ضيوف الكلمة
 

 

مقدمة
فريق الكاتب اليساريّ لا يستكين ولا يهدأ. يبحث في خزائن اللغة والأدب والفلسفة والفنّ عن مقالات ومقابلات ونصوص تحفّز ذهنه ليعيد قراءة الماضي ويندفع لتحليل الحاضر في محاولة لاستشراف المستقبل.

ومجلّة "الكاتب اليساريّ"، الأمينة لرسالتها في دعم إبداع الكاتب وحماية حريّة النصّ، حين تجد في هذه الإبداعات الفكريّة ما يستحقّ النشر، تضعها بين أيدي القرّاء، داعية إيّاهم للتساؤل: أكانت هذه حال بلاد اللغة العربيّة لو كنّا شعوبًا تقرأ؟

ونحن في المجلّة، إذ نشكر هؤلاء المبدعين على إرث حضاريّ ثمين، لا ننسى توجيه الامتنان للصحف والمجلّات التي حين نشرت هذه المختارات كانت تؤمن مثلنا بالكلمة والحوار، فسعت لتكون منابر حريّة ومنارات وعي، متحديّة بذلك مؤامرات كبيرة وخطيرة، كانت ولا تزال تريد طمس حضارتنا ومحوها.

إنّ نبش هذه المختارات ونشرها ليس وقفة على أطلال الماضي للبكاء على مجد غابر، بل دعوة لاستنهاض الفكر والعودة إلى ينابيع الأصالة والإبداع لعلّنا نبتعد عن لغة العنف والرفض وأحاديّة الرأي والموقف.
---

ضيوف الكلمة

عصام محفوظ في حديث مع الشيخ عبد الله العلايلي
صحيفة النهار – الأحد 13/ 1/ 1985


عبد الله العلايلي يستوي أرضًا، نظّارتاه للانفعال ويده لضربة الحقّ!
"انتمائي كمواطن إلى اللغة أوّلًا، واللغة أقوى من العِرق".


كلّما دعا اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين إلى تكريم الشيخ عبد الله العلايلي كانت الأحداث حائلًا، ما دفع الاتّحاد إلى إصدار كتاب بعنوان "الشيخ عبد الله العلايلي مفكّرًا ولغويًّا وفقيهًا"، وشارك في تحريره عدد من الكتّاب.
الشيخ العلايلي اليوم في السبعين، في بيته منذ مطلع السبعينات، وبالتحديد منذ نشره كتابه "أين الخطأ؟" الذي أثار ردّ فعل سلبيًّا لم يتوقّعه الشيخ المتحرّر، إذ تعرّض لبعض تقاليد "الإسلام الرسميّ" ما يحول دون انفتاح إسلاميّ – مسيحيّ حقّ في مختلف الشؤون الحياتيّة.


وفي هذه كلّه يتابع دعوته التي بدأها في الأربعينات، في فهم دور قوميّ للعروبة لا يرتكز على الدين بل على اللغة، خارج أيّ تعصّب دينيّ أو مذهبيّ، عرقيّ أو عنصريّ.


شارك الشيخ العلايلي بآرائه التحرّريّة في كلّ المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة في لبنان والعالم العربيّ أو "عالم العربيّة" على تعبيره، حيث النسبة أوّلًا إلى اللغة. اللغة التي نذر لها حياته، منذ أن نشر كتابه الثوريّ "مقدّمة لدرس لغة العرب" حيث " اطمأنّ لبنان – كما يقول فؤاد افرام البستاني في مقدّمة "المرجع" – إلى أنّ هذه الطبقة من علمائه لا تزال على سدانة هيكل التعبير".


التقيناه في بيته الجديد، شارع البطريركيّة، إذ تعرّض بيته القديم لمحنة هي جزء من محنة وطنه. كان كما عهدته في الستينات، لولا بعض التجاعيد الزائدة، ولولا بعض التعب في عينيه. استقبلني، كعادته مع ضيوف الكلمة، في غرفة مكتبته حيث يستوي أرضًا إلى منضدة واطئة، وإلى جانبه الشاي والتبغ، وبين يديه نظّارتاه يرفعهما عن عينيه يلوّح بهما كلّما انفعل في الكلام، فإذا اشتدّ انفعاله دقّ على المنضدة بيمناه بعنف كما يدقّ الحقّ باب الحقيقة.


صوته الهادئ الواثق يخفي الهدير الذي كان يجلجل على المنابر في وجه الظلم والظالمين، ولا يساوي قوّة الشيخ في قول الحقّ سوى قدرته على التسامح.


كان يتّهمه معارضوه بأنّه "رجل زلزلة" فكان يجاوب: "قولوا أية حركة في ما نعرف ويعرف التاريخ ليست تنهض على الزلزلة. أمام أيّ تمرّد خيّر أحسّ بأنّني أتجدّد، أحسّ بأنّني أحيا".


هذا الرجل هو رجل دين إلّا أنّ دين هذا الرجل هو الإنسان. كلّ ما لا يصبّ في سعادة الإنسان لا معنى له في حياته.
لم تمنعه العزلة من المشاركة في أحداث وطنه بمقالات سرعان ما تتحوّل إلى كراريس: "عنزة ولا مرقد" 1976، "من أجل لبنان، قصائد دامية الحرف بيضاء الأمل" 1977.


واجه الشيخ محنة لبنان بصبر قلّما احتمله، باستثناء صبره على استكناه سرّ اللغة ونبضها المتجدّد.
ودار الحديث.
عصام محفوظ

----


1- في أحد استفتاءات "النهار"، مطلع الستّينات حول كيف يرى المفكّرون اللبنانيون الوضع في الثمانينات، كلّ واحد في اختصاصه، كان جوابك في موضوع الدين إنّك ترى المستقبل للعقليّ في الدين. أي أنّ الدين سيصير دينًا عقليًّا فكيف تنظر اليوم إلى نبوءتك؟
أنا كنت ولا أزال أعتقد مع الفيلسوف دوركهايم بأنّ "الإنسان حيوان ذو دين" لكنّني انطلاقًا من التطوّرات التي تعاقبت على الفكر الدينيّ انتهيت إلى الاعتقاد أنّ الدين سيظلّ في الثمانينات، لكنّه سيصير دينًا عقليًّا، دينًا ينبوعه الأوّل هو العقل وليس النفس. والآن أرى للمرة الأولى أنّني كاذب في حدسي. حدث العكس، للأسف.


2- وما هي في رأيك سبب الانتكاسة؟
إنّ السبب في النكسة هو خيبات الأمل لدى الإنسان من المذاهب الأيديولوجيّة المعاصرة التي لم تجد حلًّا نهائيًّا لبؤسه. أنا كنت دائمًا من المتفائلين لكن لم يبق لي تلك النظرة التفاؤليّة.


3- هل يعني هذا أنّ الردّات الدينيّة ليست هي منظورك؟
إنّ الحركات الدينيّة المتطرّفة أو السلفيّة، التي تبرز اليوم، بعيدة عن ادّعائها الأصالة. لكنّني أرى هذه الحركات مثل تكوّنات تدمّر ذاتها بذاتها، ويعجبني هنا تسمية العرب لفراشة معيّنة من النوع الذي يولد في الصباح ويموت مع الغروب بابنة يومها.


4- لكن ألم تبدأ أنت دعوتك الإصلاحيّة من موقع دينيّ؟
الحقّ أنّني لدى عودتي إلى بيروت من مصر، أقيت سلسلة من الخطب في الجامع العمريّ الكبير كانت من وحي الدين، لكنّ غاياتها البعيدة هي إصلاحيّة عامّة وإن مغلّفة بإطار دينيّ. ثمّ كان كتابي "مقدّمة لدرس لغة العرب" الذي طبعه لي المرحوم الياس أنطون الياس صاحب "القاموس العصريّ".


5- هل اصطدمت هناك بشيوخ الأزهر؟
لنقل إنّني تحاورت معهم تحاورًا. أمّا رسالتي الاجتماعيّة في بيروت فكانت تتبلور في سلسلة كراريس تحت عنوان "إنّي أتّهم"، تناولت مختلف المواضيع الاجتماعيّة والسياسيّة، وللمثال أذكر لك بعض العناوين: "من المسؤول؟"، "الحياة تصوّر وإرادة"، "الحزب بوتقة تجمع الأمّة"، "منطق الجماعة"، إلخ...
كانت هذه السلسة موجّهة أوّلًا ضدّ "زعامات الشرفات" وسمّيتها زعامات الشرفات لأنّ دورها كان يقتصر على الخطابة من على الشرفة في المناسبات، وتجيير المكسب للطموحات الشخصيّة. كانت زعامات استغلال المناسبات حيث تبلغ الديماغوجيّة ذروتها.


6- لكن كيف تبلور شعورك القوميّ، وتاليًا دعوتك، وأين تضعها زمنيًّا؟
يمكنني القول إنّني أوّل من بلور المفهوم القوميّ. ربّما هو كتاب قسطنطين زريق الذي جمع فيه محاضراته في الجامعة حول القوميّة سبق كتابي، إلّا أنّ كتاب زريق كان أقرب إلى المفهوم الجامعيّ، حين أنّ كتابي الذي أصدرته في 1941، بعنوان "دستور العرب القوميّ"، ذهب أبعد من ذلك.


7- هل كان الدين حاضرًا في منظورك القوميّ؟
لا، أنا صاحب شعار "لا دين في القوميّة". وعندما تعرّضت إلى الدين، بعد تحديد القوميّة، اعتبرت أنّ الدين ذو صفة ثانويّة، لكن لأنّ الشرقيّ متديّن بطبعه، لم ألغِ الدين من التوجّه القوميّ، لكنّني ايضًا شئت أن أجنّب العربيّ الدخول في متاهات الصراع الطائفيّ، فدعوت إلى تبنّي ما سمّيته "الدين الطبعي" أو "الدين الطبيعيّ".


8- أهو دين جديد؟
لا، لكنّه مستمدّ من روح الأديان جميعها: الإسلام يصلح أن يكون دينًا للقوميّة لاعتباره يستوعب المسيحيّة واليهوديّة، لكنّ تبنّيه كان سيخلق عنعنات نحن في غنى عنها. لذا الدين الطبعيّ أو الطبيعيّ الذي دعوت إليه إنّما هو خلاصة هذه الأديان. إنّه ليس دينًا جديدًا مستقلًّا له طقوسه وشعائره بل مقدّمة لكلّ دين، ويتضمّن من الأديان جميعها ما هو مشترك: الإيمان بالله الواحد، والوصايا الأخلاقيّة وغيرها ممّا هو غاية الدين وجوهره. فلتكن الشواهد الدينيّة من كتب الأديان الثلاثة في كلّ القضايا التي تواجه النشء. وبذلك يجد الناشئ ائتلاف الديانات واعتناقها اعتناقًا عمليًّا صحيحًا، فيندكّ الصرح الذي أقامه رجال الدين المغرضون. إنّ الدين في منطق رجاله غيره في منطق الله وكتبه. الأوّل هو عامل تفرقة بين الطوائف والجماعات، والثاني هو غرس مبادئ صالحة تعدّ الإنسان إعدادًا حسنًا للعيش مع أخيه الإنسان، فكيف مع مواطنه؟
الإنسان عبر الدين عرف كيف يميّز بين الخير والشرّـ إنّه القانون الأدبيّ الذي يترك للإنسان أقصى حريّة معقولة في اختيار الطريق التي يسلكها في الحياة. لقد كان هذا هو جوهر الدين في كلّ العصور ولدى كلّ الجماعات.


9- هل اطّلعت على كتاب أنطون سعادة "الإسلام في رسالتيه"؟
لا، لم أقرأ له سوى بعض مقالاته.


10- هل كان الخلاف الدينيّ هنا عندما طرحت دعوتك مطروحًا في شكل حاد ذلك الحين؟
بالطبع، وجرت ذلك الحين محاورة خطيرة في مجلّة "المشرق" حيث طرح الأب صفير في مقال تقصّده علميًّا أن يبرهن أن الإسلام "هرطقة مسيحيّة"، مثل هرطقة آريوس أو غيرها. وردّ عليه في المجلّة نفسها والد النائب هاشم الحسينيّ. وصدرت المناظرة آنذاك في كتّيب لاهتمام الناس بالموضوع المثار. هذا هو نوع المحاورات ذلك الحين. لذا، وانطلاقًا من هذا الجدل، قلت إنّ دور التنشئة يجب أن يتجاوز مثل هذه الخلافات بحيث ينشأ الفتيان على فهم مختلف للدين، ما سمّيته الدين الطبعيّ.


11- هل يسمح الإسلام بمثل هذه الدعوة؟
في القرآن آية رائعة لعلّها سبقت كلّ المحاولات لجمع الديانات، وتقول: "شرع لكم من الدنيا ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه". إذًا الديانة الإسلاميّة لا تدعو في الحقيقة إلى شيء جديد، وإنّما إلى حقيقة الديانات السابقة، لكن في نطاق جوهرها ووحدتها، وهذه غاية الإسلام. دعوة الإسلام كانت جمع المتفرّقات وليس الإضافة عليها.
أذكر هنا كتاب اللورد دولي "أشعّة من الإسلام" الذي يقول فيه ما معناه إنّ الإسلام شهادة رائعة للمسيح، وعندما ناقشه بعض القسس في إسلامه قال: من أجل أن تكون مسيحيًّا حقًّا يجب أن تكون مسلمًا حقًّا، ويكفي الإصلام أنّه أكسب المسيحيّة تسعمئة مليون إنسان يشهدون للمسيح وللسيّدة العذراء التي دنّسها اليهود.


12- هل استندت أنت إلى هذه الآية في تصوّرك للدين الطبيعيّ؟
لا وإنّما ذكرت لك الآية لأقرب لك المفهوم الذي قصدت إليه. ما أتبّناه في القوميّة هو ما اتّفقت عليه الديانات الثلاث.


13- هل يعود عدم اعتراف الكنيسة بالقرآن إلى عدم اعتراف الإسلام بالأناجيل؟
لا، ليس هكذا الأمر. إذا كان خلاف فهو على نحو مغاير. إنّه خلاف لاهوتيّ. القرآن يعترف بالأناجيل جميعها. لكن ربّما ما هو مرفوض من الإسلام التحوير اليونانيّ للمسيحيّة، أي إنّ الاعتراف تام بالأناجيل، لكن الخلاف على التأويل.


14- هل ما تقوله هو رأي الأزهر؟
وما علاقة الأزهر هنا؟ الأزهر مدرسة تدرّس مذاهب إسلاميّة وليس الإسلام. إنّها تدرّس آراء بعض الفقهاء الذين أصبح لهم مدارس. لكن لا علاقة لذلك بالإسلام.
الإسلام يؤمن بالإنسان الشامل ككلّ "لا إكراه في الدين"، بذلك يتجاوز التميّيز أي التعصّب القوميّ أو الإقليميّ الذي يسود مجتمعات اليوم والتي هي سبب الصراعات المحمومة برغم كلّ وثائق حقوق الإنسان.


15- ومع ذلك فإن المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة أو الحزب الإسلاميّ يذهب غير ذلك وأبسط مثل تحريم زواج النصرانيّ بمسلمة.
شرحت مطوّلًا في كتابي الأخير "أين الخطأ" كلّ هذه الأمور. وقلت إنّ اختلاف الدين المانع للزواج محصور بالشرك وحده. إنّ القرآن واضح: "اليوم أحلّ لكم الطيّبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، وطعامكم حلّ لهم، والمحصّنات من المؤمنات والمحصّنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم." وهنا نجد أن لا دليل على تحريم الزواج بين كتابيّ ومسلمة. وأنّ الاحتجاج بأنّ الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر فليس بوارد مع العاطف، وقياس المسكوت عنه من النكاح على المنطوق به من الأكل أولى. وهذا ما يجعلني أقول إنّ موقف المؤسّسات الدينيّة السائدة من هذه القضيّة مخالف لروح القرآن ونصّه.


16- هل كان لدعوتك إلى الدين الطبيعيّ صدى ذلك الحين؟ وإذا لم يكن ألا يعني ذلك عدم جدوى مثل هذه الدعوة؟
إنّ الأفكار العظيمة لا تقاس بقدرتها على التطبيق. لنأخذ مثلًا نظريّة كارل ماركس. كان ممكنًا أن تظلّ حبيسة كتاب "رأس المال" لو لم يقيّض لها رجل مثل لينين لتطبيقها. وقس كلّ الدعوات التي كانت حبيسة الكتب لو لم يتمّ تجسيدها. هذا دور المنفّذ، وهو دور لا يقلّ عن دور صاحب الفكرة.


اللغة والقوميّة


17- هل كان انكبابك على درس اللغة العربيّة جزءًا من مفهومك للقوميّة؟ وهل اللغة العنصر الأفعل من الدين في القوميّة أو العكس؟
علاقة اللغة بالقوميّة عميقة جدًّا. إنّني أعتبرها الأقوى والمحور الأساسيّ للقوميّة والعنصر الأهمّ. أنا لا أجاري الناس في المناداة بالعالم العربيّ بل "عالم العربيّة". ذلك أنّ هناك عروقًا مختلفة لدى أصحاب اللغة الواحدة، مع أنّني أعتبر أن ليس ثمّة عرق صاف إطلاقًا. وحتّى في الاعتراف بالعرقيّة، هذا لا يغيّر كثيرًا من الأمر، لأنّ اللغة أقوى من العِرق.


18- لكن ربّما الأعراق المختلفة تخلق أمزجة مختلفة تنعكس على التعبير؟
ربّما. لكن هذه الأمزجة تعمل ضمن جامع اللغة الواحدة، وساستعمل هنا لفظة موفّقة عند أنطون سعادة، "المتّحد اللغويّ". إنّ كلّ الأمزجة المختلفة تتحرّك ضمن إطار اللغة. إنّ العامل اللغويّ هو الصاهر الأقوى. وعمل اللغوي كلّه يصبّ في هذه الغاية. إنّ انتمائي كمواطن هو إلى اللغة أوّلًا.


19- لكنّك تعرف أنّ اللغة العربيّة صارت إلى ما يشبه لغات محكيّة متعدّدة في الأقطار العربيّة.
أنا لا أرى هناك اختلافات بل إفرازات لغويّة ترتبط بأوضاع معيّنة، زمانيّة ومكانيّة. مثلًا التزاوج الثقافيّ واللغويّ الذي وقع في سورسا بين السريانيّة والعربيّة كان له تأثيره على العاميّة السوريّة – اللبنانيّة. وهناك مفردات بالمئات تعود إلى السريانيّة. وحدث مثل هذا الأمر في الأقطار العربيّة وبتزاوج مختلف. لكنّني إذ أسمع هذه اللغات المحكية في مختلف الأقطار العربيّة يسهل عليّ بشيء من الصبر أن أفهمها عربيًّا. أنا لا أحب الفصحى الكاملة، بل اللغة المفصّحة. إنّ الفصحى الكاملة تجعلك تنحصر في عربيّة المعاجم، وليس العربيّة المتطوّرة. هناك كلمات عاميّة لا أستطيع أن أجد لها نفس النكهة الجميلة في الفصحى. في معجمي الكبير أدخلت مفردات عاميّة كثيرةـ أعتبرها صارت مفصحة.


20- المسرحيّون والروائيّون العرب المعاصرون لم يستخدموا اللغة المفصحة، بل العاميّة بكلّ بعدها عن الفصحى والمفصح.
لا. لا. ليست بعيدة. الاختلاف في سياق الجملة. حلّل مفردات الجملة تجدها هي نفسها.


21- لكنّ الاختلاف ذهب إلى أبعد من المفردة، إلى الإعراب. فالعاميات العربيّة كلّها ألغت مثلًا المثنّى والجمع السالم، وكلّ ما ليس خفيفًا على اللفظ، مهما كان قياسيًّا.
إنّني أعتبر هذا الاختلاف ربّما عودة إلى الأصل. لنأخذ مثلًا ظاهرة المثنّى، إنّ كلّ اللغات الساميّة لا تتضمّن ظاهرة المثنّى. المثنّى ظاهرة عربيّة صرفة، ربّما أفرزتها علامة لغويّة مختلفة.


22- هل تعتقد أنّ احتفاظ الفصحى بهذا الشكل مدّة تزيد على ألفي سنة، بخلاف كلّ لغات العالم، يعود إلى الدافع الدينيّ؟
لا. هذا العامل ثانويّ.


23- ما السبب إذًا أنّ العربيّة لم تتطوّر مثل مثيلاتها اللاتينيّة، وبقيت العاميّات العربيّة مجرّد لغات محرّفة على هامش الفصحى؟
إذا عدت إلى مقدّمة ابن خلدون في باب اللسانيّات تجده موفقًا جدًّا في ملاحظته على العاميّات المختلفة في الأقطار العربيّة. يقول إنّه لو قيّض لهذه العاميّات من يقعّدها، أي من يجعل لها قواعد، لحدث لها ما حدث للغات الأوروبيّة المختلفة التي تطوّرت من اللاتينيّة.


24- وعلى من تقع مسؤوليّة التقعيد؟
ربّما على النحاة أو اللغويّين عامّة أو غيرهم.


25- لماذا لم تفعل أنت؟
إنّ اهتمامي مختلف.


26- إذا حاولت تلخيص عملك اللغويّ الكبير، سواء في المعجم أم في "المرجع" فما هو الجديد الذي قدّمت؟
أنا ما كنت أعمل من أجل الجديد. كنت أرقب سير الحضارة في ما سكت عنه التاريخ من خلال دلالة الكلمات. كنت مثلًا أريد أن أصل إلى فهم صحيح لتطوّر العربيّة. كنت قرأت كتاب الفيلسوف رينان في اللغات الساميّة، وهو ضليع بها، ووجدت ثمّة ملاحظة صحيحة له، إنّ اللغة العربيّة كانت أرقى اللغات الساميّة، لكن، وهنا الغريب إنّ هذه اللغة كانت أرقى بكثير من الشعب الذي يتكلّم بها. فهو يرى أنّ العرب أحطّ جدًّا من لغتهم الرفيعة جدًّا.


27- وهل توصّل هو إلى السبب؟
هو اكتفى بإبداء الملاحظة.


28- وأنت؟
أنا قلت إنّ من الخطأ أن نفسّر غوامض اللغة بالتاريخ العربيّ، وإنّما العكس هو الواجب أي أن نفسّر غوامض التاريخ من خلال اللغة. أنا توصّلت إلى الاعتقاد بأنّ اللغة العربيّة مرّت بعهود زاهرة اندثرت. ولنأخذ مثلًا اللغة السومريّة أو "الشومريّة" بحسب الاصطلاح الدارج. تطوّرت منها "البهلويّة" التي كتب بها زرادشت، ونحن لم يصلنا من الشعب السومريّ الراقي جدًّا سوى بقايا اللغة التي كتب فيها من وصلنا من كتاباتهم.


29- هل هذا يعني أنّك كنت تقوك بعمل تاريخيّ من خلال عملك اللغويّ؟
لنقل إنّ بين تفرّدات "المعجم" الكبير، كما يقول رئيف خوري، هذا التفرّد.


30- ألا تعتقد أنّ الشدياق في كتابه "سرّ الليال في القلب والإبدال" سبقك إلى هذا كما يقول مارون عبّود؟
لا. إنّ ذلك العبقريّ العملاق كان يُعنى أصلًا بعصرنة اللغة. وكان له فضله الكبير على اللغة العربيّة المعاصرة، لكنّني أنا قمت بأمر مختلف، بمراقبة التطوّر الحضاريّ من خلال اللغة.


31- أعطنا مثلًا يلخّص هذا التفرّد.
في ثلاثيّ "أرخ" مثلًا، اعتبر اللغويّون أنّ الاختلاف بين كلمة تأريخ المهموزة وتاريخ الممدودة مجرّد تخفيف. حين وجدتُ أن ثمّة فارقًا أساسيًّا بينهما. "فالتأريخ" بالهمزة إنّما يعني تحديد تاريخ عمل، بينما "التاريخ" بدون همزة إنّما يعني التاريخ في شكل عام أي سرد الوقائع. لكنّني لم أتوقّف عند هذا الحدّ في معالجتي لهذه المادّة. إنّ كلمة تاريخ بمعنى درس الأحقاب هي الكلمة نفسها التي في الإغريقيّة "أرخيوس" ومنها كلمة "أركيولوجيا" العصريّة، أي علم الأحقاب. ثمّ اكتشفت أنّ الكلمة الإغريقيّة نفسها مأخوذة من اللغات الساميّة. إنّ ثلاثيّ "أرخ" دلّ أوّل ما دلّ، في "عصر التأليه" على القمر، وهي تسمية أصلًا بابليّة ثمّ نجدها في الساميّات عامّة، ولا سيّما في الأكاديّة حيث سمّي الشهر أيضًا "أرخ". وهكذا نرى أنّ الإنسان ربط في لفظة واحدة بين الإله القمر والشهر، ذلك أنّ الإنسان منذ ربط بإلهه حركته أطلق على فترة ظهوره وغيابه الوحدة الزمنيّة الأولى، فكانت كلمة الشهر. ويقسم العرب هذه الوحدة الزمنيّة الأولى إلى أقسام أيضًا: إهلال (الفترة المرافقة لهلال)، الإبدار (المرافقة لكونه بدرًا)، إسرار (كونه في المحاق)...

هكذا كشفت عبر كلمة أرخ كلّ تاريخها الذي هو تاريخ الإنسان منذ أن عبد القمر إلى الاستفادة من حركته لقياس مدّة زمنيّة معيّنة تنعكس على عمله الزراعيّ أوّلًا. أي أنّني درست تطوّر هذه الكلمة من التصوّر الذهنيّ إلى التصوّر العمليّ. كما وجدت أيضًا أنّ اسم القمر في البابليّة – الأشوريّة ليس شهرًا بل سنّ أيضًا، وهو عندهم اسم مرادف لكلمة شهر. لأنّك عندما ترى في التعبير القديم أنّ فلانًا عاش ألف سنة هذا يعني أنّه عاش ألف شهر. إنّ مثل هذا الجهد في التعريف بدلالة الكلمات لا تجده إلّا في معجمي. أنا لم أكن أسعى أن أضيف قاموسًا إلى القواميس الموجودة. إنّ كتابي هدفه وضع الوحدات الكبرى لجذر ما، ومن هذا الجذر أستخرج التطوّر الحضاريّ.


32- لكنّك قبل عملك على المعجم وضعت هدفًا آخر، فإنّك تقول في "مقدّمة لدرس لغة العرب" سنة 1938: "إنّ الضرورة أصبحت تعو إلى تغيير منهاج دراستنا اللغويّة وطريقة قياسها في الوضع والاشتقاق، وما يتبع من أشكال الاستعمال. ولذا أثرناها مناقشة صافية الذيول ليس من غرضنا فيها إلّا أن تكون بعثرة لفكرة المحافظة على التراث الاجتهاديّ الذي لا يزيد عن أنّه آراء مرسلة أفضى بها العالِم واقتنع بها كما اقتنع من قبله الطبيعيّ واللاهوتيّ..." وهنا نرى الهدف يتناسب مع ثورتك الإصلاحيّة الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة. فهل كان "المعجم" تحقيقًا لهذا الهدف أيضًا؟
بالطبع. في "المعجم" وفي "المرجع". ذلك أنّني كنت آخذ على لغويينا المعاصرين تلك المحافظة على اعتبارات لم تكن أصلًا سوى آراء، لكنّ التقييم انقلب إلى خشية، والاحترام انقلب إلى عبادة. وجدت من واجبي التأكيد أن اعتبارات المدرسة القديمة هي اعتبارات فقطـ، لا على أنّها للغة. ورثنا من اللغة ما نرزح تحته اليوم من تقاليد وعادات لم تكن في الواقع الماضي بأكثر من مغالط صيّرها التاريخ عقائد، كما قلت أكثر من مرّة. كان عليّ كما قلت منذ البداية "زحزحة باب موصد". ولا عجب، فالأحكام تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والمقتضى في كلّ ذك هو التيسير. ينطبق هذا على اللغة كما على الدين.
إنّ اللغة ومنزلتها في التصنيف الاجتماعيّ أنّها مؤسّسة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بنشاط الإنسان، تتحرّك بقانون الغاية لا السببيّة. فإذا غُلبت بقانون السببيّة الصرف، وأٌخضعت له مثلما فعل قدامى اللغويّين، انعزلت رأسًا، وانقلبت إلى بناء فوقيّ منقطع. وإذ ذاك تحدث الهوّة بينها وبين الجماعة التي ستعبّر عن وطأتها بتأفّف مكظوم، ثمّ بتحرّك انتقاضيّ للخروج.


33- هل تقبل من هذا المنطلق خروج الشعر العربيّ الحديث على الأوزان؟
أنا مبدئيًّا لا أؤمن بالأسوار والحواجز. في تاريخ الشعر العربيّ سابقات لهذا التجاوز أوّلها على لسان أبي العتاهية حين أُخذ عليه أنّه خالف أبحر الخليل في بعض أشعاره، قال: إنيّ (ويقصد الشاعر مطلقًا) سبقت الخليل.


34- ماذا تفعل اليوم؟
أنا انكفأت وانزويت أو بحسب التعبير العربي الدقيق، انخنست، منذ كتابي الأخير "أين الخطأ؟" في مطلع السبعينات حيث قامت القيامة عليّ.


35- هل تعتقد يا شيخ عبد الله أنّ اللبنانيّ سيظلّ يمارس دوره في النطاق العربيّ من ضمن استقلاليّة كيانه؟
سيظل يقوم بهذا الدور على أيّ حال لأنّه عنده معطيات إفراديّة رائعة. لكن أتساءل إلى أيّ حدّ سيظلّ يمارس دوره في النطاق العربيّ من ضمن استقلاليّة كيانه؟


36- ألا تعتقد أنّ للبنان دورًا متميّزًا وضروريًّا في العالم العربيّ؟ وكيف ترى أنت إلى مستقبل العلاقة بين لبنان وسائر الأقطار العربيّة؟
أنا أؤكّد التميّز، أمّا العلاقة فإنّني أؤمن بالتعضّي العربيّ أي أنّني من أنصارها، بأن يكون لبنان عضوًا عربيًّا، لكن أن يكون هناك استقلاليّة العضو. ذلك أنّ الأعضاء تختلف من حيث الجوهر وتختلف من حيث الوظيفة الفيزيولوجيّة.


37- ماذا تعني بالتعضّي؟
إنّني أقصد بالتعضّي العربيّ هنا الوحدة من نوع "الكونسير". أنا أتبنّى نظريّة الكونسير وليس الوحدة الاندماجيّة أو الفدراليّة أو الكونفدراليّة.


38- تقصد بالكونسير ما تقوم به حاليًّا أوروبا الغربيّة، أي العودة إلى دعوة غلادستون؟
نعم، هو مصطلح مأخوذ من مجموعة الآلات الموسيقيّة التي تؤلّف أوركسترا واحدة. أي ما يسمى أيضًا "بان – آراب". بحيث إنّ القوانين التي تطبّق في وحدة مستقلّة ضمن هذا "الكونسير" ليست بالضرورة هي القوانين نفسها التي تُطبّق في وحدة عربيّة أخرى في "عالم العربيّة". وأنا لا أقصد بهذا معنى التضامن. إنّه كلام فارغ، وليس له معنى. ذلك أنّ السؤال يطرح دائمًا من "المستفيد"؟ كما حدث في "دولة الإمارات" عندما تكوّنت. كانت الدول الغنيّة تتدلّل على إمارة الشارقة أو غيرها من الإمارات الفقيرة. من هنا كيف يمكن الكلام على التضامن؟ في أوروبا ما بعد الحرب لم يقبل تشرشل مثلًا أن يُشرك معه ديغول، زعيم فرنسا، في "مؤتمر يالطا"، لاعتبار أنّ تشرشل له معروف على ديغول يمنعه أن يساويه بنفسه. إنّ مثل هذا التصرّف هو الممنوع في الوحدة المسمّاة "كونسير" التي أراها الأنسب في "عالم العربيّة"، حيث الكلّ أسياد استقلاليّتهم ضمن السعي إلى المنفعة الواحدة المتساوية.


39- لماذا ظلّ "المعجم" و"المرجع" ناقصين؟
لأنّ العمل الذي قمت به لا يمكن إنجازه فرديًّا بل هو عمل مؤسّسة أو دولة، وهذا غير وارد الآن.