بين بهرجة دبي وسكينة نوبل
 

 

في اللغة كلمة بهرجة تعني الأبّهة الزائفة والباطلة، ونوبل جائزة تثير شكوك كثيرين في شأن خياراتها وحائزيها، خصوصًا في مجالَي الآداب والسلام. ولكن بين إكسبو دبي الذي بلغت كلفته سبعة مليارات دولار أميركيّ، مع الحملة الإعلانيّة التي رافقته، والخبر الخجول عن نيل طبيب أميركيّ من أصول أرمنيّة لبنانيّة، جائزة نوبل في الطب إلى جانب زميل له، بدا واضحًا أنّ اللبنانيّين، والعرب عمومًا، انحازوا عبر مواقعهم الاجتماعيّة وصحافتهم ووسائل إعلامهم، إلى مهرجان الألوان والأغنيات والعروض الفنيّة، على حساب هدوء المختبرات وسكينة العِلم والبحث حيث يسود الصمت والتفكير والتحليل.

واللافت أنّ جمهور اللبنانيّين المتابعين لفعاليّات إكسبو دبي تباهوا بأنّ كفاءات لبنانيّة تقف خلف الإكسبو، إن من حيث الإعداد أو التنظيم والتنفيذ. لكنّ هذا الجمهور نفسه تغاضى عن نيل اللبنانيّ الأرمنيّ الأميركيّ أردم باتابوتيان جائزة نوبل في الطبّ، لاكتشافه مع زميله ديفد جوليوس مستقبلات الحرارة واللمس في الجسم، ما يساعد قريبًا في إيجاد علاجات لكثير من أنواع الألم.

لسنا هنا في وارد التقليل من حجم الإكسبو، بقدر ما نحاول قراءة تفاعل المجتمع العربيّ أمام حدثين وقعا في شهر تشرين الأوّل من العام 2021، والعالم في خضم تعامله مع جائحة الكورونا التي من المفترض أن تكون قد علّمت الناس أهميّة الأبحاث المخبريّة ودور الطبّ.

صحيح أنّ الإكسبو في مفهومه العام وسبب إقامته يهدف إلى معالجة مواضيع علميّة كالبحث عن الطاقة المستدامة، وإيجاد وسائل جديدة للنقل، وتأمين سبل جديدة لتحقيق النمو الاقتصاديّ. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هل أنّ المحتفين ببهرجة الافتتاح مهتمّون فعلًا بفعاليات المعرض العلميّة، أم اقتصر دور التشجيع والتصفيق على الأغنيات والعروض الفنيّة ومهرجان الألوان والإخراج؟

منذ سوق عكاظ (501 م) والعرب مشغولون بالاحتفالات الشعريّة والمهرجانات الخطابيّة، يجعلونها هدفًا وغاية، ويستفيدون في خلالها بالبيع والشراء لمنتجات الشعوب المجاورة. بينما كانت الشعوب المنتجة، ومنها شعوب بلاد كنعان وما بين النهرين، تحتفي بالحصاد والقطاف، فيكون الاحتفال مكافأة على جهد الإنسان وعطاء الأرض، والمهرجان خاتمة موسم العمل والإنتاج، فيكون الغناء والرقص من ضمن طقوس الفرح بالخصب والشكر على النِعم.

ليس من الخطأ في شيء أن تهلّل دولة دبي لإمكاناتها الماديّة وصعودها الصاروخيّ، مستفيدة من خبرات نخبة من العقول والأيدي تقصدها من مختلف أصقاع الأرض. لكن ستبقى هويّة دبي العالميّة عاجزة عن إثبات وجودها في الفنّ والأدب، ناهيك عن العلم، في انتظار أن ينبغ فيها ومنها شاعر أو روائيّ أو عالِم، تهلّل له الأمّة جمعاء كما كانت قبائل العرب تفتخر بنبوغ شاعر يذود عنها ويرفع شأنها.

خلال الحكم العثمانيّ، توجّه الناس إلى مصر بحثًا عن الحريّة والعمل، وبقي من آثار تلك المرحلة صحف ودواوين وأفلام وأقلام ومسرح. وحين ازدهر لبنان قبل الحرب توجّه المضطهدون في بلدانهم إليه طمعًا بالحريّة والعمل، وكانت النتيجة حركة ثقافيّة أنتجت عقائد ومهرجانات ومسرحيّات وأغنيات ودور نشر. وقبل وقت تحوّل الناس إلى الخليج بحثًا عن الأمن والعمل، والسؤال الآن هل ستكون النتيجة مجرّد أبراج تلعب فيها الرياح أم ثمّة ما سيبقى للمستقبل عن مرحلة ازدهار لا بدّ من أن تنتقل إلى مكان آخر انصياعًا لحركة التاريخ وتغيّرات الأزمنة وتحوّل المصالح؟

في انتظار مستقبل لا نعرف كنهه، يبقى الألم موحّد البشريّة، لا يميّز بين الأعمار والأجناس والأعراق والبلدان والطبقات الاجتماعيّة. وتستحقّ جائزة نوبل لطبيب هو سليل هجرتين: الأرمنيّة واللبنانيّة، أن تُشكر رغم شكوك من يتّهم انحيازها من غير أن يلتفت إلى الجناح الإسرائيليّ في دبي. ومن حقّ لبنان أن يفتخر بأبنائه، سواء في مختبرات الطبّ أو في شركات دبي، في العلم والموسيقى والأدب والرياضة وسائر إبداعات العقل التي لا تستقيم شخصيّة المواطن أو يزدهر الوطن إلّا بنموّها جميعها، لا واحدة على حساب الأخرى.

في خضّم انتشار جائحة الكوفيد 19، قالت إحدى الطبيبات وهي تعترف بعجز العالم الطبيّ عن إنقاذ ملايين الناس لنقص في الإمكانات والطاقات البشريّة: حين تكون أجور لاعبي كرة السلّة والقدم وعارضات الأزياء أعلى بما لا يقاس من كلفة مختبرات الأبحاث، يكون العلاج بعيد المنال.

وأضيف: وبعيد المنال كذلك أن يرتقي الإنسان العربيّ إلى درجة الوعي، فيقرأ الحدث، أي حدث (الإكسبو 2020 في دبي، نقل المومياءات في مصر، مهرجان موريكس دور في لبنان على تواضعه نسبيًّا) بعين العقل، ويعرف في أي خانة يضعه، بلا جلد للذات أو تقديس للموروث أو انفصال عن الواقع؛ والأهم، ألّا يكون على حساب الإنسان وكرامته وحريّته.