التفاخر المرضي
 

 

"أيها الأحمق يا من تتكبر، أنت مختالٌ فخورٌ تتنكر،
نفش الريح ثيابك بالتبختر، فظننت النفس عملاقاً تجبر"
ويليام بليك
---
لا نتوقع بأن صاحب الرأي سيكون مغالياً في رأيه عندما يساوي بين ظاهرتي التفاخر المرضي والأنا العاقر لدى بعض الناس، باعتبار أن تلك الأنا تحاول جاهدةً التعويض عما تشكو منه عبر ادّعاء عمل ما لم تعمله وإنتاج ما لم تنتجه.

والمثال الذي نود إيراده عن العاقر إبداعياً هاهنا، هو ذلك الذي فوق عقمه لا يكف عن الإدعاء بأن لولا خصوبته لما ولدت الكثير من الإبداعات البشرية، ولما ظهرت القامات الكبيرة لولا رعايته الخاصة منذ بدء تفتق الموهبة لدى تلك القامات.

وفي هذا الخصوص يطرح المشمئز من ظهور أنا المستشار التساؤل قائلاً: يا ترى هل يحق لمن نستشيره عند شراء عربة أو شراء حذاء بأن يقول تالي نجاح الصفقة وإتمام عملية الشراء بأنه مخترع السيارة أو أنه هو صاحب المال أو صانع الحذاء؟ وأين يا ترى يكمن موقعه الحقيقي في تلك العملية؟ وهل يحق له التبجح والقول بأن لولاه لما امتلك الرجل السيارة أو انتعل الحذاء؟.

عموماً فالنموذج أعلاه يقودنا إلى حالة الشخص الذي يتم اِستشارته في صنوف الإبداع الفني على اختلاف فروعه، وعلى سبيل المثال: فهل يحق مثلاً لنفرٍ مثلي شاوره رسام ما بشأن الألوان التي سيختارها لرسم لوحته بأن يقول في المجالس العامة أو في خلوات النميمة في المقاهي، بأن لولا اختياري للألوان وسيل اقتراحاتي له لما كان الفنان قد أخرج لوحته إلى النور، ولما تمتع الخلق بجمالية تلك اللوحة؟ وأيّ مرضٍ يا ترى يعاني منه هكذا أشخاص ممن يرون بأن لولا نظراتهم من شباك العالم لما ظهر نور الشمس!.

وحيال الأنوات السقيمة على المستوى الاجتماعي ككل، فكانت العادة لدى الشخص الذي يشعر بشيء من الضمور والهزالة الكيانية في سوريا، أو ينتابه إحساسٌ دائم بأنه بحاجة ماسة لمن يتمّم شخصيته المبتورة قيمياً، هو أن يعوّض ذلك الخلل ويكمله من خلال التباهي بالآخرين، وذلك ليس فقط من خلال عقد الصداقة مع غني ما من الأغنياء ولو كان ذلك الميسور من حثالة الأثرياء، أو عبر إقامة العلاقة مع شخصية مشهورة من عالم التمثيل أو الرياضة أو الفن والإبداع، أو بصداقته مع مسؤولٍ نتنٍ من مسؤولي النظام الحاكم، إنما كان يتفاخر بعضهم حتى بصداقاتهم مع أوضع عناصر المخابرات في البلد، وذلك من فرط شعور النقص لدى ذلك النفر وعدم ثقته بنفسه كفردٍ سويٍّ من بني البشر.

على كل حال يبدو أن هذه العقدة انتقلت من أرض الواقع إلى عالم وسائل التواصل الإجتماعي أيضاً، إذ مثلاً قد ترى بعضهم متلهفين على الاحتفاء بصداقة أيّ شخصٍ كان في الكون، وذلك من دون أن يراجعوا صفحة المرسل مَن هو؟ وما هي ميوله واهتماماته وكنهه، وماهي ماهيته ككائن بشري؟ إنما يسارعون إلى عقد الصداقة معه حتى ولو ثبت تالياً بأنه من بقايا المجتمع، وكأن المحتفي بالمجهولِ هاهنا يتصور بأن ذلك الكائن الهلامي سيتمّم لديه نقصاً يُعاني منه، مَن يدري علّ المحتاج للاكتمال يتفاخر بعدد أصدقائه الوهميين ولو كانوا من الأوباش، وذلك كما كان يتفاخر بعضهم بصداقتهم مع العنصر الأمني الذي لم تكن لديه أيّة وظيفة غير السطوة وإذلال الناس وابتزازهم والنيل من كرامتهم.

وإذا ما وضعنا جانباً الحديث عن تفاخر أبناء الرأسماليين بإمتلاك كمية المحلات والمعامل وإستحواذ أبناء الاقطاعيين على العقارات وأعداد الأشجار المثمرة، أو الحديث عمن صار دكتوراً وغدا الديك الحبشي يحسده على نفش ريشه في الأماكن العامة خصوصاً إذا ما تعلق أهله بأجنحته من باب التباهي به، أو مَن صاروا مسؤولين تافهين في الدولة وراحوا من فيض المفاخرة يحكّون أنوفهم بأذيال السحب؛ ففي سورية عاشت فئة من المتعلمين وعلى وجه التحديد من متعاطي الشأن الثقافي مرحلة مرضية بخصوص التفاخر الهش، إذ أن واحدهم إذا ما أصدر كاسيتاً موسيقياً أو غنائياً من الدرجة العاشرة، أو أقام معرضاً فنياً في كوخٍ أضيق من جلباب أو شروال والده، أو أعدَّ كرّاساً، أو ألّف كتاباً ووزع منه 50 نسخة على أقرانه، فهب وقد انقض عليه داء العُجبِ، وأصابه الغرور الشبيه بالبثور النافرة، وراح يقدم نفسه على أساس أنه غدا مثل غوستاف لوبون أو برتراند راسل أو فريدريك نيتشة أو فيودور دوستويفسكي، فلا يعود يعمل شيء غير التبجح بمنتجه المعرفي بين الناس، باعتبار أنه قدم للبشرية إشعاعاته النورانية من خلال صواريخه الفنية، بل وحتى على العمل في ورشة أو دكان أو مزرعة أهله راح يتكبر، وطفق يقضي أيامه بالجلوس في المقاهي والحانات ويتسول ثمن دخانه ومشروباته وصندويشته من أصحابه، بينما لدى الشعوب الأخرى نرى الأمر بخلاف ما هو لدينا، والمبدع لديهم لا يطالب المجتمع بأن يقدموا له التحية الصباحية كما يفعل عناصر الكتيبة العسكرية كلما مر بجانبهم ضابط مصاب بداء العظمة، وذلك لأن شروط عظمة ذلك الضابط لا تكتمل إلاَّ عندما يقف جميع العناصر باستعداد كلما مر الضابط الحشرة من أمامهم، وفي هذا الإطار سنورد مثالين متعلقين باختلاف الآخرين عنا؛ فمثلاً أشار الكاتب السويدي الراحل توماس ترانسترومر الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2011 إلى أن على المبدع أن لا يعيش من وراء إبداعاته، إنما أن يبقى العمل الإبداعي في حدود الهواية لديه، بمعنى أن يقوم ذلك المبدع بكامل واجباته ككائن منتج في المجتمع، وليس بالضرورة أن يغدو كل من رسم لوحة أو كتب قصيدة أو ألف لحناً عالة على المجتمع برمته، والمثال الآخر القريب مننا وعلى حدودنا هو الشاعر التركي عمر طان الذي وزع يوماً 27 ألف نسخة من أشعاره، ولكنه مع ذلك ما يزال يعمل ماسحاً للأحذية وفق وسائل الإعلام التركية، حتى أن عمر طان حاصل على جوائز تقديرية أيضاً وله قول مأثور وهو: "أن الأقدام هي من تقود الإنسان إلى حيثما يريد الرأس".

وبتصورنا أن الكثير من المرضى المحسوبين على أهل الفن والإبداع في بلادنا، لو أن أعمالهم كسحت الأسواق وتوزعت منتجاتهم وانتشرت بنفس كمية الكتب التي نشرها عمر طان، لغدوا في اختيالهم وتفاخرهم المرضي كالطواويس التي تعبر الأزقة الضيقة، وهي من فرط الإنتفاخ تصطدم بالممرات في الذهاب والإياب.