قراءات نقدية

الحداثة بين العرب وإسرائيل

طلعت رضوان | مصر

مجلة الكاتب اليساري :: طلعت رضوان 
تناول كثيرون من المثقفين المصريين (والعرب) أهمية تعامل الأنظمة العربية وشعوبها، وفق معطيات العصرالحديث..وبصفة خاصة (مفهوم الدولة المدنية) والارتفاع بمستوى العلوم الطبيعية وتنطبيقاتها التكنولوجية.

وهذا الموضوع تناوله الباحث المصرى د.نبيل علي (1938- 2016) والذى يعتبر من أهم المتخصصين فى (مجال الكمبيوتر ونظم المعلومات) ونال درجة الدكتوراه فى (هندسة الطيران) عام1971..وطرح رؤيته عن تطويرالدول العربية وتحديثها فى كتابه (الثقافة العربية وعصرالمعلومات) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية- عدد يناير2001 وأعادتْ هيئة قصور الثقافة طباعته- عام2012)
***
اهتم د. نبيل بالتركيز على التحديات التى تواجه الأنظمة العربية وشعوبها..ورأى أنّ التحدى الذى ((ينتظرأمتنا العربية، صنعتها أيدينا أكثرمما ساهمت فيها أقدارنا، وسئمنا معرفة أسبابها..وعزفنا عن التبصرفى آثارها..ويشهد تاريخنا البعيد والقريب أننا اعتقلنا أصحاب العقول..وتصفية أجسادهم أمثال (طرفة بن العبد) و(ابن المقفع) و(بشاربن برد) وغيرهم..وقد استمرّالاضطهاد فى العصرالحديث..وبالتالى فالسؤال هو: كيف نواجه ((مجهول ثقافة عصرالمعلومات، دون التخلص من نظام الدولة الثيوقراطية)) (ص18، 19) وبعد أنْ ضرب أمثلة على التقدم العلمى فى مجال البرمجيات عالميا، كتب: وهنا يبرزالتحدى الحقيقى، خاصة أنّ ثورة الاتصالات ((تحتكرها شركات قليلة متعدية الجنسية، مما يتعذرعلينا مواجهتها..وإلاّصارتعليمنا وإبداعنا وتراثنا تحت رحمة عولمة البرمجيات)) (ص75)

ولذلك- كما كتب- لابد من ((وقف نزيف العقول العربية (والمصرية) والتصدى لمحاولات إسرائيل لاختراق السوق العربية فى مجال المعلومات)) وهذا يتطلب الاختياربين:
1- ديمقراطية أم مزيد من سيطرة الحكومات؟
2- عدالة اجتماعية أم استقطاب اجتماعى؟
3- حوارثقافات أم صراع حضارات؟

وذكر أنه يجب تعديل مقولة عميد الثقافة المصرية (طه حسين) ونرفع شعارالمعلومات كالماء والهواء (من ص91- 97) وذكر أنّ الأبحاث العلمية بدأتْ ((فى فك طلاسم المخ البشرى)) وذكر أنه يعتقد أنّ العقل العربى المعاصرليست لديه قدرات معرفية لمواجهة تعقيدات عصر المعلومات..وإذا لم نواجه ذلك ستكون النتيجة المزيد من الخلل..وأنه لابد من الاعتراف بمدى قصور تنظيرنا الثقافى (من ص111- 131) وأنّ الثقافة العربية تشكو من ((ضمور شديد فى تعريف الثقافة..وبتالى لابد من كوادر ثقافية قادرة على إقامة حوار متكافىء مع الثقافات الأخرى المغايرة..وهذا لن يتم إلاّ بعد إيمان الأنظمة العربية بالحرية الثقافية..والحرية الفردية)) وذكرأنه ((يعيب خطابنا الثقافى على الانترنت انعزاليته المعرفية والتاريخية، خاصة أنه يبتعد ويتجاهل الدراسات الجادة فى سياقاتها الحضارية والإنسانية..ولذلك تتسم بالبدائية..وأسلوب الانفعالية ورد الفعل..وكثيرًا ما يتناقض خطابنا الثقافى مع نفسه، بسبب تبرع البعض فى نقل خلافاتنا إلى ساحة الجدل العالمى (دون دراسة موضوعية) وأنّ قليلين هم من يجيدون اللغة الإنجليزية..وبالتالى مازالتْ الثقافة العربية ((حبيسة اللغة العربية، لضعف الترجمة من العربية إلى الإنجليزية)) (من ص153- 156)

وصمّـم جدولا عقد فيه مقارن بين فكر (عصرالمعلومات) والفكرالعربى..ومن أمثلة ذلك أنّ الأول: ابتكارى، خلافى، علمى، استشرافى، مبادر، تواصلى، توليدى. ويقابله الفكرالعربى وهو: تقليدى، سطحى، دوجماتى، استسلامى، غير علمى، قاطع، سلبى، توفيقى، أحادى، سردى (ص167) وأنّ الفكر العربى وقع تحت تأثير تياريْن متصارعيْن: البعثى القومى..والناصرى بسماته الدينية (ص179) وأنّ الفكر العربى يميل إلى المطلق ضد النسبى..ويفتقر إلى ((مهارات المنهج المنظومى، القادر على التعامل مع تعدد العناصر..ومهارات التفكير الشبكى ليستطيع النجاح مع (منظومة المدخلات والمخرجات..وتعدد المسارات التى تربط بينهما..وأنّ الفكر العربى من عيوبه تشبثة بالثنائيات..ومن أمثلة ذلك أنّ ((فكرنا اللغوى جعل لكل قاعدة نحوية سببـًـا وعلة من خارجها..وليس من داخلها. أما فيما يخص تعامله مع الخاصية الزمنية، فإنّ الفكر العربى استاتيكى..ويفتقر إلى الحد الأدنى من الدينامية للتكيف مع الإيقاع السريع لعصرالمعلومات)) (ص205، 206)

وطرح سؤالاجريئــًـا: هل بقدرة (علماء) الاجتماع العرب تقديم نظرية اجتماعية تستوعب متغيرات العصر الحديث..وتكشف عما يجرى داخل مجتمعاتنا، التى تموج بالبراكين النشطة..والخامدة. العرب فى حاجة لنظرية تجعل من الثقافة منارة لخدمة المواطنين، لا هراوة فى أيدى الحكام..وبوقــًـا إعلاميـًـا لخدمة التجار؟ (ص224)

ومن بين التحديات أنّ الثقافة العربية، أهملتْ المعرفة الكامنة فى الفنون..كما أهملوا دراسة (علاقة اللغة بالهندسة) و(علاقة اللغة بالفكر) و(علاقة اللغة فى إطار منظومة الثقافة) ولم يسأل العرب الأسئلة التى تناولها التنويريون الأوروبيون مثل: هل اللغة صانعة الفكرأم صنيعته؟ هل اللغة (قيد) على الفكرأم تحريرله؟ هل اللغة مرآة للعقل؟ أم للعقل مراياه الخاصة والمتعددة؟ وضرب أمثلة من تعسف الرقابة فى الصحف والمجلات وفى دورالنشر مثل شطب تعبير(خلق الأفكار) ونقد التراث) وذكر ما فعله (جورج أوريل) فى روايته1984حيث وضع اللغة على ((رأس قائمة أسلحة القهر الأيديولوجى فى يد الأخ الكبير الذى استبعد لغة المجاز التى تضيع قيودًا صارمة على معانى الألفاظ..وأنّ معنى (فقد الحرية) لايجب أنْ يخرج عن المعانى المناظرة مثل (حبس الطيورفى أقفاصها) إلخ (من ص259- 266)

وذكرأنّ الدول العربية تحتل (ذيل قوائم الإحصائيات التى تصدرها منظمة اليونسكو فى استهلاك ورق الصحف..وباقى وسائط القراءة) وأشار إلى تقرير الإعلام العربى، حاضرًا ومستقبلا..وورد به أنّ إعلامنا العربى ((لم يرتفع إلى مستوى الرسالة المنوط بها، فى تعميق وعى المواطن..وإشراكه فى التفاعل وإسهامه فى البناء الجماعى..وأنّ إعلامنا العربى يواجه مأزقــًـا رباعى الجوانب:
1- مأزق اقتصادى عن كيفية التنافس فى عصرالإنتاج الإعلامى الضخم
2- مأزق ثقافى عن كيفية أنْ تصيرالثقافة درع الوقاية مما يــُـهـدّد ((هويتنا وقيمنا وترلااثنا))
3- مأزق تنظيمى عن كيفية اكتساب المرونة..واختيارات الكفاءات (بعيدًا عن المجاملات) فى ظل إعلام عصرالمعلومات..وديناميته الهادرة..وضرب مثالابقدرة المبدع الإعلامى بالبرنامج الأمريكى (60دقيقة) الذى لم يعتمد على الإبهار..وإنما على الحوار مع الجمهور(ودون تلقين من المـُـعد أو من المذيع..ودون مونتاج، سواء للحذف أو الاضافة..ولذلك فإنّ هذا البرنامج، من أكثر البرامج نجاحـًـا فى أمريكا (ص366، 367)

وعن الإعلام العربى الدينى ذكر أنه لا أمل لخطابنا الدينى، فى التطور إلاّ بعد أنْ يتفاعل مع القضايا المُـستجدة والأسئلة الحديثة لمواكبة عصرالمعلومات (ص423) وذكر أنّ الفكر الدينى العربى لم يمارس الفكر النظرى، الذى مارسه الفكرالأوروبى، الذى انتقل (بحرية) من (محور الميتافيزيقا) و(مفهوم الألوهية) إلى (محور الإنسان) ومن (عقل يـُـسيطر عليه الدين) إلى عقل أعلن انفصاله عنه..وأنّ المأزق العربى بدأ منذ أن شنّ (ابن قتيبه) الحرب ضد الفلسفة..كما كتب المفكر الجزائرى (محمد أركون) وساهم الفكر الدينى فى تشويه دور المفكرين والمستشرقين الأجانب..وهو ما أثر بالسلب نحوالمعرفة، بالرغم من فضل هؤلاء فى الكشف عن الكثير من كتب التراث العربى الإسلامى..ولم يكن التشويه من جانب الإسلاميين فقط..وإنما شمل كثيرين من المثقفين الكبار أدعياء الليبرالية والتقدمية..وأنّ أفكار الإسلاميين المتربصين للفكر الأوروبى، تسللتْ إلى بعض العلمانيين..وكانت النتيجة ظهور ما يـُـسمى (أسلمة العلوم) وأنّ العداء للاستشراق شمل الطيب والخبيث (ص432، 433) وربط ذلك بالتعبير المستنير الذى صرّح به الشاعرالسورى أدونيس الذى تساءل: ماذا يبقى للثقافة العربية الراهنة، بعد أنْ نستقطع منها كل ما أستعير من فكر الأوروبيين (ص434) فكان من الطبيعى أنْ تتراجع الثقافة السائدة (سواء العربية أوالمصرية) عن تبنى (مشروع التنوير) وتنتشر الفرق الظلامية، وكثرة مواقع الانترنت التى تدعو المسلمين (فى كل دول العالم) للجهاد..والتضحية فى سبيل نصرة الإسلام (ص482)

وإذا كان هذا هو الوضع فى الأنظمة العربية..وبصفة خاصة إهمال العلوم الطبيعية، فإنّ نبيل على رأى ضرورة تقديم (صورة الوضع فى إسرائيل) فذكر أكثرمن دليل على تفوقها فى (مجال التكنولوجيا الحيوية) وما لهذه التكنولوجيا من استخدامات عسكرية ومدنية (يصعب التكهن بها) كما أنّ إسرائيل كانت ضمن الدول المتقـدّمة التى استفادتْ من ابتكار العالم المصرى (زويل) وإبداعه المذهل الفمتوثانية (واحد على ألف تريليون من الثانية) وآلة تصويره (فائقة السرعة) وأنّ إسرائيل أخذتْ فى استخدام آلة التصوير الزويلية..ووضعتها على أقمارها الصناعية، لتطوف فى سمائنا وتلتقط ما يدور على أراضينا..وما يرقد تحت سطحها..وتساءل: كيف تركنا إسرائيل تلتف حولنا..ونجد أنفسنا- دون أنْ ندرى- وأسنانها الصناعية فى لحمنا، وبذور ثورتها الزراعية فى تربتنا..ومنتجاتها فى كل أسواقنا..وذكر أنّ كثيرين من العرب (والمصريين) لايطيب لهم الحديث الذى يكشف (بالمعلومات) عما يحدث فى إسرائيل..ويحق لنا أنْ نسألهم: كيف نتحاشى هذا الحديث..وقدر أمتنا (العربية) الصراع مع إسرائيل؟ ونترك لها- حتى المجال الثقافى لتــُـعربد فيه، بخلاف ما تحتله التكنولوجيا الإسرائيلية الرفيعة- بصفة عامة- وتكنولوجيا المعلومات بصفة خاصة، فى عقل ساسة إسرائيل وعلمائها..ولعلنا نتعظ ونتذكرما قاله شيمون بيريز عند توقيع اتفاقية القاهرة ((من أنّ المعلومات أقوى من المدفع)) وهذا عن (الحمائم) فماذا عن الصقور؟ حيث يتباهى نتنياهو ((بعظمة السيلكون الإسرائيلى، الذى يربط بين مراكزالبحث..والتطويرالمعلوماتى فى مثلث: تل أبيب- القدس- حيفا..والذى لا يفوقه- حسب زعمهم- إلاّ وادى السيلكون الأمريكى..وذكر د. نبيل على أنّ التنمية الاقتصادية..هى التى كفلتْ لإسرائيل ((دوام تفوقها العلمى والتكنولوجى، تاركة للعرب الصناعات التقليدية مثل الأسمدة والأسمنت، أى الصناعات القذرة الملوثة للبيئة..وإسرائيل بدأتْ تستغنى عن صناعاته التقليدية (مع ملاحظة أنّ هذا الكلام ورد فى طبعة يناير2001 الكويتية) وذكر أنّ إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 سعتْ إلى إقامة (قاعدة علمية) تكنولوجية ضخمة، لدعم قدراتها الحربية..وكانت ركيزتها شبكة من معاهد البحوث المتقدمة..وعلى رأسها معهد (وايزمان وتيكنون) اللذان ينعمان بتقدير كبير من الحكومات الإسرائيلية..والأوساط العلمية العالمية..وتغطى مجالات البحوث، معظم فروع العلم والتكنولوجيا المتقدمة..ويشمل: التكنولوجيا النووية..والتكنولوجيا الحيوية والبيولوجية الجزئية. وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات..والذكاء الصناعى..وبحوث الطاقة..وبحوث زراعة الصحراء وبحوث (علم اللسانيات) وبحوث الطب والدواء..إلخ..ويبلغ معدل النشر العلمى (عشرة أضعاف المتوسط العالمى) وتعتبرالجامعات الإسرائيلية من أعلى الجامعات العالمية فى (معدلات تسجيل براءات الإختراع) والأهم من كل ما سبق هوالروابط الوثيقة بين الأبحاث العلمية..وبين مراكزالإنتاج. أما بالنسبة للموارد البشرية، تأتى إسرائيل فى المرتبة الثانية- بعد اليابان- فيما يخص عدد العلماء والفنيين، إلى إجمالى عدد السكان..وقد ضاعفتْ الأعداد الكبيرة من العلماء الروس- بعدد تفكك الاتحاد السوفيتى- وذلك بفضل دور المسئولين فى جذبهم للعمل فى إسرائيل، بإغراءات مادية كبيرة، فذهب عدد كبير منهم إلى إسرائيل، من ديانات وجنسيات مختلفة..وهؤلاء العلماء جاءوا ومعهم ((حصاد المعرفة المتراكمة، وأسرارالتقدم العلمى فى أكثر فروع البحث..والتطورالتكنولوجى فى الاتحاد السوفيتى السابق))

كما تــُـعتبر إسرائيل من أكثرالدول نشاطــًـا فى إقامة العلاقات العلمية..واتفاقات التبادل الأكاديمى..ومشاريع التعاون البحثية، مع معظم الدول المتقدمة..وأنّ الأمثلة المذكورة ((مجرد بعض ملامح المشهد العلمى/ التكنولوجى الإسرائيلى)) بخلاف ما تعرضه عبر الانترنت ((كموايك من التنوع الثقافى)) حيث ((بها ما يقرب من70 جماعة ثقافية وعرقية)) وأنّ إسرائيل تهتم بالتعليم منذ حضانة الأطفال حتى الدراسات ما بعد الجامعية..وتأتى إسرائيل فى المرتبة الثانية بعد الدنمارك فى معدل (نشر الكتب) بالنسبة لعدد السكان..وذلك بخلاف حركة الترجمة الهائلة إلى العبرية: من الإنجليزية والروسية والإسبانية والبولندية والعربية..إلخ..وتهتم بالترجمة الآلية، ولديها 120متحفــًـا فى كافة مجالات الإبداع الفنى..وذكرالمؤلف أنه قـدّم دراسة عن البحث العلمى الإسرائيلى..كلــّـفته بها (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) وبعد أنْ أنهى تلخيصه للبحث قالت إحدى الباحثات العربيات ((دع الكلاب تعوى)) ساخرة من التقدم الإسرائيلى..وكان تعقيبه ((سيظل عواء الكلاب هذا يزعجنا أشد الإزعاج)) وأنقذ الموقف د. حمدى مرزوق الذى قال إنه اشترى سلعة سويسرية ولما نزع الاستيكر وجد المكتوب ((صــُـنع فى تل أبيب))

وذكرأنّ الأبعاد السياسية واللغوية فى ((صراعنا مع إسرائيل سوف تتضاعف فى حالة ما إذا حلّ نوع من السلام فى المنطقة، فمن المتوقع أنْ تلجأ إسرائيل إلى استغلال الأسلحة الثقافية..وأنّ مقاومة ذلك لابد أنْ يكون بدراسة (محورية اللغة فى الثقافة اليهودية، خاصة بعد أنْ أثبتوا قدرتهم على إحياء اللغة العبرية بعد اندثارها. ومن جانبنا يجب التوسع فى الدراسات اللغوية والدينية المقارنة..وهى دراسات تعانى من فقر شديد لدى الثقافة العربية..وحذّرمما تفعله إسرائيل من العبث بالتراث الشعبى الفلسطينى، من أزياء وأغانى..وفنون فولكلورية..إلخ (عن إسرائيل- كنماذج الصفحات: 23، 33، 102، 287، 494- مجرد أمثلة)