مشكلة حزب الله
في المواجهة مع الولايات المتحدة

 

 

لكي نفهم المواجهة بين حزب الله والامبراطورية الأميركية، علينا أن نفهم التشكيلة الاجتماعية اللبنانية وآليات عمل الرأسمال المالي العالمي الذي تسيطر عليه الامبراطورية الأميركية. علينا أن نتساءل حول حول مدى انغماس حزب الله في النظام اللبناني ومدى كفاءته في إدارة الصراع الداخلي.

الوجود الأميركي في لبنان عسكري من خلال تدريب الجيش والقاعدة العسكرية في حامات التي تكاد تكون جزءاً من أرض غير لبنانية، إذ تأتي إليها وتنطلق منها الطائرات من جميع الأنواع، وتكون محملة بما نعرف ولا نعرف من الأسلحة والذخائر والأفراد والتموين إلخ...

الوجود الأميركي في لبنان أيضاً مدني محلي، إذ أن البورجوازية اللبنانية، التجارية والمصرفية، خيارها الأساسي والنهائي غربي، وهذه ليست مسألة إرادية إذ أن انخراط بلدان العالم في النظام العالمي أمر تفرضه الامبريالية، ومن لا يخضع أو يتبع تلحق به العقوبات. ولبنان الآن يخضع لعقوبات فردية وجماعية، مرئية وغير مرئية، لكنها محسوسة. إذ يخضع المجتمع اللبناني لنتائح أزمات، هي في جزء منها عقوبات ألحقها النظام الامبريالي بالمجتمع منذ ثورة 17 تشرين، وقبل ذلك؛ والنظام اللبناني يقمع المجتمع لمجرد الاحتجاج أو حتى التفكير بالاحتجاج، والامبراطورية تفرض العقوبات لمجرد التفكير بالخروج من النظام العالمي.

الوجود الأميركي في لبنان أيضاً من خلال بعض المنظمات غير الحكومية، ووسائل إعلامية ومنصات تواصل اجتماعي وحركات سياسية واجتماعية وأحزاب لا لزوم لتعدادها، كي لا تنجرح مشاعرها، إذا كان بقي لها من مشاعر.

الوجود الأميركي في لبنان هو أيضاً ايديولوجي، يضع مقولة السيادة في مواجهة مقولة المقاومة، والدولة في مواجهة “الدويلة”، والأمن في مواجهة السلاح. هو أيضاً أيديولوجيا النيوليبرالية، وما يسمى الاقتصاد الحر، الذي لم يعد حراً، وأوهام حماية الملكية الخاصة التي تتقلّص بفعل المصادرات للأملاك المنقولة وغير المنقولة. الايديولوجيا الرأسمالية، النيوليبرالية وغيرها، تصب لمصلحة نظام الامبراطورية. وايديولوجيا الأحزاب الدينية والطائفية هي أيضاً نيوليبرالية. الأولى لاستعلائها على الدولة، والثانية لنهب الدولة وتقليص مجالها. استمالة العقول والقلوب جزء من السياسة الأميركية وسبيل للهيمنة.

حزب الله يتبع امبراطورية عظيمى، تسعى قسراً للتفاوض مع الامبراطورية العظمى، وهي على استعداد للسماح للمفتشين الدوليين بالنظر في خفايا الدولة، بما يشبه ما حصل مع نظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي. وهي تسعى أيضاً لبذل الكثير من أجل رفع العقوبات عن مؤسساتها. العقوبات التي تفرضها دولة على دولة هي ممارسة نوع من الامبريالية. السيطرة الامبريالية لا تُفرض طوعاً، بل يخضع لها من يخضع قسراً بسبب فارق القوة وعدم قدرة الضعفاء على الإفلات منها. استقلال بلادنا فيه الكثير من التبعية للامبريالية، وإن لم يكن طوعاً.

ايران لا تواجه أميركا بل تسعى للتفاوض معها، بغض النظر عن التهديد والوعيد. حزب الله لا يواجه الامبريالية بغض النظر عن الكلامولوجيا الخطابية. هناك خط الـ1701 الذي يجتهد حزب الله في حفظ الاستقرار على جانبيه. السلاح تم تعطيله كأداة في الصراع ضد العدو الخارجي، على الأقل في الأمد المنظور. لا يستطيع استخدامه أيضاً في الداخل لأنه لا يرغب بذلك وغير مهيّأ لذلك. سيكون السلاح في حال ذلك باعثاً لحرب غوريلا ضده، تشبه نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي.. حسناً أنه لا يريد ذلك وأنه يسحب الذرائع ممن يملك الرغبة ولكنه يفتقر للقدرة.

الحزب متأرجح بين أن يبقى حزباً دينياً أو أن يصير حزباً طائفياً. الحزب الديني يقدم تضحياته للدين أو لله. الحزب الطائفي يخوض نضاله في مواجهة الطوائف الأخرى. لذلك تأرجح حزب الله بين الإحجام عن الدخول في الدولة والبقاء حزباً دينياً؛ بين الدخول في ما يسمى السلطة وأوحال السياسة الداخلية وفسادها أو البقاء على براءته. خطورة البطالة في مجال الصراع الخارجي أنها تجبره على الانصراف الى الشأن الداخلي. هو في الحقيقة داخل السلطة منذ عقود، ويتوهّم أو يوهم نفسه أنه غير ذلك. لكن التعالي المفتعل محاولة لإخفاء هذه الحقيقة. وهذا ما قاده الى أن يكون شريكاً مع الآخرين في عدم تطبيق اتفاق الطائف الذي أدمج في الدستور. ما زال حزب الله يحن الى بداياته كحزب ديني، معتبراً أفعاله تكليفات شرعية مؤداها التسليم لله، لكنه يمارس أرضياً ومادياً كما الأحزاب الأخرى، وكحزب ذو أولوية عليها في السلطة اللبنانية.

يقول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أعطونا دولة، فكأن ذلك رهن بتصرف الآخرين. الأجدر كان، وما يزال، المشاركة في إنشاء الدولة وإرساء دعائمها. الحزب الأقوى في لبنان لا يقول أعطونا دولة، بل ينخرط مع الآخرين في بنائها. وهذا ما لم يفعله حزب الله حتى الآن. الدولة تُبنى تراكمياً، مدماكاً فوق مدماك. ذلك يكون بالسياسة وتراكم التسويات والاعتراف بالآخرين كشركاء لا كمتهمين. القانون يحاكم العملاء والمتهمين والمدانين. في السياسة الجميع شركاء. يعتبر الحزب نفسه أنه متسام أخلاقيا على الآخرين (وهذا معنى الحملة ضد الفساد، وهي حملة ضد قضية الفساد لا ضد الفاسدين، إذا لم نرَ أحداً يحاكم، وإذا طُلب أحدهم للتحقيق يمتنع ونُفاجأ بالحزب شريكاً في حمايته). هذا الاعتبار لتسامي الذات فيه إلغاء للسياسة. مشكلة حزب الله أن تناقضاته الفكرية وشطحاته الايديولوجية تضع حاجزاً بينه وبين السياسة، ولو شارك في الوزارات والانتخابات، مع الزعم أن لا يتعامل مع الآخرين على أساس سياسي. الانخراط في السياسة يتطلّب برنامج عمل متعلّق بشؤون الناس لا مجرد شطحات ايديولوجية، مرة باسم مواجهة إسرائيل، ومرة باسم مواجهة الامبراطورية. القواعد الأميركية العسكرية موجودة في لبنان منذ عقود، وكان النظر مغضوضاً عنها، وهذا الأمر يطرح علامات إستفهام؟

جوهر اتفاق الطائف هو أن لا يكون في لبنان أعداء، بل أن يكون الأطراف خصوماً. الخصوم يتنازعون بالسياسة. وهذه تعني الحوار. وأجدر الحوار ما كان بين وجهات نظر مختلفة متناقضة. اختلاف أمتي رحمة. في الاختلاف حافز لشحذ العقل وإبداع الأفكار. تبادل الاتهامات ليس حواراً، ولا يمت إلى السياسة بصلة. تبادل هو في جوهره استعلاء على الآخرين، كأن تعتبر هذه السفارة أو تلك أنسب أخلاقياً من الأخريات.

اتفاق الطائف طريق للسياسة والحوار والعيش سوية، العيش سوية كأنداد. تلاشي السياسة طعنة في الاتفاق. الاستعلاء الأخلاقي نقيض للسياسة. القول أن لا دولة هو في أساسه تبرير لعدم الانخراط فيها وعدم المشاركة في العيش سوية مع الآخرين واعتبار الخصوم أعداء. وضع اتفاق الطائف حداً للحرب الأهلية، وكان يفترض أن يكون بداية للانتقال من حال العداء إلى حال الخصومة. العداء يعني النزاع بالسلاح. الخصام يعني النزاع بالرأي. العداء بالسلاح يعني الحرب الأهلية. الخصام بالرأي يعني السياسة. والاختلاف يعني العيش سوية. لو كان الأمر خصومة بالسياسة والحوار لما عاد للسلاح معنى أو أهمية، سواء كان بيد حزب الله أو غيره، ولما عاد لرفع الشعار بوجه حزب الله معنى. الأمر يعتمد على حزب الله وخياره بين الدخول في السياسة أو بقائه بعيداً عنها. قريباً منها ومُنكراً لها.

يخشى حزب الله استلام السلطة في لبنان، وهو الأقوى بين الأطراف. يعرف أنه في الايديولوجيا الدينية التي يحملها والتي يفترض أن يبشّر بها، لا يستطيع فرض أسلوب عيش آخر على اللبنانيين وهم على ما هم عليه من تنوّع وتعددية. استلام السلطة يعني إدارة شؤون المجتمع، وايديولوجيا الحزب تتطلّب تغييراً في المجتمع يعجز عنه.

متاهة فكرية ومأزق ثقافي. عدم القدرة على الانتقال من تعبئة فرضتها مرحلة نضال التحرر الوطني (تحرير الجنوب اللبناني والبقاع الغربي) الى مرحلة السياسة تعني أشياء لا يستطيع حزب الله التفكير فيها. مواجهة الامبريالية أمر واجب. هي مواجهة تستدعي مواجهة الرأسمالية وبناء مجتمع مفتوح قاعدته العمل والإنتاج. لا يفيد في ذلك نقل المفهوم من مقاومة إسرائيل الى مقاومة أميركا بالشروط ذاتها. المفيد هو الانتقال من مفهوم الى مفهوم آخر يستجيب لمرحلة جديدة. التعبئة الثقافية، بالأحرى الدينية، كانت مفيدة في مرحلة ما، برغم ما ارتكب تجاه فصائل مقاومة أخرى، لم تعد مفيدة أو مجدية بعد تحرير الجنوب. الدليل أن حزب الله اضطر الى تحالفات مع أطراف أخرى هي عبء عليه، وهذا ما يُفسر سقوط رموز وفوز رموز في الإنتخابات الأخيرة.

ليس عيباً تغيير المفاهيم مع تغيّر الظروف الموضوعية التي أدت إليها. العيب هو الاحتفاظ بالمفاهيم نفسها عن واقع تغيّر وتحوّل. مأزق حزب الله هو في معالجة الأمر الداخلي.

مواجهة الامبريالية والامبراطورية والنظام العالمي المعولم تستدعي تفكيرا من نوع آخر. أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونتعامى عن واقع جديد ليس حلاً. مواجهة الامبريالية تتطلّب مواجهة مع الذات أيضاً.