|
سقتُ هذا المثل العربي القديم، والذي نجد قصته مروية في مَجْمع الأمثال للميداني،
في بداية المقال ليكون عنواناً، هذا أولاً، وثانياً ليكون إمامي في هذا الحديث
والذي آمل من خلاله ألا أسبب لنفسي أو لغيري الأذى. ولكن ولا بد مما ليس منه بد.
ففي أغلب الأحيان نعرف الكاتب أو المفكر أو الباحث من خلال كتبه، ولكن عندما يظهر
لك على شاشة التلفاز ننكر معرفته، فهذا الشخص الذي يتحدث أمامك في ندوة عامة أو في
لقاء متلفز لا ينطبق كلامه على ما قرأت له من مؤلفات مشهورة في المكتبات، ونعجب أشدَّ
العجب من هذه المفارقة المذهلة والعجيبة في دلالاتها. ففي الأمس القريب استمعتُ إلى
حديث مباشر مع الباحث السوري فراس السواح في لقاء متلفز، فصدمت صدمة العمر، وتساءلتُ
بيني وبين نفسي من هذا؟ مع أنني أعرف تماماً من يكون، فقد رافقني من خلال كتبه من
أيام فتوتي وشبابي "عشرة عمر" كما يقال، فلماذا تنكره نفسي الآن؟
في كتب التراث وفي الحديث عن الشخصيات العامة، تأتي عبارة: عقله أكبر من علمه. أي
أنه مع علمه لديه عقل راجح يخدمه كثيراً، وقد يكون هذا العقل أكبر من الجانب
المعرفي لديه. وفي بعض الأحيان يعبر عن أشخاص لديهم جانب كبير من العلم والمحفوظات
والكتب لكن جانب العقل والتدبر والفهم لديهم أقل من ذلك فيقال: علمه أكبر من عقله.
أي أنه لديه علم ومحفوظات، وقد يكون لديه مكتبة كبيرة لكن ليس هناك جانب عقلي يخدم
العلم كما تحضر لديه المعلومات. قد يكون عقل الرجل أكبر من علمه، فلا يضره بل ينفعه،
وقد يكون علمه أكبر من عقله فهذا يضرّه ولا ينفعه.
كان عبد الله بن المقفع والخليل بن أحمد الفراهيدي يحبان ان يجتمعا، فاتفق لقاؤهما،
فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران، فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟ فقال: وجدتُ رجلاً عقله
زائد على علمه. وسئل الخليل عنه فقال: وجدتُ رجلاً علمه فوق عقله. قال بعض العلماء:
صدقا، فإن الخليل مات حتف أنفه في خص وهو أزهد خلق الله، وتعاطى ابن المقفع ما كان
مستغنياً عنه حتى قُتل أسوء قتلة.
ولو عدنا إلى حكاية المثل الذي صار عنوان هذا المقال. فأقول: كان هناك رجل من عقلاء
العرب يدعى شن، لما رغب في الزواج قال: والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها،
وبينما هو في مسيرة للبحث، رافقه رجل في الطريق، فسأله شن عن وجهته؟ فقال له الرجل:
أنا في الطريق إلى قريتي. فرافقه شن حتى إذا سارا في طريقهما، قال له شن: أتحملني
أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت
شن.
وظلا على سيرهما حتى إذا قربا من القرية المقصودة، إذا بزرع حصيدة قد استحصد، فقال
شن للرجل: أترى هذا الزرع قد أكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتًا مستحصدًا
فتقول: أكل أم لا؟ فسكت أيضا شن، ولم يرد على كلام الرجل، حتى إذا دخلا القرية،
وجدا أمامهما جنازة، فقال شن: أترى صاحب النعش حياً أم ميتاً؟ فتعجب الرجل من
سؤاله!
فلما وصلا إلى القرية، رفض الرجل أن يترك شن حتى يصحبه معه إلى منزله، وكان له ابنة
يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها، حدثها بما دار بينه وبين شن من حديث، فقالت:
يا أبتِ ما هو بجاهل، أما قوله: أتحملني أم أحملك، فإنما قصد بها أتحدثني أم أحدثك
حتى نقطع طريقنا، ولا نشعر بطول المسافة، وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟
فإنما قصد بها هل باعه أهله؛ فأكلوا ثمنه أم لا؟
وأما قوله في الجنازة فقصد به هل ترك المتوفى ولدًا يحيا به ذكره أم لا؟ ولما فطن
الرجل لمقصد شن، خرج إليه وقعد معه، وأخبره بجواب أسئلتها التي طرحها عليه، فقال
شن: ما هذا بكلامك، فأخبرني من صاحبه؟ قال الرجل: ابنتي طبقة، فلما سمع شن بها،
ورأى رجاحة عقلها، خطبها منه، وزوجة الرجل إياها وحملها إلى أهله، فلما عرفوا عقلها
ودهاءها قالوا: وافق شَنٌّ طَبَقَة.
من الأشياء البسيطة التي لا نحتاج معها إلى برهان أن يتحدث المفكر أو الباحث أو
الكاتب كما يكتب، ولكن المفاجئ، أن العديد من المفكرين والباحثين والمؤلفين
المعاصرين، والذين نعرفهم جيداً من خلال كتبهم، ننكر معرفتهم عندما نستمع إلى
حديثهم في التلفاز أو عبر وسائل الإعلام المختلفة. وفي العادة نلتمس لهم عذراً، فقد
يكون الكاتب في تلك الدقائق من اللقاء في ضيق من أمره، فيكون حديثه مضطرباً مفككاً
يفتقد التركيز المطلوب في هذه الحال، أو قد تكون أسئلة الصحفي ساذجة، لأن السؤال
الجيد يستدعي جواباً أجود منه، هكذا تعلمنا. ومع غياب كلّ الأعذار نجد الكاتب
متلعثماً يُعجم في القول أكثر مما يُفصح.
وسأذكر ها هُنا العديد من الأسماء الكبيرة المهمة في عالمنا العربي التي شاهدتها
مؤخراً على الشاشة الفضية في التلفاز أو الشاشة السماوية-لون السماء في يوم ربيع
مشمس- في اليوتيوب، وسأذكر لك أيضاً أسماء العديد من الشخصيات التي ينطبق حديثها
على ما في كتبها. وسأبدأ من هؤلاء أولاً، وذلك لمزيد من إيضاح الفكرة التي أحاول
شرح تفاصيلها.
استمع مثلاً إلى حديث الدكتور نصر حامد أبو زيد -رحمه الله- ستجد في حديثه علماً
غزيراً وفكراً ثاقباً، ستجده متزناً، يحمِّل كلامه الكثير من الأناقة والظرف
والمعرفة، وهذا هو المنطق السليم. واستمع إلى الروائي السوداني الطيب صالح ستجده
يتحدث حديثاً شيقاً يُطابق ما كتبه في آثاره الأدبية الخالدة. لا تمل من حديثه
العذب كأنه ماء فرات. واستمع أيضاً إلى الباحثة المصرية الدكتورة هالة أحمد فؤاد
ستجد في كلامها ثقافة رفيعة في تعابير حيَّة من السهل الممتنع. أنت أمام عالمة من
الطراز الرفيع في فلسفة التصوف الإسلامي بكل تأكيد. ولو ذهبت في الاستماع إلى
الباحث اللغوي الفلسطيني عارف حجاوي ستجد لساناً زلقاً في إيضاح الفكرة التي يحملها
على ظهر اللغة العربية الأنيقة وكأن الجاحظ في عصرنا. أو اذهب إلى المغرب العربي
واستمع إلى التشكيلي والروائي ماحي بنبين بالفرنسية والمغربية الدارجة ستجد عنده
الكثير من الوضوح. وفي العراق تجد المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان صاحب أكثر من
ستين كتاباً، له لغة متقنة عميقة هادئة، فيها الكثير من النقد لواقعنا، وتجده
مؤلفاً مرموقاً وخاصة في كتابه المهم" الحبر الأسود الحبر الأحمر - من ماركس إلى
الماركسية". أما لو استمعت إلى بعض الأحاديث الباقية ما تزال والمسجلة التي تركها
طه حسين ستدرك أنك في حضرة عالم جليل. والأمثلة كثيرة في هذا الباب المفتوح في
وسائل الإعلام.
تعال معي نذهب الآن إلى الطرف الآخر من الكتَّاب والباحثين والمفكرين، وأنا أحترمهم
على كل حال وأُجلهم. وكلامي هنا لا يعدو أن يكون على هامش متن نصوصهم. وأبدأ مع
الباحث المصري الدكتور سيد القمني صاحب العديد من الكتب المؤلفة والأحاديث المتلفزة
حيث له في كل عرس قرص، وكثيراً ما تخرج معه من المولد بلا حمص. وقد أثار جدلاً
واسعاً من خلال أحاديثه الكثيرة المتلفزة، استمع إليه بهدوء وروية، ستلاحظ مباشرة
ضحالة فكرية لا يمكنك السكوت عنها، عقله لا يستطيع الوصول بالفكرة المطروحة إلى
غايتها فتراه يشرِّق ويغرِّب في الحديث ولا تستطيع ضبط هذا الإيقاع النشاز، جعجعة
رحى في طاحونة لا طحين فيها. واذهب الآن إلى الباحث السوري فراس السواح صاحب
المؤلفات المشهورة في طول الوطن العربي وعرضه، والتي بلغ عدد طبعات أحدها "مغامرة
العقل الأولى" أكثر من ثلاثين طبعة إلى الآن حسب ما يقول فراس السواح، استمع إليه
ستشعر بالإحباط فوراً، هل هذا صاحب تلك المؤلفات، تعابير ركيكة، فجَّة، فظَّة،
متعالية، فيها الكثير من قلّة الذوق والكثير من "جهل المتعلم" والجاهل المتعلم غير
الجاهل الأمي ضرر الأول أشد وقعاً على الخلق. وهذه الظاهرة تحدث عنه الباحث العراقي
الجليل هادي العلوي في الكثير من مؤلفاته. لأن جهل المتعلم مصيبة تقع على المجتمع
برمته وتزيد رمته رميماً. حين اصغيت إلى فراس السواح في حديث طويل مع قناة تلفاز
مصرية شعرت بالخجل من نفسي، وانتقلت إلى قناة تلفزية أخرى، وأنا أتحسر على تلك
الأيام التي أمضيتها في قراءة مؤلفاته. حدث الأمر ذاته حين استمعت إلى حديث مباشر
مع الشاعر السوري أدونيس صاحب السمعة العالمية كشاعر ولكنه في الفكر تجد عنده ألف
عثرة وعثرة، ما هذا؟ والباحث الإسلامي السوري المهندس محمد شحرور-رحمه الله- لا
يُحسن "هندسة" حديثه هو الآخر، يُشرق تارة ويغرِّب تارة أخرى، فتجد في حديثه الكثير
من الزيوان والقش والقليل من الحَبِّ. وتجد في كلامه الكثير من الشطح الشخصي
والقليل من المعرفة العلمية. وإلى الدكتور برهان غليون الذي تعجب من كلامه الذي لا
يمت إلى مؤلفاته بصلة، عن جد استمع إلى حديثه جيداً فتجده يحكي وكأنه بائع خضار في
بازارات مدينة إزمير حيث أقيم مع أسرتي بعد أن شردتنا الحرب عن ديارنا. الدكتور
برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في السوربون. ما تفسير هذه الظاهرة إن كانت
ملاحظتي صحيحة، ولماذا لا ينطبق علمهم المدون في كتبهم على حديثهم المباشر في
التلفاز؟ آمل من كل قلبي أن تكون ملاحظتي هذه خاطئة، فأنا لا أستسيغ أن أكون في
الاتجاه المعاكس.
تُصادف هذه الظاهرة أيضاً عند رؤساء الدول وملوكها، وقد يكون الأمر هنا هيناً ليناً
مبرراً، لأن رئيس الدولة او الملك أو الأمير أو السلطان ليس من شروط جلوسه في القصر
الرئاسي أو على العرش أن يكون فهيماً ومفوَّهاً في الحديث ومفهوماً لدى الرعيَّة.
وسنكتشف ذلك في أول خطاب متلفز له. فالكثير من هؤلاء يقرأ نصَّ الخطاب من ورق مكتوب
ويكتفى بذلك، وهذا من حسناته القليلة، يعرف حده فيقف عنده. والبعض منهم لديه مقدرة
جيدة في ارتجال خطاباته والبعض الآخر يخطب ارتجالاً فيظهر من الحماقة الشيء الكثير
ولعل العقيد الليبي معمر القذافي من أشهرهم.
آمل في حديثي هذا ألا يُحسب كلامي هذا باباً من أبواب التشهير بهؤلاء الأفاضل الذين
ذكرتهم، فقد كان قصدي توضيح فكرة انطباق المُنتج الفكري على صاحبه. وعن سبب غياب
الثقافة الفكرية التي يجب أن تظهر في حديثهم ولا تظهر، وبدلاً منها يظهر الجهل
الفاضح. ألا يستمعون إلى أنفسهم يا ترى؟ فقد بحث شنٌ طويلاً عن طبَقَة حتى وجدها،
فاقترن بها، وضُرب المثل في ذلك، ثمَّ عاشا في ثبات ونبات وخلَّفا الكثير من
الصبيان والبنات. ولله في خلقة شؤون. ونحن في بلاد الشام نكتب الهمزة على الواو في
شؤون وفي مصر والخليج يكتبون همزة شئون على الياء أو نبرة ولكل منَّا حجته. والحجة
في العربية معروفة. والسلام ختام.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |