اليسار هو العدو الأخير للشيوعية
 

 

في العام 1922 كتب لينين في كتابة "الضريبة العينية" يقول ...
we must expose the error of those who fail to see the petty-bourgeois economic conditions and the petty-bourgeois element as the principal enemy of socialism in our country
"يجب فضح أخطاء أولئك الذين فشلوا في إدراك أثر البورجوازية الوضيعة في الإقتصاد وأن شريحة البورجوازية الوضيعة هي العدو الرئيسي للإشتراكية في بلادنا" .

ليس هناك في المجتمع من لا ينتمي إلى طبقة إجتماعية بعينها سوى البورجوازية الوضيعة فهي لا تنتج بل تخدم الإنتاج دون أن تمتلك عصبة توحدها ولذلك تبقى أشتاتاً متفرقة لا يجمعها جامع ولا تمتلك اهدافاً سياسية واحدة وتفشل في بناء حزب يمثل مختلف الأشتات.

البورجوازية الوضيعة هي مفرخة اليسار، يرث منها كل مساوئها وخاصة ما أشارإليه ماركس في البيان الشيوعي (they are reactionary for they try to roll back the wheel of history) أي أنهم رجعيون لأنهم يحاولون إدارة عجلة التاريخ إلى الخلف
أول مقتضيات دعوى اليساروية هو إغفال أصولها الطبقية وهو ما يستجر بالضرورة إنتفاء الصراع الطبقي لينتهي بعدمية الدعوى، ومن هنا قيل بـ "اليسار الألكتروني" أي أن عصبته هي التواصل الإجتماعي وليس الإنتماء الطبقي . ومع ذلك يملأ اليساريون فضاء العالم زعيقاً ينادون بالتغيير !! لكن تغيير ماذا، وتغييره إلى ماذا ؟ فذلك لا يتعيّن بغير استخدام الصراع الطبقي وهو مغفل في العصابة الألكترونية خليك عن أن الإنتماء الطبقي هو مغفل أصلاً في دعوى اليساروية غير الألكترونية طالما أن البورجوازية الوضيعة وهي التربة الخصبة التي تنبت فيها اليساروية . ة.

أهم قضايا العصر هي أن ما يسمى بـ "اليسار" يملأ الفضاء السياسي الدولي زعيقاً داعياً للتغيير الإجتماعي دون أن يحدد جنس التغيير المقصود !! . مثل هذه القضية الطارئة في الفكر السياسي تقتضي بالضرورة تقصّي أصولها وشروط وجودها ومدى جدية دعواها.

نظراً للأهمية الفائقة لهذه القضية التي تشكل عقبة كأداء على طريق التطور الإجتماعي كنت كتبت خلال ما تقدم من القرن الحادي والعشرون أكثر من عشرين مقالة تبحث في أصول اليسار ودعواه المثالية التي لا تمت للواقع بصلة بغير كونه عقبة كأداء على طريق الثورة الإشتراكية.

ليس بلا سبب أن توسعت الحركة المسماة باليسار بصورة متعاظمة في العقود الثلاثة الأخيرة مع أنها من تأسيس "المرتد كاوتسكي" نقيضاً للبلشفية في صدر القرن العشرين . الأحزاب الشيوعية التي ظلت موالية للحزب الشيوعي السوفياتي رغم انحرافاته الخطيرة في الخمسينيات، لا بل خيانته للثورة، فوجئت بانهيار الاتحاد السوفياتي في العام 91 وهو ما أكد لها فشل خطها السياسي الذي كانت تظنه خطاً شيوعياً ودعاها للتغيير فذهبت إلى خط جديد مختلف أسمته اليسار . يسار ماذا !؟ اليساريون لا يعلنون ذلك حيث الهوية المفتوحة تجلب المزيد من أدعيائها الأفّاقين ؛ لكنهم حين يضيق الخناق عليهم ينسبون يساريتهم للماركسية والماركسية براء منهم حيث هي نظرية علمية وفي القوانين العلمية ينتفي اليسار واليمين كلاهما. ينسبون يسارهم زوراً للماركسية بينما استراتيجتهم المعلنة المتمثلة بالديموقراطية (البورجوازية) والعدالة الإجتماعية تنتسب للنظام الرأسمالي وهو ما أكده طوني بلير القائد السابق لحزب العمال البريطاني إذ قال أن يساريتنا تتحقق بالرأسمالية "الحديثة" حسب وصفه. بلير لم يقل هذا إلا بعد الإجتماع الشهير الذي عقده قادة الدول الرأسمالية الأربعة الكبرى في لندن وراء أبواب مغلفة لثلاثة أيام من نهاية الألفية الثانية وتصادف أن كان أربعتهم يساريين، الرئيس الأميركي كلنتون ورئيس وزراء بريظانيا بلير ورئيس وزراء فرنسا جوسبان ومشتشار ألمانيا شرويدر، وقد تحققوا من تهالك النظام الرأسمالي فتوافقوا على استنباط "الطريق الثالث" لا رأسمالي ولا اشتراكي وفشلوا في مسعاهم – لعل هذا يكون عبرة ليساريي الأحزاب الشيوعية "سابقاً" وهم ليسوا في كل الأحوال بمستوى يسار قادة الدول الرأسمالية الكبرى.

وهكذا فإن اليسار يالإجمال هو الأحزاب الشيوعية التي واجهت الإفلاس في العام 91. الأحزاب الشيوعية في العراق وفي لبنان وفي مصر وفي السودان لا تعمل بغير البحث عن قوى اليسار المفترضة وتوحيدها في كتلة واحدة لا عصبة فيها سوى امتلاك وسيلة التخاطب الألكتروني لدى مجموعة (Eleft) قصراً.

طبعاً ما كانت هذه الأحزاب لتذهب في مذهب جديد تسميه اليسار إلا لأنها فوجئت بانهيار الاتحاد السوفياتي في العام 91 وباتت على ثقة بأنها كانت مضللة وأن مشروع لينين في الثورة الإشتراكية العالمية 1917 ليس هو الثورة الإشتراكية الحقيقية الناجزة التي استشرفها ماركس وإنجلز في بيانهما الشيوعي في العام 1848 كما باتت مقتنعة وفق ضلالتها.

ليسمح لنا هؤلاء اليساريون الطارئون أن نفترض دون مجانبة للمنطق أن الشيوعيين المضللين فيما قبل العام 91 هم أنفسهم اليساريون المضللون فيما بعد العام 91، دون ادعاء أي مبرر لافتراض العكس!؟

شيوعيو النصف الثاني من القرن العشرين لم يكونوا شيوعيين على الإطلاق بل الأحرى أن كانوا أعداء للشيوعية. الإتحاد السوفياتي انقلب على الشيوعية في العام 1953 إذ قام أبرز ثلاثة في المكتب السياسي للحزب وهم مالنكوف وبيريا وخروشتشوف باغتيال ستالين بالسم في مارس 53 وفي سبتمبر من نفس العام قررت اللجنة المركزية للحزب قراراً من خارج صلاحياتها قضى بإلغاء مقررات المؤتمر العام التاسع عشر للحزب من أجل الإنصراف إلى التسلح كما أفاد القرار وهي السياسة التي ما زالت قائمة حتى اليوم حيث هي السياسة المناقضة للإشتراكية، وفي يونيو 57 جرى انقلاب عسكري انتهى إلى طرد أعضاء المكتب السياسي من الحزب، وفي العام 61 قرر مؤتمر الحزب الثاني والعشرون إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بما سمي "دولة الشعب كله" وهو الدمغة الفاقعة الرافضة للإشتراكية حسب الدلالة الماركسية القاطعة. شيوعيو ستينيات القرن الماضي وما بعد ليسوا شيوعيين على الإطلاق. إنقلبوا دون وعي منهم إلى أعداء للشيوعية كما هم يساريو العصر.

مشروع لينين في الثورة الإشتراكية الدائمة الذي تفجّر بانتفاضة أكتوبر 1917 ثبت بالوقائع أنه الثورة الإشتراكية الدائمة التي استشرفها ماركس وإنجلز والعصية على الإلغاء أو الإبطال مهما كانت القوى المعادية . قراءة التاريخ كما هو منذ العام 53 وحتى اليوم تؤكد مثل هذه الحقيقة التي لا يعتورها أدنى اشتباه . تكفي الإشارة هنا إلى انعدام تواجد نظام إنتاج مستقر وثابت في أيٍ من بلدان العالم، لا في الصين ولا في الولايات المتحدة وهما عمودا "النظام" الدولي القائم. ثورة أكتوبر البلشفية نقلت العالم إلى مسار جديد هو مسار الإشتراكية وليس من مسار آخر متاحًاً سوى الفوضى الماثلة اليوم هرباً من استحقاق الإشتراكية .

في العام 1952 لدى انعقاد المؤتمر العام التاسع عشر للحزب بعد غياب الحزب أربعة عشر عاماً ليقرر الخطة الخمسية الخامسة التي كانت ستحول الإتجاد السوفياتي من دولة حرب تفوقت على ألمانيا النازية بقواها الحربية، وتعود به إلى دولة مدنية اشتراكية وتجعل من الإتحاد السوفياتي في العام 55 أغنى دولة في الأرض؛ في تلك الأثناء لم تكن إمتيازات مشروع لينين في الثورة الإشتراكية العالمية موضع تساؤل فكان حتى ونستون تشيرتشل أن بشّر ستالين في مؤتمر يالطا 1945 بأن شعوب بريطانيا تقديراً منها للنظام السوفياتي ستنتخب حزب العمال اليساري ضد حزب المحافظين بقيادة تشيرتشل، وبدا أن الخبر لم يعجب ستالين لعلمه المسبق أن الرجل الثاني في حزب العمال وهو ارنست بيفن (Ernest Bvin) كان عميلاً مأجوراً لمكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي وأن حزب العمال اليساري بات على يمين تشيرتشل وحزب المحافظين فما كان من الرئيس روزفلت إلا أن تساءل غامزا: "لماذا لا يعجبك ذلك يا رفيق ستالين!؟

تكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث تحولت في الحرب العالمية الثانية إلى دول حرب بقدر استطاعتها لكن مجموع قواها الحربية لم تعادل ربع قوى دولة الحرب التي تحول إليها الإتحاد السوفياتي ولذلك كان له الفضل الكبير في حماية الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث من النازية الهتلرية والكميكازية اليابانية.

الأفكار السقيمة التي تشكلت منها "إيديولوجيا" اليسار بمختلف أطيافه إن هي إلا تلك الأكاذيب الواردة في خطاب خروشتشوف السري سيء الذكر المنسوب زوراً لأعمال المؤتمر العشرين في العام 56 للحزب الذي ادعى أن الدولة السوفياتية لم تكن اشتراكية بقيادة ستالين ولم تكن ديموقراطية، بل دولة بناها بالحديد والنار مجرم طاغية ودكتاتور دموي هو ستالين.

2
ما لم يعلمه الشيوعيون عن الخطاب السري لخروشتشوف هو أن الخطاب وصف بالسري لأن الحزب لم يكن يعلم به ولذلك لم يكن من أعمال المؤتمر العشرين للحزب كما اعتقد العامة وأن الخطاب لم يكن من بنات أفكار الغبي خروشتشوف بل كتبه العسكر وهم الذين رسموا خروشتشوف أمينا عاماً للحزب بعد أن آلت كل السلطة للجيش حال اغتيال ستالين، وأمروه أن يلقي الخطاب في مؤتمر الحزب العشرين كي يضفي عليه شيئاً من الصدقية. لكن خروشتشوف رأى أن الخطاب لن يحظى بموافقة المكتب السياسي ولن يستطيع قراءته في المؤتمر تبعاً لذلك، فكان أن احتفظ به سرّاً وتحايل على قيادة المؤتمر وطلب اجتماعا خاصاً بعد انتهاء المؤتمر وألقى خطابه الخياني دون علم رفاقه في المكتب السياسي الذين تخاذلوا ولم يعلنوا شجبهم للخطاب مباشرة مما أكسبه شرعية لدى الأحزاب خارج الإتحاد السوفياتي ولدى القوى الرجعية داخله وخاصة كوادر الجيش الأحمر. الحزب السوفياتي عارض الخطاب مما اضطر خروشتشوف لأن يعين لجنة متخصصة تحقق في الجرائم المزعومة لستالين ولما لم تجد اللجنة حتى مخالفة هامشية واحدة طيلة قيادة ستالين للإتخاد السوفياتي طيلة 30 عاماً (1922 – 1953) اضطر خروشتشوف لأن يتراجع عن خطابه الخياني ويفتتح المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرون للحزب في العام 59 مؤكداً بالنص .."استطاع حزبنا بقيادة ستالين لفترة طويلة أن يتغلب على سائر الأعداء ويبني لنا دولة اشتراكية عظمى نعتز بها".

تراجع خروشتشوف عن خطابه السري الخياني غير أن القيادات الشيوعية خارج الاتحاد السوفياتي لم تتراجع حيث كانت قد هللت ورحبت بالزعيم الإستثنائي خروشتشوف ونشرت بحمية مصطنعة تلك الأفكار الخيانية بين كوادرها ؛ وليس غريبا أن معظم الأحزاب "الشيوعية" القائمة اليوم ما زالت تتبنى نفس خطاب خروشتشوف الخياني واليسار يتمثل بهذه الأحزاب الخؤونة.

الشيوعيون الذين اجتروا الأفكار الخيانية في خطاب خروشتشوف منذ العام 56 هم إياهم الذين انقلبوا إلى يساريين بعد انهيار الإتحاد السوفياتي دون أن يتنازلوا عن الأفكار الخيانية التي أخذوها عن خطاب خروشتشوف الخياني – يقتضينا حسن قراءة التاريخ كما هو أن نشير هنا في هذا المقام تحديدا إلى أن الجيش قام بانقلاب عسكري ضد خروشتشوف في أكتوير 64 بعد أن أخذ خروشتشوف يبعث من جديد شبح ستالين ونهجه اللينيني. ففي الأرشيف السوفياتي في العام 64 خروشتشوف يخاطب زملاءه أعضاء المكتب السياسي وبريجنيف أحدهم بالنص: "خراء ستالين أفضل منكم".

يساريو اليوم هم في الغالب الأعم شيوعيو النصف الثاني من القرن العشرين الذين إعتادوا على اجترار أكاذيب خروشتشوف الخيانية لنصف قرن طويل. صدمهم انهيار الإتحاد السوفياتي لكن ذلك لم يكن كافياً ليطهرهم من الخيانة التي انطوت عليها أكاذيب الخطاب السري لخروتشوف.
لقد فضح البروفيسور الأميركي غروفر فر (Grover Furr) في كتابه بالغ الأهمية "كذب خروشتشوف" (Khrushchev Lied) المستند إلى الأرشيف السوفياتي، فضح أكاذيب خروشتشوف الزائفة الوقحة في خطابه السري إلا أن اليساريين لا يصدقون إلا أنفسهم مثلهم مثل الذين يعانون من الشيزوفرينيا.

نحن البلاشفة الجدد، وقد علّمنا ماركس قراءة التاريخ كما هو، نستطيع أن نؤكد أن الثورة الإشتراكية البلشفية بقيادة لينين وستالين قد نقلت العالم إلى مسار جديد لا يمت بأدنى صلة للعالم القديم، مسار لا رجعة عنه. ليس إلا الحمقى هم من ما زالوا يعتقدون بإمكانية العودة للنظام الرأسمالي؛ ثمة حقائق كثيرة مختلفة تحول دون ذلك وأولها عشرات الترليونات من الدولارات المكشوفة الزائفة التي تطبعها الإدارة الأميركية كل سنة، تحول وحدها دون ذلك.

نحن حين نستقصي أصول "اليساروية" نتحقق من أنها في الأصل بدعة من بدع أشتات البورجوازية الوضيعة المتخصصة بالبدع في محاربة الشيوعية حيث أنها لا تمتلك أية أدوات تمكنها من الدفاع عن الذات طالما أنها لا تنتج. لذات السبب كتب العسكر خطاب خروشتشوف الخياتي المنقول في "إيديولوجية" اليسار. زيف هذه الإيديولوجيا يتمثل بأنها لا تبدأ مما هو معلوم ولا تنتهي إلى ما هو معلوم. يدعو اليساريون للتغيير لكن تغيير ماذا وإلى ماذا فهم قلّما يعلنون وحين يضيق الخناق عليهم يدعون بأنهم سيغيرون النظام الرأسمالي إلى النظام الإشتراكي.

نحن نعفيهم من إثبات أن النظام الرأسمالي ما زال قائماً يعمل بالرغم من أن الدولار المكشوف يغطي كل نقود العالم وهذا وحده كافٍ لدحض كل دعوى رأسمالية، لكننا بالمقابل لا نستطيع أن نسكت على دعواهم بالإشتراكية . فالإشتراكية ليست نظاما إجتماعياً مستقراً قابلاً للحياة كما يسيئون الظن ويؤكدون التحول إليه. الإشتراكية السوفياتية هي من إبداع لينين حيث ماركس وإنجلز كلاهما أكدا عدم معرفتهما بأي شرط من شروط الإشتراكية. كل ما قاله ماركس بخصوص الإشتراكية هو أن الإشتراكية مرحلة تفصل بين التظام الرأسمالي والحياة الشيوعية تقوم خلالها دولة دكتاتوربة البروليتاريا حصراً بإنجاز كامل الإعدادات للإنتقال إلى الحياة الشيوعية، ويعود تعيين شروط الإشتراكية للقوى الإشتراكية في البلد المعني. وبالقياس فالإشتراكية سيبنيها وينتقل إليها اليساريون ستكون من إبداع يساري عيقري تتحاوز عبقريته عبقرية لينين. راهن اليساريون في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي على تروتسكي يبني لهم اشتراكية غير لينينية ولعلهم اليوم بانتظار تروتسكي آخر.

الشرط الأوّلي الذي سيسمح بمناقشة جدية لإيديولوجيا اليسار هو تحديد جنس الإشتراكية التي يدعون التغيير إليها. هل هي من جنس الإشتراكية السوفياتية – والتخلي عنها هو سبب وجودهم – أم اشتراكية جمهورية فيمار في ألمانيا التي حاربت ثورة الشيوعيين الألمان وسلمت ألمانيا بالتالي للنازية الهتلرية، أم الإشتراكية الفرنسية التي قادت العدوان الثلاثي على مصر في العام 56، أم هي اشتراكية يساروية مختلفة غير معلومة الجنس ويُبتّ في جنسها حين الوصول إليها من جنس اشتراكية البعث في المقابر الجماعية!؟ يفوت هؤلاء اليسارويين المزعومين أن النظام الإجتماعي لا يكون إلا على صورة من يأتي به والإشتراكية لا يأتي بها سوى العمال حسب ماركس "يا عمال العالم اتحدوا!!" الإشتراكية السوفياتية لم يأتِ بها ماركس. أما اليساريون فهم لا ينتمون لطبقة معينة بل هم أصلاً من أشتات البورجوازية الوضيعة المختلفة والرجعية دائماً وأبداً كما دمغها ماركس في البيان الشيوعي وأعاد نفس الدمغة لينين في كتابه "الضريبة العينية". الإنتلجنسيا على الإستعداد دائماً لأن تخوض أشرس المعارك الدموية دفاعاً عن امتهانها التثاقف.

الإشتراكية العلمية التي حددها ماركس هي الفنرة القصيرة نسبيا التي تأخذ على عاتقها دولة دكتاتورية البروليتاريا حصراً الإعداد للإنتقال إلى الحياة الشيوعية. إنجاز مثل هذه المهمة الخطيرة والصعبة يقتضي أول ما يقتضي الإنكار التام لأية علاقات ثايتة ومستقرة للإنتاج؛ يل إن دولة دكتاتورية البروليتاريا تقوم أصلاً على إنكار مختلف الحقوق لمختلف أفراد المجتمع ومن ضمنهم البروليتاريا التي لا تعود مأجورة وتنفي نفسها بنفسها بالتالي.

التحدي الأكبر أمام هؤلاء اليسارويين أكانوا ألكترونيين أم غير ألكترونيين ليس هو إثبات أن التظام الرأسمالي ما زال يعمل في العالم كي يتطوعوا لتغييره، بل هو تحديد جنس النظام الذي يرومون التغيير إليه؟

هل هو رأسمالية "محدثة" كما أعلن زعيم اليسار في بريطانيا طوني بلير أم هو عدالة إجتماعية كما تعلن الأحزاب الشيوعية التي لم تعد شيوعية بل يسارية، أم اشتراكية كما يعلن نقيب اليساريين رزكار عقراوي، اشتراكية ليست كالإشتراكية السوفياتية التي لم يتأسف على شبابها اليسراويون. هل هي صنو الإشتراكية البعثية التي تكفلت بالمقابر الجماعية في العراق وسوريا، أم مثل اشتراكية بول فوت التي لم تدفن موتاتها خلافاً لاشتراكية البعث أم اشتراكية الصين وهي العمود الرئيس للفوضى العارمة التي تستبد بالنظام العالمي هرباً من استحقاق الإشتراكية!؟

عفونا اليساريين من إثبات أن النظام الرأسمالي ما زال يعمل، ولنعفهم أيضاً من تحديد جنس اشتراكيتهم طالما أن مجرد فكرة الإشتراكية لم تعد ترنّ في فضاء العالم، أما وأن عالم اليوم يقاسي بشدة من سطوة الدولار الأمريكي المكشوف؛ وحتى الصين التي تنتج ضعف ما تنتج الولايات المتحدة من البضائع إلا أنها ملزمة بالحفاظ على سعر صرف الدولار لأن كل الفائض من إنتاجها لا يستبدل إلا بالدولار. دول البريكس الخمسة (BRICS) عبثاً تحاول تشكيل عالم متعدد الأقطاب طالما أن إنتاجها لا يستبدل إلا بالدولار.

لم ينجح اليسار في اثبات أن النظام الرأسمالي ما زال يعمل، ولن ينجح في تحديد جنس الإشتراكية التي يرنو للإنتقال إليها، فهل يستطيع بعد كل هذا رسم طريق تؤدي إلى تحرير العالم من عسف الدولار المكشوف الزائف كيما يستدعي في نهاية المطاف شيئاً من الإعتبار!!؟
لن يجرؤ اليساريون على فعل ذلك !!!