منظمة تحرير فلسطين
جدال ونقاش

 

 

منذُ تصفية المأسوف عليه، نزار بنات، ودراسة غالب هلسا "مثقّف منظّمة التّحرير" تحضرُني. حادثة نزار عبارة عن اغتيالٍ سياسيّ لمثقّف صدَحَ بِصوتهِ عاليًا ثائرًا على الواقع منتفضًا على القواعد.

حادثة نزار بنات ليسَت حادثة فرديّة متعلّقة بِنزار وحده، تكوينة منظّمة التّحرير منذُ قيامها معاديةٌ للمثقّف والمثقّفين وتَميل لاِستقطاب أشباه المثقّفين والأذناب.
لذلك قرّرت كتابة هذه الأسطر وأناقشَ حال السلطة الفلسطينيّة مع إضاءات تاريخيّة مع راهنيّة الكثيرِ من مقولات غالب هلسا، طبعًا مع إضافة ما ينقصها من حتلنات.

يستفتح هلسا نقاشه بالتوكيدِ أنّ حال منظّمة التّحرير ليس منفصلًا عن الحال العربيّ والإقليميّ، بل تتمايز عنه سلبًا. ولمّا كانت دول الجوار تقصي المثقّفين وتكمّم الأفواه بذريعة "الحرب مع الكيان الصهيوني" كانَت منظّمة التّحرير تعتبر البندقية المصدر الوحيد للفكر.

حدَّد هلسا ثلاثة عوامل تدفع منظّمة التّحرير لمعاداة الثّقافة والمثقّفين:
1. قيادات فتح تتألف من "أشباه المثقّفين" ممّن كانوا من جماعة الإخوان وحزب التحرير قبل انضمامهم للثورة الفلسطينيّة.
2. المثقفون يهدّدون مراكز القيادات.
3. اِنخراط منظّمة التّحرير مع الأنظمة العربيّة الرجعيّة.

يستعمل غالب هلسا مفهوم "أشباه المثقّفين" لتفكيكِ ديناميّة اتّخاذ القرارات وسلوكيّات منظّمة التّحرير، ويعني بأشباه المثقّفين تلكَ المجموعة الّتي تشرّبت من المعارف المختلفة ولكنهم يتوصّلون إلى اِستنتاجاتهم في سياقٍ غير عقلانيّ، ويتعاطفون مع الأدِلة والإثباتات بالقدرِ الّتي تخدم أحكامهم المسبقة والتربية الّتي نشأووا عليها ويكون طموحهم محصورًا في التقدم الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

يحدّد غالب هلسا الأصول الطبقيّة لأشباه المثقّفين بخرّيجي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسّطة والّذين أنهوا دراستهم الثانويّة، ومدرّسي الابتدائي والثانوي وبعض مدرّسي الجامعة. ومن ثم يتوّصل الى استنتاجٍ مفاده أنَ أشباه المثقّفين ينقسمون إلى مجموعتين: مجموعة مرتبطة بالسلطة ويهمّها الحفاظ عليها لتحافظ على إمتيازاتها، ومجموعة تعيش البطالة والظروف المعيشيّة المتدنيّة.

يحدّد غالب هلسا أن "المثقّفين" الّذين صمدوا في موقفهم الموالي للقيادة اليمينيّة لمنظّمة تحرير فلسطين ينتمون في أصولهم الطبقيّة إلى البرجوازيّة الريفيّة المحافظة، ومن ثم يمضي لنقاشِ نمط السلوك وعلاقات الرّيف، المثقّف الرّيفيّ يبقى تابعًا وممثّلًا لبيئته ومرتبطًا بِها وفي حالةِ منظّمة التّحرير تُضاف التبعيّة إلى السلطة السياسيّة.

يمضي غالب هلسا فيقارِن بين منظّمة التّحرير والأنظمة العربيّة، ويردف: "ما يميّز منظّمة التّحرير عن الأنظمة العربيّة أنها بنية غير إنتاجيّة". التخلّي عن الدَوْر العسكريّ من طرف منظّمة التّحرير يضخّم من دَوْر الإعلام، ويكون للإعلام دورٌ كبير، وقبول المثقّف بالدّفاع عن أمور غير معقولة وغير مقبولة.

يناقش هلسا أنماط السلوك في التكوينات الاجتماعيّة الاقتصاديّة المختلفة معتمدًا بالأساس على عالم الاجتماع ديفيد رايزمان، وبعض الاِستشهادات من غرامشي والتوسير، ولكن عرض هذا الموضوع وتقسيماته يبدو لي أقلّ أهمية في هذا السياق. سأعرض الموضوع على النحو الآتي: يتحدّد سلوك كل إنسان من خلال تفاعله مع البيئة المحيطة ومكانه في الخارطة الطبقيّة في مجتمعٍ معيّن، حيث يسود نمط إنتاج محدد يخلقُ نمط أو عدة انماطٍ سلوكيّة لا تنفصل عن تفاعل الفرد مع نمط الإنتاج، أما في السياق العربيّ فلم تنضج عمليّة التحول الطبقيّ وبقيت أنماط الإنتاج ما قبل الرأسماليّة متداخلة مع نمط رأسماليّ والّذي بدوره يجعل أنماط السلوك أكثر تشابكًا وتعقيدًا.

كثير من أفكار هلسا ما تزال راهنة وبعضها الآخر شاخ، بإلقاء نظرة على ما طرأ من تغّيراتٍ على التكوينة الاجتماعيّة الفلسطينيّة منذ أوسلو وهلم جرًا، نجد أنّ اتفاقيّة أوسلو أفرزت منظومة ماليّة ربطت فئات فاعلة من الشعب الفلسطينيّ باسرائيل بنيويًا.

قصّ لي صديقٌ يعمل في مجال البرمجة الحادثة التالية: كنت أعمل مع شركة فلسطينيّة، ووضعنا برنامجًا تدخُل فيه الشركة الى أراضي 48 وتوفّر خدمات إنترنت للفلسطينيّين أصحاب المواطنة الإسرائيليّة، ولكننا واجهنا رفضًا شديدًا من قبل إدارة الشركة وطلبوا ألا نقتربَ من السوق الاسرائيليّ.

قبل أن أكمِل مع السلطة الفلسطينيّة، أريد التطرّق قليلًا إلى إسرائيل، إسرائيل تريد أن تحافظَ على نفسها وتريد أن تتوسع وتريد أن تعظِمَ قوتها. لقد تمكنَت إسرائيل في حزيران 1967 من السيطرة على ما كان قد تبقى من فلسطين إضافة إلى الأراضي السوريّة والمصريّة. فماذا تفعل إسرائيل بعد ذلك؟ هل ستقوم بإعادة هذه الأراضي إلى العرب والفلسطينيّبن؟ بالطبع سارعت إسرائيل إلى تهويد الأراضي كلها واستثمارها بما يخدِم المشروع السياسيّ/الاقتصاديّ الّذي تمثله الدولة.

هذا يعني أنّ إسرائيل لن تعطينا أي شيءٍ مهما صغر أو قلّت قيمته؟ ستعيد لنا ما تفرِضه عليها مقتضيات مصلحة الدولة في أن لا تخسَرَ أكثر منه بطرقٍ أخرى بما فيها على سبيلِ المثال، العزلة الدوليّة، الحصار الاقتصاديّ العالميّ، أو حرب عصابات تحريرية، أو حربًا نظاميّة تُشَّن من قبل "الجيران" العرب...الخ. خلافَ ذلك لا يمكن لدولة إسرائيل أن "تتبرّع" بثروتها الأهم وهي الأرض لأيٍّ كان.

كلّ "تنازلات" إسرائيل من صحراء سيناء إلى منابع الليطاني في لبنان وكلّ جنوب لبنان كانت بعد اِستنزافٍ طويل الأمد، وحتى اِتفاقية أوسلو نفسها كانَت بعد انتفاضة، إسرائيل لا تقدم "التنازلات" إذا لم تقتنع أنّ الطرف الآخر يستطيع أن يُلحِقَ الخسائر بها.
الاِستنزاف والحرب الدائمة والانتفاضة كانت دافع إسرائيل للذهاب الى إتفاقيّة أوسلو. أما منظّمة تحرير فلسطين الّتي كانت سلطة بلا دولة طوال تاريخها، فعندما بدأت هذه السلطة تترَّنح بعد حربِ الخليج والانتفاضة الأولى وتنامي حركات الاسلام السياسيّ في الأراضي الفلسطينيّة، أعطَت هذه التراكمات دافعًا قويًا لمنظمة التحرير لتذهب إلى اِتفاقٍ مع إسرائيل حتى وإن لم يكن هناك وعدٌ صريح بدولة.

ما بعد أوسلو حتى يومنا هذا تشكَّلَ هرم سلطويّ متكاملٌ مصلحته في بقاء الوضع كما هو عليه، هذا الهرم قد تتغيّر رؤاه عندما تتعرض له إسرائيل وتريد أن تحدِثَ تغييرًا يعود عليه سلبًا وقد يرى هذا الهرم أنّ وجود دولة أفضل له.

من هنا تبدو لنا فكرة المفاوضات مخدرًا لذيذًا مارسته منظمة التحرير خلال ربع قرن. المفاوضات هي طريقة أقل تكلفة لرسم خريطة الصراع بحسب ما تشير موازين القوى عندما يتفق المتصارِعون على تقييم تلك الموازين.

طرح سمير أمين في كتابه "الأمة العربية والصراع الطبقي" إنّ منظمة التحرير لم تقوى على القيام بمهامها، خاصة الثورة الاجتماعيّة، بسبب تكوينتها الطبقيّة البرجوازية الصغيرة.

أستعرض هذا الاقتباس الطويل من سمير أمين:
"لقد حرم الاِستيطان الصهيوني في فلسطين الشعب الفلسطيني من وطنه، ولم تبق في الأراضي المحتلة إلا فئة قليلة بينما يتجمع حوالي المليونين من اللاجئين في مخيمات الأردن ولبنان وسوريا. وهؤلاء الذين لا يعملون إلا المحظوظين منهم كعمال مؤقتين ليسوا مندمجين في أيّة سيرورة إنتاجية مستمرة. وأيدلولجيّة العودة التي تسيطر عليهم لهذا السبب، والمتجاورة مع بقاء العلاقات الأبويّة السابقة وعقليّة الإنتماء إلى الزعماء كانت تمنعهم من شنّ حرب ثوريّة حقيقيّة.

وفتح التي تمثل بعمق الفئة الاجتماعية للاجئين، بدل ان تدرك أنّ الحرب التحريرية هي أيضًا اجتماعية في الوقت ذاته، ردت هذه الحرب الى سلسلة وصفات الكفاح المسلم. بالتأكيد أنّ الظروف الملموسة للنضال التحرري في فلسطين، كما هي دائمًا خاصة. لكن مهما كانت هذه الظروف، لا يمكن للنضال التحرري أن ينجح إلا اذا كان في الوقت ذاته ثورة اجتماعية: هذا هو الشرط الذي لا يستغنى عنه، الذي يسمح للجماهير الشعبية، بقيادة البروليتاريا أن تأخذ القيادة الفعلية، وتعطيها قوة لا تقهر، مهما كانت قوة العدو.

وبهذا المعنى تكسب دروس الصين والفيتنام وكمبوديا ولاوس بعدًا كونيًا وعدم إدراك ذلك سمح سمح للبرجوازية الصغيرة أن تحتوي عمليًا قيادات الحركة الفلسطينية، هذه البرجوازيات التي فرضت تصورها للجبهة، ليس كتحالف طبقات تحتفظ كل منها باستقلاليتها، لكن كخليط عجيب. وهكذا قصر النضال على بعده العسكري الوحيد، الذي لم يخضع لمتطلبات التطور السياسي للقوى الاجتماعية الشعبية."

هذا الاقتباس الطويل من سمير أمين يفي بالغرض لتلخيصِ واقع حال فترةٍ زمنيّة طويلة من عمر الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، الّتي لم يتملك قيادتها أي مشروع غير الكفاح المسلح، الّذي قاد إلى قطيعة لاحقًا بين الطبقات الشعبيّة والقيادة السياسية الفلسطينية.

الملموس هو أنّ معظم مقولات سمير أمين وغالب هلسا تحافظ على راهنيتها. ولكن التغيرات تحتاج إلى حتلنة، وهنا أعود الى دراسة الرفيق غازي الصوراني بعنوان "القطاع الاقتصادي غير المنظم في فلسطين أو ما يطلق عليه اقتصاد الظل او الاقتصاد الخفي".

ينقسم اقتصاد دول العالم الثالث الى اقتصادٍ رَسميّ واقتصاد غير رسمي (25% منه عبارة عن مشروعات صغيرة و75% ويعني النشاطات الهامشية والطفيلية والغير مشروعة)، أهم المعلومات الواردة في المقال نقسمها كالآتي:
1) عدد المنشآت غير المنظمة في الاقتصاد الفلسطينيّ 62,493 منشأة عام 2008. وتشكل نسبة 49.7% من إجمالي عدد المنشآت.
2) الغالبية العظمى من مالكي هذه المنشآت يعملون لحسابهم الخاص بنسبة 86% وتمتلك الإناث نسبة 13.6% من المنشآت غير المنظمة مقابل 9.4% مملوكة للإناث في القطاع المنظم. كذلك بالنسبة للتعليم فإنَ غالبية مالكي المنشآت غير المنظمة أقل تعليماً، إذ بلغت نسبة الحاصلين على تعليم عالي 10% مقابل 21% في القطاع المنظم.
3) تعتبر المنشآت غير المنظمة أصغر حجمًا ، حيث 60% منها تشغل عاملًا واحدًا، مقابل 42% في المنشآت المنظمة. أما تلك التي تشغل خمسة عمال فأكثر فتشكل حوالي 7% من مجمل المنشآت غير المنظمة، مقابل 17% في المنشآت المنظمة.
4) يضم القطاع الزراعي حوالي 23% من إجمالي المنشآت غير المنظمة، مقابل 2%
من المنشآت المنظمة. وبذلك تشكل المنشآت الزراعية غير المنظمة ما نسبته 95% من إجمالي المنشآت الزراعية.
5) تشكل المنشآت غير المنظمة ما نسبته 77% من إجمالي المنشآت في قطاع البناء. فيما بلغت نسبة المنشآت غير المنظمة في قطاع المواصلات، التخزين، والاتصالات نحو 5% فقط.
6) باقي النشاطات الاقتصادية (صناعة، وتجارة وفنادق ومطاعم، وخدمات أخرى) فتقارب فيها نسب توزيع المنشآت من حيث كونها منظمة أو غير منظمة إلى حد كبير.
7) عدد العاملين في القطاع غير المنظم 152,262 عامل ويمثلون حوالي 36.35% من مجموع العاملين في القطاع الخاص.
(8 ثلثي العاملين في القطاع غير المنظم أي بنسبة 66.5% هم أعضاء عائلات غير مدفوعي الأجر، بينما شكلت هذه الشريحة 6% فقط من العاملين في القطاع المنظم.
9) نسبة الإناث العاملات في القطاع غير المنظم بلغت 40% مقابل 19% من النساء يعملن في القطاع المنظم".
10) غالبية مالكي المنشآت غير المنظمة 57% يعتمدون في تمويلهم على المدخرات الشخصية، إضافة إلى ذلك فإنّ 23% يعتمدون على قروض شخصية بدون فوائد، والتي يكون مصدرها عادة الأهل أو الأصدقاء.

مما أوردناه أعلاه نشير الاِقتصاد الفلسطينيّ هو اقتصاد اللاتنمية، وغني عن البيان نسب الفقر والبطالة المرتفعة والأجورِ المتدنيّة والفساد المستشري، في ظل هذه الحالة الاقتصاديّة الاجتماعية يكون من الصعب على "المثقف" أن يرفض امتيازاتِ الاِرتباط بالسلطة إذا سنحَت له الفرصة. بهذا المعنى يبقى غالب هلسا راهنًا.

اقتصاد اللاتنمية وهرمٌ سلطويّ من مصلحته بقاءُ الوضع كما هو عليه يجتَذِب أشباه المثقفين ويعادي المثقفين وفساد ينخرُ كل مناحي الحياة، إضافة لاِرتباطات ماليّة واتفاقات أمنية مع اسرائيل، هذا هو حال السلطة الفلسطينيّة اليوم.

قبل عامين سجلت السلطة الفلسطينية "انجازا" بدفعها دين ال900 مليون شيكل لشركة الكهرباء، ومن منا لم يضحك على تصريح أبو مازنن ومهلة السنة التي أعطاها لاسرائيل للانسحاب من حدود 67، يبدو أن قيادات السلطة خائفة على مواقعها في ظل تنامي حالة التذمر الشعبي من الوضع الراهن، وتريد أن تخرج من الأزمة الداخلية بعد أن صعد حكام اسرائيل من وقاحتهم ازاء المطالب الفلسطينية، من جانبه بيني غانتس يعرض "الاقتصاد مقابل الأمن" ورئيس الحكومة بينيت من على منصة الأمم المتحدة يتجاهل وجود شعبٍ فلسطينيّ. يحق للسلطة الفلسطينيّة أن تخشى الغضب الشعبيّ وحدوث انفجار غير متوقع في أي لحظة.

رغم اتفاقي مع جوهر ما طرحه هلسا إلّا أنني لا أتفق مع تعميماته ومبالغاته لا سيَّما أحكامه القاسيّة بحق محمود درويش وتحميل أقواله وأشعاره وأفعاله ما لا تحتمِل، نفس الشيء حول فتح ومنظمة التحريرالّتي اَحترِم دورها الرياديّ كالقائد التاريخيّ للثورة الفلسطينيّة وواجبُ المرحلة القادمة هو إصلاح السلطة الفلسطينيّة من جذورها، لأن ايدولوجية المقاومة انتقلت مع الأسف الى "حماس"، وأي سقوطٍ للسلطة في الضفة يعني صعود حماس مكانها، الأمل في القوى الساخطة داخل فتح ومنظمة التحرير أن تقوم بالإطاحةِ بالقيادة الحالية واستبدالها من الداخل قبل فوات الأوان.