غصون مشذبة

 ماجد ع. محمد :: الكاتب اليساري 


ماجد ع. محمد | سورية



(1)

 الموت الاعتيادي لامرئٍ مكروهٍ إلى حد السحقِ المعنوي من قِبل كائنٍ آخر، لهُ حُرقة بطعمٍ خاص، والحُرقة المضاعفة لم تكن بسبب الحزن العميق على الرحِل، إنما أتت من ضخامة الأسف على أن مُبغِضهُ لم يكن فاعلاً حقيقياً في عملية ترحيله المبرم.

(2)

إذا كان الغياب الأبدي لأمرئٍ كان في يومٍ ما بمثابة عثرة وجودية لك قبل سفرته العدمية، غير قادر على نسيانك مجريات منغّصة لك حين تتذكر مثوله الفيزيقي أمامك، ولا يحثك رحيله السرمدي على جذبك نحو ملاعب العفوِ، فيما يخص ماضيه الخانق لماضيك، فهذا يدل على أن إمكانية تغيير مرتكزات بنيانك المطمورِ بمحتقنات الأزمنة والأحقاب السابقة من تاريخك الشخصي غدا من شبه المستحيلات.

(3)

ليس الغباءُ في رغبة الإنسان بألاَّ يكون يوماً من سكان الجحيم، إنما الحُمقُ المزدوج في جعل الحياة الواقعية المعاشة والمؤكدة جحيماً لقاء فلاحٍ غير منظور، من دون أيَّة ضمانات أو تأكيدات علمية بأن الذي أحال عيشه إلى زقومٍ حقيقي سيفوز بالفردوس المفترض الذي يتمنى قضاء عمره المتبقي في أرجائه.

(4)

في وداع أي غائبٍ أبديٍّ، لا يستدعي الأمر إعلان العفوِ، أو إصدار بيان السماحة على الملأ، إنما يكفي أن يكون المعنيُّ بالغفران بعد إذن الربِ، متحملاً بكل ممنونية تبعات حضور وغياب المغادِر، وهل ثمة سماح أشرقُ من ثغر المتخلي عن كل ما بدر بحقه سابقاً مِن قِبل المُغادِر، المغادِر الذي كان حتى الأمسِ القريب حضوره ووقعه أشبه بنصالٍ على بدن المعني بالسماح، وثقلاً لم يك خفيفاً على ذاكرة الحاضر، وذلك إمعاناً في الغفرانِ حتى يبلغ المغادِر كعادة كل النرجسيين المغادرين كامل نشوته على حساب راحة ماكثٍ ارتضى تطهير ذاته والعالم من الآثار السلبية للراحِل.

(5)

التأكيدُ وبتباهٍ ملحوظ على اعتبار أن الصيرورة الحياتية الماضية للشخص الناجح تتأتى من كليته العصامية، فيه شيء غير يسير من الحذف والاجتزاء من سياق مراحل معينة من حياته، والإصرار من قبل الداعي بأنه ما من بترِ أو قطعٍ من حلقات مسيرته، يعني بأن المعنيُ بالتصريحِ متجاوز حدود المنطقية فيما يبوح، بما أن الطبيعة البشرية تفرض رعاية خارجية للكائن الإنساني في مراحل معينة من حياته، ولئلا نستهدف كليته، نقول لديه شيءٌ من الجحود الصلف، ونفحة واضحة من نكران الجميل، وإلاّ فمع إصراره على التبجُّحِ بعصاميته المؤبدة، فلا بد أن نكون أمام نسخة من (p k)* القادم من العالم الآخر وهو في أتم كماله الجسماني، و(بى كي) على كل حال لم يكن موجوداً إلاَّ في رغباتِ وشوق كاتب قصة الفيلم الذي كان الخيال هو الخميرة الحقيقية فيه.

(6)

بعد أن قرأ مسار حياة البعض من أقرانه في المنافي، ومن باب نقد الآخر عِبر جلد الذات قال: أخدع أغاني الحنين المؤلفة في ربوع المغتربات، هي من تأليف أناسٍ هجروا عن سبق الإصرار والترصد، وراحوا عن بُعد ينسجون تراتيل الفُرْقَة التي يتقطر منها بدل شهد الحنين الصادق بعض ملامح التكلُّف.

(7)

أن تصرخ بأعلى صوتك ليل نهار حرقةً على نهب ممتلكاتك، قد لا تجد مع كل محاولاتك مَن يصله عويلك أو يهتم به في زحمة الأصوات، بينما إذا امتلكت الأداة والوسيلة فستتكفلان بنقل صوتك عالياً مهما كان منخفضاً.

(8)

الامتداد في الأرجاء جشعاً لا تأكيد على أنه سيُفضي إلى مآل مضمون، وتوسيع الدائرة لا يعني بالضرورة القدرة على ملئ كل فراغاتها بما يلزم من الأبنية والفعاليات المرجوة لأصحاب المباني، أو حتى ملئ المساحات بالأغطية الخضراء حرصاً على سلامة مشغلي الأديم بتنقلاتهم ذهاباً وإيابا، فتوسيع الدائرة إن كان جشعاً جلب أسباب المتاعب أكثر من التمتع بالنعمة المرجوة من جلب المنعشات من أطرافها المترامية، وياما أدى التطرف في شَره الاستحواذ على المضارب إلى تمزيق أوصال ذلك البطن المشدود من فيض الطمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فيلم هندي يتناول التساؤلات الجوهرية للأديان، وهو من إخراج وإنتاج راجكومار هيراني، وبطولة الممثل عامر خان.