|
استهلال: مِن بعض الغرائب في حياته، أن تلك الأنثى التي كان ذكور الحارة
كالقطعان المطيعة التي تتبع الراعي وهم بكل شوقٍ يزحفون نحوها، لم تكن بالنسبة له
أكثر من كابوسٍ ودّ مراراً التخلص من ثقلها على أنفاسه.
(1)
عندما يُهرق في الطريق إليكِ كلاماً يدعو البعيدَ إلى العُجبِ، والقريب إلى
الانبهار، ويسوق المستمع من رقة الترنيم البوحي إلى هاوية الإنطراب، ويُغرق الناظرَ
من حلاوة البهرجِ في قاع الثمالة، ويمد أمامك قبيل الوطء أبهى نمارق الوداد، بينما
يصدر عنه عقب الإنتهاء من عملية الإندماج المؤقت نظراتَ قادمة من جوف الاشمئزاز،
كحالِ مَن ينظر ملياً إلى بقايا جيفةٍ في وادي النفوق، اعلمي حينها بأنه بهيمٌ
غريزيٌّ صرف، إلاّ أن الحاجة البيولوجية دعته إلى التودُّد إليكِ، والدنو منكِ،
والاقتراب من مناخ الوداعة والأنسِ بُرهةً، وبعد أن ينال المرادَ يعود كدكتاتورٍ
مظفّر إلى سابق عنجهيته.
(2)
من علامات الخِسة لدى بعض الذكور في إطار العمل اليومي أو مجالات الفنون والكتابة
والإبداع؛ التطوع سراً وعلى أحر من الجمر لمؤازرة أو تصويب أي عثرة عملية أو فنية
أو كتابية تعترض سبيل الأنثى، في الوقت الذي تراهُ يتفاخر علناً باكتشاف العثرات
لدى أقرانه من معشر الرجال، وذلك مِن باب الطعن والاستخفاف بهم؛ ومن ثم التصفيق
للحسناء لمجرد حضورها كجسد ماثل أو غائب، هذا قبل التعامل معها كإنسانة صاحبة رأيٍّ
مخالف أو فكرٍ معارض أو موقفٍ مناهض لتصورات المحتفي، كأي فردٍ من معشر الذكور، فمن
غير جزمٍ يُتوقع حيال الأمر بأن تقريظ الذّكر وتلويحه لها لا يأتي إلاَّ من كوة
التودُّد المفضي إلى النيل لا أكثر.
(3)
في لحظة الصراحة القصوى مع الذاتِ شوِهدَ وهو يخاطب مرآته قائلاً:
أنا أعرف أنك لا تحبها
ولا تميل للاستمرار معها
ولا تفكر بمصادقتها طويلاً
ولا تفكر بالانضمام إلي خُلجاتها
ولا تنوي المكوث في عينيها حتى أوان السُكر
لا، ولا يحلو لك الاقتران بعالمها
لكنها الغريزة أعرفها
هي التي تجرفك كل حين إليها.
(4)
أذكر بأني في مادة تحت عنوان "شيء عن الحب ومثالب أهله" ذكرتُ بأن البعل الذي ينطلق
نحو المرأة بوجه عام من قاعدة إيروتيكية ثابتة هو ليس برجل إنما هو حيوانٌ جنسي
معدَّل، أما كيف تم تعديله فهذا يقع على عاتق فهمكم لهكذا نماذج إنسحيوانية، لئن
حتى الحيوانات لديها فترات طويلة لاستراحة الفحولة الجسدية، أما هو فكل فراغات
الكون يبغي أن يملأها بهوسه الفاجر، إنه وارث لطباع بعض مَن فارقونا بمئات السنين،
ولم ينفصل بعدُ عن أسلافه الأوائل، الذين كانوا جزءً من العالم البهيمي فيما يتعلق
بمسائل الاتصال الفيزيقي قبل تمدن القطيع البشري، كائن نستطيع القول بأن له أسبقية
الإضافة في العصر الحديث، بما أنه استطاع وبجدارة أن يضيف إلى عالم الحيوان شبقه
الإنساني.
(5)
لن ترى من يُصغي إلى ترنيمتك المحاكية لنغمات سواك، طالما أن هناك المئات مثلك
تماماً يعزفون ذات الألحان التي مل الناس من سماعها، ولن يكون لصهيلك صدىً يثير
الانتباه أو يخلب العقول، طالما كنتَ كما السائبة مُساقاً من قِبل حوذي الغريزة،
كما تُساق البهائمُ محمحمةً مِن وقع جماح الحاجة، حيث يشدها الجوع صوب قثاء الحقول.
(6)
ماذا لو أرسلت لك المرأة قائلةً:
أيٌة جواهر فكرية أو معرفية تُرتجى
مِن رجلٍ لا يرى الأنثى إلاَّ عظمةً
وهو أقربُ إلى كلبٍ
ساقته الغريزة إلى ديارها؟
(7)
عادةً ما يقال عن الذي يُغير مواقفه بيسر كتنقل العصفور من غصنٍ الى غصن بالمذبذب،
وهي كصفة غالباً ما تُطلق على الساسة والمثقفين، ولكن ماذا عن ذبذبات النفر الذي
يتنقل من اُنثى لأنثى؟ لا ليصنع من رحيقهن العسل كما تفعل النحلة لمعشرها وكذلك
لبني البشر، إنما ليكون المُرتشف الأوّل لمناهلهن ومن ثم يركلهن وكأنه كان يقضي
حاجة عابرة من احتياجاته البيولوجية.
(8)
لن تراكَ المنيرةُ في مواضع الكبرياء إلّا يوم تسمو بكلك، وبالتالي تعرض عن الوضاعة
في الوصول إلى المبتغى، وتود أن تراكَ في موقع مَن يقود الغريزة، ولست على هيئة
الخانع أمام الشهوة وهي التي كالجروِ تقودك.
(9)
يُقال بأن الرجال يُعبّرون عن رغباتهم من خلال الاقتحام، فيما المرأة فتكتفي
بالإيحاء إذا ما ودّت الولوج إلى عالم أحدهم، ولكن أليس في المداهمات المتكررة
للرجل على مضاربهن فيه شيء من الوقاحة الزائدة، خصوصاً إذا لم يصدر من قِبل المرأة
أيّة لفتةٍ تثبت للناظر بأنها كانت من عالم الاِيماء؛ لذا تأدب يا رجل لكي لا تظهر
محاولاتك أشبه بعواء كلبٍ في صحراء.
(10)
كما يُعاني الكثير من الشهوانيين من عقدة حصر الكوكب كله في موقعٍ واحد، وبالتالي
عدم القدرة على الفصل بين الأنثى والجنس، والتفكير بالمرأة فقط عبر استحضار الهواجس
الإباحية وأدوات الغريزة، كذلك الحال نرى بعض قراء أو كتاب الأدب فليس بمقدورهم
رؤية الفن والإبداع من غير كلمات الغزل والتشبب، وكأن الكوكب خالي من القضايا
الكبرى والمواضيع المهمة والمشاكل الجوهرية والمفارقات الحياتية وقبح أو جمال
الطبيعة، إضافةً إلى ما في كوكبنا من حيوات أو كائنات، حتى تركوا العالم بأسره
وتفرغوا لذلك الجزء المنزوي والمخفي من الجسد.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |