|
من خلال محاولة استقرائية عابرة للخطاب والممارسة، على طول الامتداد العربي غربا وشرقا، يمكن أن نستنتج أن وعيا عربيا
جديدا بدأ في التشكل وسيكون له ما بعده!
من خصائص هذا الوعي الجديد:
* إفلاس المشروع الإيديولوجي القومي الذي كان يختزل العروبة في شعارات سياسية قابلة
للاستهلاك والاستغلال، من طرف الدوغمائية العسكرية ونخبتها المترهلة التي تعيش
على الفتات. وفي المقابل، بدأت العروبة تستعيد زخمها الحضاري المتفاعل مع ثقافات
الشعوب، باعتبارها مكونا أساسيا من البراديغم المعرفي الذي شكل رؤية عالم منسجمة
لفضاء ممتد من آسيا إلى إفريقيا.
*إفلاس المشروع الإيديولوجي الإسلاموي، بجناحيه السني والشيعي، الذي اختطف
الإسلام، لعقود، ووظف قيمه وتعاليمه من منظور سياسي مختزل. وفي المقابل، استعاد
الإسلام زخمه المعرفي، باعتباره منظومة قيمية وفكرية تحكمت، لقرون، في صياغة تصور
حضاري ممتد عبر قارات العالم.
** إفلاس المشروع الإيديولوجي العرقي، بلباسه الأمازيغوي والكردي والفرعوني،
واستعادة هذه الخصوصيات الثقافية لتجذرها المعرفي باعتبارها جزءا لا يتجزأ من
الهوية العربية الجامعة التي قامت، على مر التاريخ، على روح التعددية والاختلاف،
مما ساهم في تحصين هذه الخصوصيات وحمايتها من التفكك والاندثار، كما حدث لثقافة
الهنود الحمر في أمريكا، والثقافات الإفريقية التي تعرضت للاستئصال على يد
الفرنكو-كولونياليين واستبدالها بثقافة فرنكفونية هجينة .
هذا الإفلاس الإيديولوجي العابر للقوميات والعرقيات والجماعات الدينية، فرصة
تاريخية تتاح للنخبة الفكرية والسياسية من أجل تحرير العقل العربي من الاختطاف،
فبعد قرن كامل من الاحتباس الإيديولوجي الذي أثر على المناخ العام ونشر الجفاف
والقحط، تتاح هذه الفرصة التاريخية التي بإمكانها تحرير طاقتنا الجماعية وإطلاق
فعلنا التاريخي من جديد.
هذا، كان مشروع الفكر العربي المعاصر، ذي الاتجاه العقلاني النقدي، الذي ساير
المرحلة الإيديولوجية، نقدا وتفكيكا، وبين عورتها، سواء من منظور ابستملوجي يبحث
عن خلل الواقع في خلل العقل، أو من منظور تاريخاني يبحث عن خلل تجربتنا التاريخية
في ضوء التجارب الإنسانية المقارنة، وفي علاقة بالمسار الوضوعي للتاريخ.
لحظات الانتقال/التحول/الطفرة ليست قابلة للتلقي والهضم من طرف الكثير من النخبة
فما بالك بالحشود! لذلك، لا يجب أن نشك، لحظة، في جدوى التحول الشامل الذي يعيشه
العالم العربي، يجب دعم التغيير من خلال دعم القرارات الصادرة عن الفاعل السياسي
العربي الجديد، من المغرب إلى الإمارات والسعودية ومصر، وفي نفس الآن يجب التجند
لهدم ما تبقى من قلاع إيديولوجية منغلقة تتحصن داخلها جماعات متطرفة ونخب دوغمائية
مترهلة.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |