ضيق الطريق.
نعم .. إن الطريق ضيق.
ومن قال أن الملكوت يؤتى إليه من الباب الواسع؟.