قوس قزح
 

 

عندما كنّا صغاراً، كانت ثمّة خرافة شائعة في الحيّ البائس الذي نسكنه، أنَّ مَنْ يمرُّ من تحت قوس قزح وينتقل إلى الجهة الأخرى منه، يتحوّل بقدرة قادر إلى الجنس الآخر.

وفي أحد أيام الشتاء الماطرة، ظهرت الشمس من خلال فرجة في غيوم السماء، وتشكَّل قوس قزح بألوانه الزاهية. تذكّرتُ حينها تلك المعجزة، وقرّرتُ التحوّل إلى أنثى من باب الفضول، وليس من قبيل الإعجاب بحياة الأنثى، التي كانت رمزاً للاضطهاد والظلم والتمييز. وطَفِقْتُ أركضُ باتجاه ذلك القوس، بغية الحصول على ذلك التحوّل العظيم.

لم أكن قد تجاوزتُ الخامسة من عمري في تلك المغامرة الطفولية. وبينما كنت أركض، رحتُ أقلّب الأمر على جميع وجوهه. اجتاحتني دفقةُ توجّس، وانتابتني مجموعة من الوساوس والتساؤلات؛ تُرى، بعد اجتيازي للحدّ الفاصل تحت القوس البهيج، وتحوّلي إلى أنثى، كيف سيستقبلني أهلي؟ وماذا سيقول عنّي زملائي؟ بالتأكيد سأفقد العديد من الامتيازات التي أتمتّع بها، والتي يفتقرْنَها أخواتي البنات. إذ لن يعد بمقدوري اللعب في أزقّة الحيّ بعد غياب الشمس. ولن أجلس على قارعة الطريق رثَّ الثياب حافي القدمين، أقهقه بصوتٍ عالٍ على أتفه طرفةٍ أسمعها من زملائي الصبيان. ولن أشتمهم بتلك العبارات الجنسية التي كنّا نتباهى باستخدامها حديثاً مقلّدين الكبار. وسأُحرَمُ من تسلّق أشجار غابة الصنوبر القريبة من حيّنا، لتناول الثمار وتفقّد أعشاش العصافير. لأن لباسي سيختلف. ومن المعيب أن أرتدي فستاناً أو تنورةً ويظهر كلسوني للصبيان في تلك الحالات.

عندئذٍ، قدَّرتُ النعمةَ التي أنا فيها، من أن الله خلقني ذكراً وفضَّلني على الأنثى. فعدتُ مسرعاً إلى البيت، وقد تخلّيتُ تماماً عن فكرة التحول إلى أنثى. بل واسبتشعْتُها.

لدى الاستيضاح من أمّي عن سرّ تمييز الخالق للذكر عن الأنثى، ركّزتْ أنظارها إليّ، وهربت من فمها ضحكة مكبوتة. وأجابت معتمدةً على ضحالة ثقافتها الشفهية الموروثة: «هكذا قدَّرَ الله يا بنيّ أن يكافئك عن الجيل السابق. يبدو أنك كنت صالحاً في الزمن الماضي يا حبيبي». ما زاد جوابها في حيرتي. فسألتها مجدّداً والدهشة تلتهم وجهي: «هذا يعني أن أخواتي كُنَّ مذنبات في الجيل الماضي، فغضب الله عليهنَّ وخلقهنَّ بنات؟!».

ويبدو أنها شعرت بعدم التوفيق في إجابتها عن سؤالي السابق فقالت مستدركةً: «ربَّما، ولكن أخواتك سيكونَنَّ في الجيل القادم ذكوراً يا بنيّ! ألا تلاحظ كم هُنَّ شريفات وعاقلات؟». فسألتها: «وأنت يا أمّاه؟ هل كنتِ مذنبة في الجيل الماضي؟!» ضحكتْ وداعبتْ شعري قائلةً بنبرةٍ يائسة: «لو لم أكن مذنبة لما خلقني الله امرأة يا حبيبي!». قلت لها وأنا أقارن حنانها ولطفها بقسوة أبي، الذي كان مجرّد ذكره، كافياً لخلع أفئدتنا رعباً: «أتمنَّى في الجيل القادم أن يتحول أبي إلى امرأة، وأنت إلى رجل. وأن تكوني أبي.. أرجوكِ يا أمي عِديني بذلك!» ضمَّتني إلى صدرها وهي تهمس بصوتٍ حارٍّ كالرجاء: «لا ترفع صوتك! فقد يسمعك والدك، ويغضب منك، وقد يدعو عليك، ودعواته مستجابة، كونه مفضَّلاً عند خالقِه يا بنيّ!.»
 


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية