مِقلاة الشهوة
 

 

(1)

صحيحٌ أن المرء في انتقاله من محطةٍ حياتية لأخرى قد يأخذ معه إيجابياته وخبراته وتجاربه التي من الممكن أن تفيده أو تفيد الغير في البقعة التي انتقل إليها، ولكن لا يُنسى أيضاً بأن الأسقام السيكولوجية كذلك الأمر تنتقل مع الإنسان أينما حلَّ أو ارتحل، وما من اختلافٍ جذري بين حالة المرضى إن كانوا في مكان سكناهم الأوَّل أم في مسكنهم الجديد، في الداخل أم في الخارج، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر، فإن الكائن المتشبع بقيم المجتمع السلبية كالنميمة والنفاق والتلصص وخيانة الأمانة والدونية لن يطمر عيوبه ويرحل، إنما ستلازمه تلك المثالب أينما ذهبَ واستوطن، وحيث أن المعلول الذي كان يتماهى مع قيم المستبد وطريقة عيشه واسلوب حياته في الداخل، بعد الهجرة أخذ علته معه، ومن جديدٍ صار يتماهى مع قيم مَن آواه وأطعمه في الخارج، ففي الداخل كان يُحاكي سلوكيات المتسلط من باب التودُّد أو الجبن أو الدونية لكسب رضاه، وفي الخارج راح يعيش علته نفسها ولكن مع شيءٍ من التحوير، باعتبار أن أجهزة الدولة في تلك البلاد لا تحتاج إلى فيالقَ من المنافقين والمطبلين، ولكن رغم ذلك فإن السقيمَ مِن قبلُ غدا يتشبّه بأصحاب المكان الجديد تقرباً منهم لما في التزلف حسب تصوره منافع مادية لا تحصى؛ عموماً ففي هذا الصدد وللاستزادة فلا يزال الباحث اللبناني مصطفى حجازي في كتابه (سيكولوجية الإنسان المقهور) خير مرجع للتعرف على خلفيات المصابين بتلك الأسقام.

(2)

كانت العادة لدى بعض فناني وشعراء بلادنا، إعلان شكواهم الدائم وتبرمهم من الواقع لكونهم يعملون في مجالات أخرى لا ترتبط بمجالات إبداعاتهم، فعندما كانوا في بلادهم كانوا يشتمون الدولة أو المجتمع الذي لا يقدِّر مكانتهم، إذ لم يكن واحدهم راضٍ عن واقعه، بل تذمرهم المتواصل كان كفيلاً باستجلاب غيوم اليأس مِن على بُعد آلاف الكيلومترات، وكانوا يعبّرون عن نفورهم المتواصل من محيطهم الاجتماعي الذي لا يقدّر حذاقتهم، إذ كان حلم أي واحد منهم أن يكون في المكان الذي يرى نفسه بارعاً فيه، لذا كانوا غاضبين على بيئتنا التي لم تقدم لهم الفُرص لإظهار قدراتهم وجواهرهم المخبأة؛ ولكن الغريب في الأمر هو أن الكثير مِن هؤلاء وحسب ما نسمع، يعملون الآن في بلاد الغربة في مهنٍ هي أحقر بكثير من المهن التي كانوا يمارسونها في بلادهم، ومع ذلك لا نراهم يتذمرون أو يتحدثون عن المعاناة المماثلة للتي كانوا دائماً ما يتأففون منها في بلادنا، مَن يدري لعل إعادة تكرار شكواهم في تلك البلاد ستُشعرهم بالخجل المحتوم، طالما كانوا قد رسموها لهم ولغيرهم على أنها بمثابة جنان الخلد في الدنيا، ومعلوم أن النفر في الفردوس وفق الكتب السماوية معفى من العمل وكل طلباته طوع رغباته!

(3)

الذين كانوا ينتقدون الحركة السياسية ليل نهار في البلد، ويتهمونها بالتكلس والانتهازية والخذلان والتقصير هم أوَّل من مارسوا معظم تلك المثالب التي نعتوا الحركة بها، ومع أنهم كانوا من دعاة التغيير المجتمعي إلاّ أنهم في أوَّل فرصةٍ لهم داسوا على تلك المفردات في الماراثون الحقيقي في الحياة، وفرّوا بجلودهم قبل السياسي، وتملصوا من كل استحقاقات التغيير الذي كانوا ينادون به بمناسبة وبدونها، ومع أن على من يطعن ويلوّح بمقابح جماعةٍ ما على سلوكيات معينة عليه أن لا يُحاكي تلك التصرفات البتة، إلاّ أن أخانا المنتمي لطبقة المثقفين لم يحاكيهم فحسب، إنما سبق الكائن الحزبي في كل ممارساته، أما بخصوص ما كان يدعو إليه سابقاً ومن ثم تملّص منه لاحقاً، فكل ما قيلَ في ليل الشرقِ محاهُ طلوع النهار في الغرب.

(4)

لا شك بأن تشجيع المرأة على خوض تجربة الإبداع في أي مجالٍ كان شيء، والتطبيل لها لغاية شخصية لا تمت للإبداع بصلة شيء آخر، ومن جهتي كمواطن متصالح مع نفسه نوعاً ما، فلا ألتفتُ قط لأيَّة كتابة تفوح منها الرائحة الذكورية عن تجربة المرأة عندما يكون المادح يريد شيئاً شخصياً من الممدوحة، وما زلتُ قيد التصوُّر بأن الكاتب الذي يشبه السلوقي في ملاحقة النسوة هو كأي فاسق شهواني في الشارع، إلاّ أنه فالح في تغليف تصرفاته الشوارعية بأردية المعرفة والثقافة، وهو بخصوص مكتوباته عنها لا يكتب إلاّ عن غرائزه المؤججة وليس عن إبداعات المرأة، فالكاتب المهووس بالنساء ربما كان من الأفضل قراءة منتجاته المتعلقة بالبقر أو الشجر أو الحجر إلاّ النساء فلا تأخذوا منه حيالها غير الباطل، لأن مكتوبه مجرد صنارة، وتلك التي يُهلل لها هي السمكة التي يريدها طازجةً في مِقلاة شهواته، وبما أن غايته آنية فإن ضَجِر منها بعد طول التودُّد إليها، أو فشِلَ في الحصول على وطره منها، بدأ كالجزّار بشحذ سكاكين النقدِ، وباشر بشن غارات الهجاء على مواقعها.

(5)

بما أن لكل عصرٍ أمراضه، فمن بعض أسقامنا الراهنة هو ارتفاع جميع الأصوات الإيجابية والسلبية في الوقت ذاته، بما فيها تلك التي لا تستسيغها الأسماع لما تتضمنه من نشازٍ غير مستحب، إذ في الذروة التحشيدية التي تبلغها بعض الأطراف المتناحرة في بقعةٍ جغرافيةٍ ما، وفي ذروة التناحر الخطابي لا ينفع حضور العقل وصاحبه، ولا يُحبذ مجيء مَن كان مِن فِرقة الموضوعية والمنادين بالعدل والمساواة، لأن الخطاب المتطرف سواء كان ديني أو قومي أو مذهبي أو حزبي هو الذي يسوق الأسراب البشرية حينها في براري وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص في ميادين (الفيس بوك)، ومن غير الصوابِ عندئذٍ أن يقفَ المنادي بالعدلِ أمام حشدٍ محقونٍ لا قدرة له على التمييز بين الحق والباطل.