فَنُّ النَقْد السِيَاسِي
 

 

هذا مقال نَظَرِي سِيَّاسِي، يَتَنَاوَلُ مَوْضُوع "فَنُّ النَّـقْد السِيَاسِي". والمَقْصُود هنا بِـعِبَارَة "النَّـقْد السِيَاسِي" هُو تَبَادُل الْاِنْتِـقَـادات الفِـكْـرِيَة والسِيَاسِيَة، فيما بين أشخاص أو جماعات، حَوْل قَضَايَا نَظَرِيَة أو سِيَاسِيَة. وَيُحَاوِل هذا المقال الإِجَابَة على الأَسْئِلَة التّألية : لِماذا نَحْن البَشَر، نَتَلَافَـى عَادَةً مُمَارَسَةَ النَّـقْد (سَوَاءً كان هذا النَّـقْد نَظَرِيًّا، أم سِيَّاسِيًّا) ؟ وَلِماذا لَا يَتَحَمَّلُ عَادَةً البَشَر التَـعَرُّضَ لِلنَّـقْد، رغم اِحْتِيَّاجِنَا جَميعًا لهذا النَّـقْد، بِهَدَف إِبْرَاز، وَمُـعَـالَجَة، مَا فينا مِن نَقَائِص، أو لِتَصْحِيح مَا نَحْمِلُه مِن تَصَوُّرَات فِكْرِيَة خاطئة، أو لِتَـقْـوِيـم مَا قَدْ نَنْزَلِـقُ فيه مِن مُمَارَسَات سِيّاسية رَدِيئَة، أو مُنْحَرِفَة ؟ ولماذا بعض الأنواع من النَّـقْد السياسي (خُصُوصًا فيما بين المُناضلين، وَفيما بين قِوَى اليَسَار المُتَنَافِسَة) يَخْلُق مِن المَشاكل أكثر مِمَّا يُـعَالج ؟ وَمَا هو أُسْلُوب النَّـقْد السياسي الذي يَـقْـبَلُه الشَّخص المُنْتَـقَد، وَيَنْـفَعه ؟ وعلى عَـكْس ذلك، ما هو نَوْع النَّـقْد السياسي الذي يَـفْـشِل، دُون تَحْـقِـيـق هَدفه الأصلي، والذي هو إِصلاح الشَّخْص المُنْتَـقَد ؟ وما هو مَنْهَج النَّـقْد السَّلِيم الذي يُـفِـيد المُناضلين، أو المُواطنين، أو القِوَى السياسية الثورية ؟ وَمَا هو نَوْع النّـقد الذي تَحْتَاج قِوَى اليسار إلى تَبَادُلُه فِيمَا بَيْنَها، بِهَدَف اِكْتِشَاف أخطائها، وَتَـقْـوِيمِهَا؟

 مَا هُوَ النَّـقْـد السِيَّاسِـي؟

كَيْفَ نُـعَرِّفُ النَّـقْد السياسي ؟ في جَوْهَرِه، النَّـقْد السياسي هو بَحْثٌ عن الحقيقة الثورية، بِهَدَف إِبْرَازِهَا، وَنَشْرِهَا، وَتَثْبِيتِهَا، وَمُنَاصَرَتِهَا، وَتَطْبِيـقِـهَا. وكلّ نَـقْد سيّاسي لَا يَـكْشِفَ الحقيقة الثورية، أو لَا يُوَضِّحُها، أو لَا يُدَافِع عنها، فَهُوَ لَيْسَ بِنَـقْد جَيِّد. بَل قَد يَتَحَوَّل هذا "النـقد" النَّاقِص إلى مُغَالَطَات.

وَمِن الطَّبِيعِي أن يَـفْضَحَ النَّاقِد السياسي الْأشخاصَ الاِنْتِهَازِيِّين، أو المُخادعين، أو المُناصِرِين لِلْاِسْتِـغْـلَال، أو لِلاستبداد. كما أنه مِن الطَبيـعـي أن يكون النّاقِد السياسي شَخْصًا مُتَنَازَعًا حَوْلَه، بين مَن يُـقَـدِّرُونَه، وَمَن يَـكْرَهُونَه.

ولماذا يجب على المُناضلين أن يَـهْتَـمُّوا بِالنَّـقْد، وَأن يَتَلَافُـوا المَدْح؟ لأنّ الْمَدْح هُو عَـكْس النَّـقْد. فَإذا كان المَدْح يُـفْرِطُ في وَصْـف الْإِيجَابِيَّات، أو يَخْتَلِـقُـهَا، أو يُضَخِّمُها، أو يُعَظِّمُهَا، فإن النَّـقْد يُبْرِزُ النَـقَـائِص، وَيَكْشِـفُ الأَخْطَاء، وَيَذْكُر السُّبُـلَ لِتَصْحِيحِهَا. وَتُوجَدُ بِالضَرُورة في كلّ شخص بَشَرِي إِيجَابِيَّات وَسَلْبِيَّات. وَكُلّ مَدْح يُرَكِّزُ على إِظْهَار الإِيجَابِيَّات، فإنه يُـشَجِّـعُ الشَّخْصَ المَمْدُوحَ على الغُرُور. بَيْنَما النَّـقْد الجَيِّد يُوقِضُ الْاِنْتِبَاه، وَيَحُثُّ على التَوَاضُع، وعلى وَاجِب التَحَسُّن. وحينما نُرَكِّـزُ في النَّـقْد على السَّلْبِيَّات المَوْجُودَة في أَفْـكَـار، أو في سُلُوكِيَّات، شخص مُحَدَّد، فهذا النَّـقد لَا يَـعْـنِـي، وَلَا يُبَرِّر، نُـكْـران ما يُوجد في هذا الشَّخْص مِن إِيجابِيَّات.

 مِـثَـال لِلنَّـقْـد السِيَاسِي

لِنَبْدَأ الآن بِتَنَاوَل مِثَال مَلْمُوس في مَجَال النَّـقْد السيّاسي. وَلِنُبْرِز أَهَمَّ اِنْتِـقَاداتِه، وَمَنَاهِجِه. وَمِن بعد، سَنَـعْـرِضُ الرُّدُودَ على هذا النَّـقْد، ثُمّ الأخْطَاء المَنْهَجِيَة الوَارِدَة في هذه الرُدُود.

2.1- في يوم الاثنين 6 يونيو 2016، نَـشَرَ المناضل عبد الله الحــريف (وهو من "حـــِزب النَّهْج")، مَـقَـــــالًا تحت عنوان «نَـقْد بعض الأفكار الخاطئة». وحاولَ عبد الله الحريف في هذا المقال الإِجَابَة على السُّؤال: «لماذا لا نتـقدّم بما فيه الكفاية كماركسيين في إنجاز المهام الاستراتيجية». (وَلِمَنْ يَرغب في الاِطِّلَاع على مقال عبد الله الحريف، يُمكن أن يَجِدَه في مُدَوَّنَة "نُـقَّاد"، على صفحة "نُـقَّاد مُتَنَوِّعُون"، فَصْل "نَـقْد قِوَى اليسار"، (نقاد-متنوعون). وتناول عبد الله الحريف عِدّة قضايا في هذا المقال. منها مثلًا : وحدة اليسار، وبناء الجبهة، والمشاركة في الانتخابات، وقضية الصحراء الغربية، إلى آخره.

وَعَرَض عبد الله الحريف في هذا المقال بعض الانتـقادات التي وَجَّهَها إلى بعض قِوَى اليسار (مثل حزب الاشتراكي الموحّد، وحزب الطليعة الدِّيمُوقْرَاطِي الاشتراكي، و حزب المؤتمر الاتحادي، و"فِيدِيرَالِيَة اليَسار الدِّيموقراطي"). وطرح عبد الله الحريف، ضِمْنَ اِنْتِـقَاداته، أن قِوَى "فيديرالية اليسار" تَلْتَزِمُ بِـالمُشاركة في «الانتخابات ... [التي] تُـكَرِّسُ شَرْعِيَة المَخْزَن» (والمَقْصُود بِـ "المَخْزَن" في المَغْرب هو النظام السياسي المَلَكِي القائم فيه). وَتُطَالِب أَحْزَاب "فيديرالية اليسار" بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة»، وَتُريد «تَحْقِيقَهَا مِن خلال تَوَافُـقَات فَوْقِيَة مع المَخْزَن»، بَدَلًا مِن العَمَل على إِسْـقَاطِ هذا النظام السياسي بِثَوْرَة مُجتمعية. لأن التَجْرِبَة أَكَّدَت أن هذا النظام السياسي «غَير قابل للإصلاح». وطرح الحريف أن مُشاركة "حزب الاتحاد الاشتراكي" في «التَنَاوُب» على الحُكُومَة (بين سنتي 1998 و2002) «أَدَّى إلى إِضْعَاف اليسار». وَاتَّهَمَ الحريف قِوَى "فيديرالية اليسار" بِـ «الذَّيْلِيَة التامّة لمواقف ومُبادرات المَخْزَن» في مَجَال قَضِيّة الصحراء الغَرْبِيَة. وكتب الحريف «أن "حِزب المُؤتمر الوطني الاتحادي" [هو] مُجَرَّد واجهة لِنَـقَابَة "الكُنْفِيدِيرَالِيَة الدِّيمُوقراطية لِلشُّـغْل"، التي تلتـزم قيادتها بالسِّلْم الاجتماعي، على حِسَاب الطبقة العاملة... وَتَتَوَاطَؤُ مع المَخْزَن». وقال الحريف أن «قيادة "الحزب الاشتراكي الموحد" تُـؤَكِّد أنها ليست ضِدَّ المَخْزَن». أَيْ أنّ "الحزب الاشتراكي الموحد" يَعْمَل بهدف إصلاح النظام السياسي مِن دَاخل مُؤَسَّـسَاتِه، وَيَرْفُض المُشاركة في أَيِّ نضال يهدف إلى إِسْقَاط النظام السياسي. وقال الحريف أن «خَطًّا سِيَّاسِيًا يَمِينِيًّا... يُهَيْمِنُ داخل "حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"... [وداخل] "فيديرالية اليسار الديموقراطي"». وَنَدَّدَ الحريف بِـ «أَوْهَام التَوَافُـق مع المَخْزَن». وَفَسَّر الحريف تلك المَوَاقِـف بِوُجُود، أو بِـفِـعْـل، فِـئَـات طَبَـقِـيَـة، هي مثلًا «أَرِسْـتُوقْرَاطِيَة عُمَّالِيَة تَسْتَـفِـيد مِن الرِّيع النَـقَابِـي... وَمُحَامُون يَستـفيدون مِن فُتَات النظام... وَمُـقَاوِلُو المُجتمع المدني الدين اِغْتَنَوا بِـفَضْل دَعم الدولة... والفِئَات العُلْيَا مِن البُورجوازية الصُغْرَى... ومُحامون، وأطبّاء، ورجال التعليم العالي...».

2.2- وعلى خِلَاف رُدُود بعض المناضلين، ليست هذه الآراء السَّابِـقَة (التي طَرحها عبد الله الحَريف) شَتْمًا، وَلَا إِهَانَةً. وَلَا تُوجَد هذه الآرَاء عِنْد عبد الله الحريف وحده. وَلَيْسَت اِكْتِشَافَات جَدِيدة. وَإِنَّمَا هي آرَاء، أو قَنَاعَات شَائِـعَة نِسْبِيًّا، وَمُنْتَشِرَة مُنذ عُـقُود، لَدَى بَعْض يَسَار "حزب الاتحاد الوطني لِلقُوَّات الشعبية"، وَلَدَى نِسْبَة هَامَّة مِن المُناضلين الماركسيّين الْلِّينِينِيِّين، والماركسيِّين الثوريين في المغرب. وَلِتَوْضِيح ذلك، يُمكن أن نَـكْـتَـفِـيَ بِـعَرْض مِثَال قَضِيَة سيّاسية وَاحِدَة، مُخْتَلَـف حَوْلَها، هي قَضِيَة «الْاِعْتِـقَـاد بِإِمْكَانِيَة إِصْلَاح النظام السياسي القائم في المغرب مِن دَاخِل قَوَانِينِه وَمُؤَسَّـسَاته». حيثُ أن أَسَاس المُطالبة بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة» في المغرب، هو بِالضَّبْط «الْاِعْتِـقَـاد بِإِمْكَانِيَة إِصْلَاح النظام السياسي القائم في المغرب، مِن دَاخِل مُؤَسَّـسَاته»، وذلك عبر الانتخابات العامّة، والبرلمان، والجماعات المحلّية، الخ.

2.3- وَمُنْذُ ظُهُور "حَرَكَة 20 فبراير" في سنة 2011، أحَـسَّ "حزب الاشتراكي المُوَحَّد" أن جُزْءًا مُتَزَايِدًا من الحركات النضالية الجماهيرية تَطْمَحُ إلى «إِسْقَاط النِظَام السياسي» القائم في المغرب. فَتَحَوَّل هذا الحزب إلى نَوْع مِن «رِجَال المَطَافِـئ». وَأَخَذ "حزب الاشتراكي المُوحد" يُدَافَـعَ بِشِدَّة على «ضَرُورة إِبْـقَاء كلّ التَحَرُّكَات النِضَالية الجَارِيَة في المَغرب تَحْتَ سَـقْـف المُطَالَبَة بِالْمَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة». وَنَظَرًا لِأَهَمِّيَة الدَّوْر المُفَرْمِل (freinant) الذي كَانَت، وَمَا زَالت، تَـقُومُ به نَظَرِيَة «سَـقْـف المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة» تُجَاهَ النضالات الجماهيرية المُشتركة، نَحْتَاج هُنَا إلى الإشارة، وَلَو جُزْئِيًّا، لِبَـعض الانتـقادات المَنْهَجِيَة المُوَجَّهَة إلى أنصار أُطْرُوحَة المُطَالَبَة بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة».

وَيَـثِـقُ أَنْصَار المُطَالَبة بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة» في إِمْكَانِيَّة إِقْنَاع المَلِك بأن يتحوّل مِن «مَلِك يَسُود وَيَحْكُم»، إلى «مَلِك يَمْلُك وَلَا يَحْكُم». وَيَصِفُون كُلَّ مَن لَا يُوَافِق على هذه الأُطْرُوحَة بِكَوْنِه «جَذْرِيًّا»، أو «مُتَشَدِّدًا»، أو «يَسَارِيًّا مُتَطَرِّفًا»، أو «إِرْهَابِيًّا». وَيَـعْـتَـقِـدُ أَنْصَار مَطْلَب «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة» أنهم قَادِرِون على إِقْـنَاع المَلِك بِأَنْ يَتَطَوَّرَ مِن «مَلِك اِسْتِبْدَادِي يَحْتَكِرُ كل السُّلُطَات»، إلى «مَلِك دِيمُوقْرَاطِي لَا يُمَارِسُ أيّة سُلْطَة سياسية في البلاد». وَيَظَنُّ أَنْصَار مَطْلَب «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة» أنه بِإِمْكَانِهم تَحْوِيل هذا «النِظَام المَلَكِي المُطْلَـق» إلى «مَلَكِيَة دِيمُوقْرَاطِيَة»، فَقَط بِوَاسِطَة الخِطَابَات السِّيَاسية، وَبِوَاسِطَة المُطَالَبَة السِّلْمِيَة وَحْدَهَا، وَبِوَاسِطَة الْاِقْنَاع المَنْطِـقِـي وَحْدَهُ. وهذا تَصَوُّر غَرِيب لِلصِّرَاع الطَبَـقِـي. لكن هذا الاعتـقاد هو وَهْمٌ هَائِـل. وَلِمَاذَا؟ لأن النظام السياسي القائم في المغرب، بُـنِـيَ بِالضَّبْط بِطَريـقَـة خَاصَّة وَدَقِيقَة، لِكَيْ يَسْتَحِيلَ على كُلّ الفَاعِلِين السياسيّين تَغْيِير هذا النظام السياسي مِن داخل قَوَانِينِه وَمُؤَسَّـسَاتِه. وَلِأَنَّ هذا النظام السياسي يُدْرِكُ أن الكَثِير مِنْ التطورات التي تَحْدُثُ، سَوَاءً دَاخِل شَعب المغرب، أم في الوضع العالمي، تَضْـغَطُ عليه بِـقُـوَّة في اِتِّجَاه تَـغْـيِير، أو تَجَاوُز، هذا النَّوْع مِن النظام السياسي القَدِيم. وَلِأَنّ هذه التَهْدِيدَات المُتَوَاصِلَة (الدَّاخِلِيَة والخَارِجِيَة)، تَدْفَـعُ دَوْلَةَ هذا النظام السياسي إلى التَرْكِيز على هَدَف أَسَاسِي وَاحِد، هو العَمَل على ضَمَان اِسْتِمْرَارِيَة وُجُودِه، بِكُلّ الوَسَائِل المُمْكِنَة (بما فيها التَرْكِيز على القَمْع، وَإِرْهَاب الدَّوْلَة، وَالتَحَالُف التَبَـعِي مع الإِمْبِرْيَالِيَّات الغَرْبِيَة، ومع أَمْرِيكَا، ومع إِسرائيل، ومع السَّـعُودِيَة، لِاسْتِجْدَاء حِمَايَتِهِم). وَدِفَاع هذا النظام السياسي عن شِـعَار «الجَمْع بَيْن الأَصَالَة والمُعَاصَرَة» هو دَلِيل على أنّ هذا النظام السياسي يَـعِـي أنه يُجَسِّدُ «مُفَارَقَة تَارِيخِيَة» (anachronisme)، وَأَنّه يَـعُود إلى عُصُور عَتِيـقَـة وَمُتَجَاوَزَة. وَلِأَنّ التاريخ الحديث لِلْمَغرب، يُؤَكِّدُ هُو نَـفْسُه، أن الاِعْتِـقَـاد بِإِمْكَانِيَة إِصْلَاح هذا النظام السياسي، مِن داخل مُؤَسَّـسَاتِه، هو خَطَأ سياسي قَاتِل. وَمُجْمَل الأَجْيَال المُتَوَالِيَّة مِن المُـعَارِضِين السياسيِّين، الذين اِرْتَـكَـبُوا هذا الخَطَأ، أَدَّى بهم إلى التَـعَـرُّض لِلتَّـرْوِيض (من طرف هذا النظام السياسي)، ثُمّ إلى التَهْمِيش، ثُمّ إلى الاِنْحِلَالِ، ثُمّ إلى التَلَاشِي. وَمُنذ قُرابة سنوات 1960، رَاجَت تَحْذِيرات بعض القَادَة المناضلين الثوريّين البَارِزِين (مثل الشَهِيد المهدي بن بركة، ثُمّ الشَهِيد عمر بنجلّون، ثُمّ أحمد بنجلون، الخ). وكانت تَحْذِيرَات هؤلاء الزُعَمَاء الثوريّين تُنَبِّـهُ إلى أن هذا الاعتـقاد (بِإِمكانية تَغْيِير هذا النظام السياسي مِن دَاخِل مُؤَسَّـساته) هُو وَهْم مُخَدِّر.

وَرَغْم هذه التَحْذِيرَات، فإن العديد من الشّخْصِيَّات، والمُـثَـقَّـفِـيـن، والـقِـوَى السياسية المُعَارِضَة، المُـعْـتَـدِلَة، أو التَـقَـدُّمِيَة، ظَلُّوا كُلُّهُم، أو مَا زَالُوا، يُؤْمِنون بهذا الوَهْم المُنَـوِّم. كَأَنَّ هذا النظام السياسي اِسْتَطاعَ «التَـلَاعُب» (manipulation) بِـعُـقُول هؤلاء الأَشْخَاص السياسيين، المُؤْمِنِين بِأُطْرُوحَة «إِمْكَانِيَة تَـغْـيِير النظام السياسي مِن دَاخِل مُؤَسَّـسَاتِه». وَلَوْ أنّ التَارِيخ الحَدِيث لِلمغرب يُثْبِتُ، في كلّ مَرّة، أَنّ كُلّ حِزْب سِيَّاسِي آمَنَ بِـ «إِمْكَانِيَّة إصلاح النظام السياسي القائم في المغرب، مِن دَاخِل مُؤَسَّـسَاتِه»، اِنْتَهَى به الأمر إلى التَدْجِين، وَالضُّـعْـف، وَالتَشَرْذُم، ثُمّ الْاِنْدِثَار.

وَبَدَلًا مِن أن تَـقُوم هذه الأَحْزَاب المُـعْـتَـدِلَة، أو التَـقَـدُّمِيَة، أو «الاِشْتِرَاكِيَة»، بِـتَـغْيِير طَبِيعَة هذا النظام السياسي المَلَكِي المُطْلَق، فإن هذا الأَخِير هو الذي نَجَحَ، في كُلّ مَرَّة، في تَـغْـيِير هذه الأَحْزَاب إلى أحزاب مَلَكِيَة، مُدَجَّنَة، وَخَاضِـعَة، وَمُخَدَّرَة، وَمُنَوَّمَة. وَتَتَـحَـوَّلُ هذه الأحزاب المُعْتَدِلَة هي نَـفْـسُهَا إلى «مُخَدِّر» لِبَاقِي مُوَاطِنِين الشّعب الطَّامِحِين إلى التَـغْـيِير. وقد كان هذا هو مَصِير العديد من الأحزاب التَـقَـدُّمِيَة القَدِيمَة، مثل "حزب الاتحاد الوطني لِلقُوَّات الشعبية"، و"حزب الاتحاد الاشتراكي"، و"حزب التـقدّم والاشتراكية"، و"حزب العَدَالة والتنمية" الإِسْلَامِي، إلى آخره. وَسَيَكُون هذا المَصِير، هُو أَيْضًا، مُنْتَـهَـى كل حِزْب آخر حَلُمَ بِـ «إِمْكَانِيَة إِصْلَاح النظام السياسي مِن داخل مُؤسَّـساته». وَسَيَنْطَبِـقُ نَـفْس المَصِير على "الحزب الاشتراكي المُوَحَّد"، وَعلى "فِيدِيرَالِيَة اليَسَار الدِّيمُوقراطي"، إلى آخره.

وَيَتَنَاسَى كَثِيرون مِن بَيْن هؤلاء المُنَاصِرِين لِمَطْلَب «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة»، أنه حِينَمَا أَرْسَل عبد السَّلَام يَاسِين، زَعِيم حِزب "جَمَاعَة العَدْل والإِحْسَان" الإِسْلَامِيَة، في سنة 1994، كِتَابًا إلى الملك الحَسَن الثّاني، يُحَاوِل فيه إِقْنَاعَه بِضَرُورَة إصْلَاح نِظَامِه السِيَاسي، رَدَّ عليه الملك الحسن الثاني بِسِجْنِه في مُسْتَشْـفَـى لِلْأَمْرَاض العَـقْـلِيَة.

كَأن المَلِك الحسن الثاني يَـقُول لِـ عبد السلام يَاسِين: «مَطَالِبُك تُثْبِتُ أنّك أَحْمَـق» ! وَلَوْ بَـقِـيَ الملك الحسن الثاني حَيًّا، لَـكَان بِالْإِمْـكَـان أن يَنْتَهِـيَ به الأَمْر إلى أن يَـقُولَ الشَّيْءَ نَـفْسَه إلى الأَنًصَار الجُدُد المُطَالَبِين بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة».

وَكُلّ الأحزاب السياسية بالمغرب التي حَاوَلَت تَطْبِيق أُطْرُوحَة «إِمْكَانِيَة تَغْيِير النظام السياسي القائم مِن داخل مُؤسَّـساته»، والتي شَارَكَت مِرَارًا في مُمَارَسَة سُلُطَات الحُكُومَة، مِن خِلَال تَرَأُّسِ عِدَّة وِزَارات حُكُومية، وَعَلَى اِمْتِدَاد عِدَّة عُـقُود، مثل "حزب الاتحاد الاشتراكي"، و"حزب التَـقَدُّم والاشتراكية"، الخ، لم تَسْتَطِـع تَـغْيِير أَيّ شَـيْء ذِي أَهَمِّيَة في طَبِيعَة هذا النظام السياسي القائم في المغرب. وَلَمْ تَـقْدِر على تَـقْـلِيص لَا اِسْتِبْدَادِه، وَلَا قَمْعِه، وَلَا فَسَادِه، وَلَا تَبَـعِـيَّـتِـه لِلْإِمْبِرْيَالِيَة وَلِلصَّهْيُونِيَة. بَلْ على عَكْس ذلك، النظام السياسي القائم في المغررب هو الذي اِسْتَـغَـلَّ مُشاركة هذه الأحزاب (في مُحَاوَلَة تَـغْـيِيره مِن الدّاخل)، وَحَوَّلَ قَادَة وَأَعْضَاء هذه الأحزاب إلى «خُدَّام لِلنِّظَام السِيَاسِي»، وَجَعَلَهُم طَيِّـعِـين، وَمُسَخَّرِين لِخِدْمَتِه.

وَبـعض الأحزاب في المغرب، المُتَمَوْقِـعَـة في وَسَط الطَّيْف السِيَاسِي، أو في يَمِين اليسار، مَا زَالَت تُدَافِـعُ بِحَمَاس أَعْمَى عن أُطْرُوحة «إِمْكَانِيَة تَـغْيِير النظام السياسي مِن داخل مُؤَسَّـساته». وَمِن المَـفْـهُـوم أنه في حالة إذا مَا آمَنَتْ هذه الأحزاب بِأُطْرُوحَة مُعَاكِسَة، فَإِنَّها سَتُصْبِحُ طَبْـعًا مُجْبَرَة على خَوْض النضال الثوري الجَذْرِي، مِن أجل إِسْـقَاط النظام السياسي. بَيْنَمَا هي لَا تَـقْـدِرُ على تَحَمُّل المَخَاطِر الناتجة عن خَوْض صِرَاع وُجُودِي وَحَاسِم مع هذا النظام السياسي، الذي بَـنَـى نَـفْـسَه، وَعَنْ وَعْي، على أَساس بَطْش وَإِرهاب الدولة، ضِدَّ كُلّ المُعَارِضِين والمُخَالِفِين. وَمُجْمَل هذه القِوَى السياسية الإصلاحية تَخَاف مِن القَمع السياسي، وَلَا تَـقْدر على تَحَمُّلِ تَبِـعَاتِه. وَلَا تَـقْبَل التَضْحِيَة بِأَيِّ جُزْء مِن رَفَاهِيَّتِهَا. خاصّةً وأن التَجَارِبَ النضالية السَّابِـقَة، تُبَيِّنُ أنّ عَشَرَات الْآلَاف من المناضلين الثوريّين في المغرب، تعرّضُوا لِلْإِعْتِـقَال، أو لِلْإِخْتِطَاف، أو لِلتَّـعْذِيب، أو لِلاِغْتِيَّال، أو تَوَصَّلُوا بِطُرُود مَلْغُومَة، أو أُلْصِـقَت بهم تُهَم جِنَائِيَة لِتَبْـرِير إِعْدَامَهُم، أو لِـإِقْبَارَهُم في السِّجْن خلال سنوات طَوِيلَة جِدًّا. وَتَارِيخ الخُرُوقَات الجَسِيمَة لِحُقُوق الإنسان في المَغْرب يَشْهَد على ذلك.

2.4- لِنَـعُـدْ الآن إلى مِثَال نَـقْد عبد الله الحريف. وَلِنَسْتَـعْرِض كَيْفَ كان رَدُّ الأَشْخَاص المُنْتَـقَـدِين على عبد الله الحريف. لَـقَدْ رَدَّ عَلى اِنْتِـقَادَات عبد الله الحريف بعضُ المناضلين من "حزب الطليعة الدِيمُوقْرَاطِي الاِشْتِرَاكِـي" (منهم السَّادَة : مُنْعِم أوحَتّي، ومحمد بُوبْـكَر، وادريس غَازِي)، وَهَجَمُوا عليه كشخص، مُستعملين عبارات قَدْ تَحتوي على قَدْر مُعيّن من الْاِنْتِـقَام، أو العَدَاوَة، أو الاحتـقار، أو الإهانة، أو الاستهجان. حيثُ وَصَف مُنعم أُوحَتِّـي عبد الله الحريف بِـ : «الضَّحَالة»، و«القُصُور في التَـفْـكِير»، و«الصِّبْـيَانِيَة»، و«التَّـيَـاسُر».

وَوَصَفُه محمد بوبكر بِـ : «أَلْزْهَايْـمَر السِّيَاسي»، وَ«التَّـعْـوِيض عَن النضال». وَوَصَفَه ادريس غازي بِـ : «عَـرْقَلَـة الوحدة»، و«التَـشْوِيـش على المُؤتمر الاندماجي» لِـ "فِيدِيرَالِيَة اليَسَار الديموقراطي".

2.5- كلّ هؤلاء المناضلين (المذكورين سابقًا) معروفون، وكلهم عزيزون علينا، ونُكِنّ لهم جميعًا التَـقْدِير والاحترام. لكن نَوْعِيَة النّـقد الذي تَبَادَلُوه فيما بينهم، يحمل شُحُنَات من القَسَاوَة، أو العَدَاوَة، أو الإِهَانَة، أو الاِنْتِـقَام، أو الاِحْتِـقَار، أو الـقَدَح، أو الطَّعْن. وَحَمَلَ ذلك النَـقْد المُتَبَادَل تَصْنِيـفَات جَارِحَة، أو مُهِينَة. وهذا الأسلوب في النَـقْد، يَخْلُق حَزازات ذَاتِيَة، أو عَداوات طَوِيلَة، أو دَائِمَة. وَنحن جميعًا في غنًا عن هذه المُشَاحَنَات الذَّاتِيَة. لكن هذه الحَادِثَة، تُوَفِّـر لنا مُناسبة ثَمِينَة، لِكَيْ نُنَاقِـش مُشْكِل نَوْعِيَّة النَـقْد الذي نُمارسه. فَنَتَسَاءَل : مَا هو نَوْعُ النَّـقْد الذي تَحْتَاجُ قوى اليسار بالمغرب إلى تَبَادُلِه فيما بينها ؟ وما هي المَـقَـايِـيـس المَرْجُوَّة في أيّ نَـقْد، لكي يَـكون مُتَحَمَّلًا، أو مَقْبُولًا، أو بنّاءً ؟ فَأُدْلِي بالأُطْرُوحَات المَنْهَجِيَة التالية:

 أَسَالِيب النَّـقْد المُسِيئَة

3.1- مِن بين مُعضلاتنا السياسية، فيمُجتمعنا ذِي التَـقَـالِيد الإسلامية (في المغرب، وفي عُموم العالم النَّاطِق بِالعَرَبية، وفي العالم الإسلامي) أن تَـقَالِيد حَضَارَتِنَا الإِسْلَامِيَة، تَجْـعَلُنَا غَيْرَ مُتَـعَـوِّدِين على تَبادل النَّـقْد (الفَلْسَـفِـي أو السِيَّاسِي). فَـقَـد يَـقُـول كَثِيرُون مِن المُواطنين «نَـعَـم، النَّـقْـد عَادِي، وَمَشْرُوع، بَل ضَرُورِي»! لكن حينما يَتَـعَـرَّضُون هُمْ أَنْـفُـسُهُم لِلنَّـقْد العَلَنِي، يَـقْـلَـقُـون فَوْرًا، وَيَرْفُضُون هذا النَّـقْد في شُمُولِيَتِه، وَيَحْتَجُّون عليه. وَيُحِسُّون بِالنَّـقْد العَلَنِي كَإِهَانَة، أو كَتَهَجُّم عَدَائِـي على شَخْصِيَّتِهم.

3.2- حينما يُـقْدِمُ مُواطن عَادِى على مُمارسة النَّـقد، فإنه يَمِيل إلى اِسْتِـعْمَال هذا النَّـقْد بِأَساليب ذَاتِيَة، أو اِنْتِـقَامِيَة، أو فَظَّة، أو خَالِيَة مِن الْلَّبَاقَـة، أو فَارِغَة مِن الكِيَاسَة، أو خَاوِيَة مِن الأَدَب، أو مِن التَأَنِّـي. فَتَحْدُثُ صِدَامَات، أو عَدَاوَات، بين المُنْتَـقِـد والمُنْتَـقَـد.

3.3- تُوجَدُ بعض الظَوَاهِر الغَرِيبَة. وَمِن ضِمْن هذه الظَوَاهِر الغَرِيبَة، أن مُختلف قِوَى اليسار (في المغرب) تَمِيلُ دَائِمًا إلى تَجَاهُل بعضها بعضًا، وَلَوْ أنها تَتَشَابَهُ جُزْئِيًّا في طُموحاتها السياسية، وَلَوْ أنها تَرْغَبُ في تَحْـقِـيـق أهداف نضالية مُتَـقَـارِبَة، ولو أنها تَلْتَـقِـي، مِن فَتْرَة لِأُخْرَى، في ميدان النضالات الجماهيرية المُشتركة. وهذا التَجَاهُل المُتَبَادَل فيما بين فَاعِلِين سِيَّاسِيِّين مُتَشَابَهِين، يَضُرُّ بهؤلاء الفاعلين. حيثُ يَـعْنِـي التَجَاهُل المُتَبَادَل أن كُلّ فَاعِل يَحْيَا حَيَاتَه الخَاصَّة كَأَنَّ الفَاعِل الآخر، المُشَابِه له، أو المُخْتَلِف عنه، أو المُنَافِس له، أو النَّـقِيض له، غَيْر مَوْجُود. وهذا السُّلُوك هو مِن بَيْن الأَسْبَاب التي تَجعل النَّـقْد السِيَّاسِي (المَكْتُوب، وَالعَلَنِي)، المُتَبَادَل فيما بين قِوَى اليسار، نَادِرًا جِدًّا، أو مُنْـعَـدِمًا. حيثُ مِن الطبيعي أن لَا يَنْتَـقِد أَيُّ طَرَفٍ الأَطْرَافَ الأخرى التي يَتَجَاهَلُهَا.

3.4- لا تَـعمل قِوَى اليسار بِمَا فيه الكِفَـــايَة من أجــــــــل  تَـقْـلِيص، أو إزالة، خِلافاتها الفكرية، أو النَظَرِيَة، أو السياسية. ولا تَرْضَى مُـكوّنات اليسار بأن تَتحاور مع قِوَى اليسار الأخرى، التي تُخَالفها، أو تُـنَـافِسُهَا.

هكذا كان حزب الاستقلال (المُحافظ) يتجاهل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الذي اِنْشَـقَّ عن "حزب الاستـقلال"). ثُمّ إِنْشَـقَّ "حزب الاتحاد الاشتراكي" عن "حزب الاتحاد الوطني للقُوّات الشَّـعبية". ثُمّ تَسَلْسَلَت الْاِنْشِـقَاقَات السياسية. وَهكذا كان حزب الاتحاد الاشتراكي يَتجاهل هو أيضًا كل الأحزاب، والتَّنْظِيمَات، والتِيَارات، التي سَبَـقَ أن اِنْـشَـقَّـت عنه. وهي كثيرة. وَأصبح هُو نَفْسُه مُتَجَاهَلًا مِن طرف مَن اِنْشَـقَّ عنه، أو مَن اِخْتَلَفَ معه. وَقَد كانت التِيَارَات المُنْشَـقَّة مُتَنَوِّعَة، وَمُتَـعَـدِّدَة، وَمُتَتَابِـعَة. وَمِن ضِمْنِهَا حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي ، الذي كان هو أيضًا يتجاهل تنظيمات سياسية مثل مُنَظَّمَة 23 مارس ، ومُنَظَّمَة إلى الأمام ، وَمُنَظَّمَة الوفاء للديمقراطية . وكانت الأحزاب الثلاثة المُـكَـوِّنَة لِـ فيديرالية اليسار الديموقراطي تتجاهل، هي أيضًا، حزب النهج . إلى آخره. وَبَدَلًا مِن أن تَتَـفَاعَل قِوَى اليسار فيما بينها، تَتَجَاهَلُ بَـعْضَهَا بَـعْضًا. كَأَنَّ القِوَى اليَسارية الأُخْرَى التي تَخْتَلِفُ عنها، أو تُنَافِسُهَا، هي غَير مَوْجُود. وهذا المَنْهَج يَضُرُّ بِـقِـوَى اليسار، بَدَلًا مِن أن يَنْـفَـعَـهَـا.

3.5- كان تَبَادُل النَّـقْد السِّيَاسي المَكْتُوب، والجِدِّي، والمُـعَـمَّـق، والمَسْؤُول، فيما بين هذه التِيَارَات، والتَنْظِيمَات، والأحزاب، إِمَّا نَادِرًا، أو مُنْـعَـدِمًا. وإذا ما وُجِِدَ هذا النَّـقْد، يَكُون في مُعْظَم الحالات جَافًّا، أو ذَاتِيًّا، أو فَظًّا، أو عَدَائِيًّا. زِدْ على ذلك أن الأحزاب، والتنظيمات، والتِيَارَات، المَـعْـنِيَة بذلك النَّـقْد السِيَاسِي (النَّادِر)، تَتَجَاهَلُه، وَلَا تَرُدُّ عليه، وَلَا تَـعْبَأُ به. ولماذا ؟ لأن بعض الفاعلين السِيَاسِيِّين المُنْتَـقَدين، لَا يَـقْدِرُون على التَـعَامُل بِمَوْضُوعِيَة، أو بِمِهَنِيَة، مع النَّـقْد السياسي العَلَنِي المُوَجَّه إليهم. أو لأنهم يَظُنُّون أن الرَّد المَوْضُوعِي، أو الدَّقِيـق، على ذَلك النَّـقْد، «سَيُضِيف إلى الشّخص المُنْتَـقِد أََهَمِّيَة لَا يَستحـقُّها». أو لأنهم يَـعْـتَـقِـدُون أنهم يَـقْدِرُون على التَخَلُّص من الْاِنْتِـقَادَات المُوَجَّهَة إليهم عَبْر تَجَاهُلِهَا. لكن النَّـقْد السيّاسي الجَيِّد يَبْـقَـى يُلَاحِقُهُم بِلَا نِهَايَة.

ويُمكن تَأْوِيل هذا التَجَاهُل المُتَبَادَل فيما بين قِوَى اليسار، بِمُيُول كلّ واحدة مِن بَيْن هذه القِوَى نحو الهَيمنة، أو الْاِسْتِـفْـرَاد بِالتَّأْثِير، أو بِالسُلْطَة. ومن النَّادر جدّا أن تتبادل قِوَى اليسار بالمغرب نَـقْدًا مُعَمَّقًا، وَمَـكْتُوبًا، وَعَلَنِيًّا.

3.6- فِي نَـفْس الوَقت الذي تَتَجَاهَلُ فيه القِوَى السِيَاسية بالمغرب النَّـقْد المُوَجَّه إليها، تُبَالِـغُ هذه القِـوَى في تَـقْدِير خِلافاتها النظرية، أو السياسية. وَتَـعْتَبِرُ هذه الخِلَافَات «كَبِيرة جِدًّا» إلى دَرَجَة أنها تُحَوِّلُهَا إلى مُبَرِّر كَافِيّ لِتَجَاهُل، أَو لِمُـقَاطَـعَة، القِوَى السياسية الأخرى التي تُخَالِفُـهَا في الآرَاء. أو تُحَوِّل هذه الخِلَافَات إلى مُبَرِّر لِـرَفْـض خَوض النضالات الجماهيرية المُشتركة مَعَ مَن يُخَالِفُهَا.

وَتُبَرِّر قِوَى اليسار الحَزازات القَوِيَّة القائمة فيما بينها بِوُجود «خلافات سياسية كَبِيرَة»، أو بِـ «تَـفَاوُتَات عَقائدية جَوْهَرِيَة» فيما بينها. لكن قِوَى اليسار لَا تُوَضِّح لنا، بشكل كِتابي، وَمُعَمَّق، وَدَقِيق، لماذا تختلف في قَناعاتها السِيَّاسية. (وَإِذا مَا كان مُبرِّر الاِمْسَاك عن هذا التَوْضِيح يَنْتُج عن الاحتيّاط مِن تَجَسُّـس الأجهزة القَمعية، فَـيَنْبَـغِـي، في هذه الحالة، على قوى اليسار، أن تَبْتَـكِرَ قَنَوَات مُرْضِيَة في مَجَال التَوَاصُل الآمِن، لِتَبْلِيغ هذه الشُّرُوحَات، أو الخِلَافات، أو الانتـقادات، إلى المناضلين المَـعْنِيِّين بها).

3.7- ظلّت قوى اليسار تَـقْتَصِر على النَّـقد الشَّفَوِي، وغير المَنْهَجِـي، وذلك حَصْرِيًّا خلال جَلسات داخلية، أو في إِطَار عَلَاقَات شَخصيّة أو خُصوصية. وَتَتَلَافَى عَادَةً مُمارسةَ النَّـقْد السياسي البَيْـنِـي بِشَـكل مَـفْـتُوح، أو عَلَنِي.

3.8- مِن بَيْن الظَوَاهِر الغَرِيبَة في مُجتمعنا، أن بعض الأشخاص يَرْفُضُون الْاِطِّلَاع على بعض الأَفْـكَار، أو الْاِنْتِـقَـادات، أو المَقَالَات، أو الكُتُب، في مَيَادِين مُـعَـيَّنَة مِن المَـعْرِفَة، وذلك خَوْفًا مِن التَأَثُّر بها. وَيَخْشَوْنَ أنه، في حالة إِذَا مَا اِطَلَعُوا على هذه الأَفْكَار، أو تَأَثَّرَت عُـقُولُـهُم بها، فَمِنَ المُمْكِن أن لَا يَـقْدِرُوا بَعْدَ ذلك على التَخَلُّص من تَأْثِيرِ تِلْك الأَفْكَار؛ وَمِن المُمكن أن يُصْبِحُون مُشَابِهِين لِأَشْخَاص يُـكِـنُّـون لهم، بشكل مُسْبَـق، الكَرَاهِيَةَ، أو الْاِحْتِـقَارَ، أو العَدَاء. وَيُـفَضِّلُ أَوْلَائِك الأشخاص أن يَبْـقُوا جَاهِلِين (لِتِلْكَ الميادين المُحَدَّدَة مِن المَـعْرِفَة) على أن يَتَأَثَّرُون بِتِلْكَ الأَفْكَار التي يَـعْـتَـبِـرُونها مُسْبَـقًا «سَيِّئَة»، أو «مُنْحَرِفَة»، أو «مُتَخَلِّـفَة». وَكَيْفَ يُمْكِنُهُم أن يَـعْرِفُوا أنّ تِلْك الأَفْـكَار هي فِعْلًا «سَيِّئَة»، أو «مُنْحَرِفَة»، أو «مُتًخَلِّـفَة»، بَيْنَمَا هُم يَرْفُضُون مُسْبَـقًا الْإِطِّلَاعَ على مَضْمُونِهَا أو تَـفَاصِيلِهَا ؟ وفي نَـفْس الوَقْت، يُريدُون أن يُثْبِتُوا، في «النَّـقْد»، وفي «النِـقَاشَات»، و«الصِرَاعَات السياسية»، أن تِلْكَ الْأَفْـكَار هي «خَاطِئَة»، وَ«سَيِّئَة»، وَلَوْ أنهم يَرْفُضُون مُسْبَـقًا الْإِطِّلَاع على تَـفَاصِيلِهَا !

3.9- نَمَاذِج كثيرة من «النِـقَاشَات»، أو «الصِرَاعَات السياسية»، مثل تلك التي تَحدث في «بَاب الدَّرْب»، أو في المَـقَـاهِـي، أو خلال الدَرْدَشَات مع الأصدقاء، أو أَثْنَاء الزِيَّارَات العَائِلِيَة، لَا تَـقْـدِرُ على الرُّقَـيِّ إلى مُستوى نِـقَاش جِدِّي.

وَكَثِير مِن الأشخاص يُريدن المُشاركة في «نِـقَـاشَات» صَاخِبَة. وَيَتَـكَـلُّـمُـون فيها بِأَصْوَات مُرْتَـفِـعَـة. وَيُرِيدُون فيها اِحْتِكَار الكَلِمَة. وَيَتَـفَـاعُـلُـون فيها بِذَاتِيَة كَبيرة. وفي مُـعْـظَم الحالات، لَا يَـعْـرف هؤلاء الأشخاس مَا هو «النِـقَاش الجَيِّد»، أو «المُـفِـيـد». وَلَا يَـعْـرِفُـون لَا قَوَاعِد النِـقَـاش، وَلَا أَهْدَافَه. بَلْ يَظُنُّ كثير مِن الأشخاص، وَلَوْ بشكل غير وَاعٍ، أن «النِـقَاش»، أو «النَّـقْد»، أو «الصراع السياسي»، هو مُبَارَزَة ذَاتِيَة، وَفَوْضَوِيَة، بَيْن أَشخاص ذَاتِيِّين. وَيَـعْـتَـقِـدُن أن هَدَف النِـقَاش هو إِسْـكَـات، أو دَحْض، أو تَـكْـذِيب، أو هَزْم، أو غَلْب، أو قَهْـر، أو إِخْضَاع، الأَطْرَاف الأُخرى المشاركة في هذا النـقاش. وأن النَصْرَ في النِـقَـاش يَرْجِـعُ لِمَن هُو الْأَقْـوَى بِـعَضَلَاتِه، أو بِثَرَوَاتِه. بينما هَدَف النـقاش، على عَـكْـس ذلك التَهَوُّر، هو بَحْث جَمَاعِي، وَمُتَأَنِّـي، عن الحَـقِـيـقَـة الثَوْرِيَة. وهو اِسْتِمَاع، وَانْـفِـتَـاح، وَاحْتِرَام، وَتَـوَاضُـع، وَتَأَمُّـل، وَتَـعَاوُن، وَتَـكَـامُـل، وَتَبَادُل لِلْإِفَـادَة.

3.10- مِن الشَّائِـع أن نُصَادِفَ أشخاصًا يَرْفُـضُون دِرَاسَة مَوَاد مثل الفَلْسَفَة، أو الاِقْتِصَاد السياسي، أو التَارِيخ، أو عُلُوم المُجتمع، إلى آخره. (وهي بالضّبط المواد التي تَرْفُضُ الدول الرَّأْسَمَالِيَة تَدْرِيسَهَا في المدارس العُمُومِيَة). وَفِي نَفْس الوقت، يُريد هؤلاء الأشخاص أن يُشَارِكُوا في «نِـقَـاشَات» تَشْمَل هذه المَوَاد (مثل الفَلْسَفَة، أو الاِقْتِصَاد السياسي، أو التَارِيخ، أو عُلُوم المُجتمع، الخ). وَيُحَاوِلُون بِـعِـنَـادٍ فَرْضَ آرَائِهِم الشَخْصية في هذه المَيَادِين. وَيَـعْـتَبِرُون أن آرَاءَهُم الشخصية هي الْآرَاء الوَحِيدَة الصَّحِيحَة. وهؤلاء الأشخاص هم مثل ذلك المواطن الذي قال : «أنا لم أذهب إلى المدرسة، وَلَا إلى الجامعة، وَلَا أَقْرأُ لَا جَرَائِدَ، وَلَا كُتُبًا، وَلَكِنَّني أَفْهَمُ كُلَّ شَيْء، وَأَعْرِفُ كُلَّ شَيْء» ! وَمِن المَـفْـهُوم أن الشَّخْص الذي لَا يَـعْـرِفُ شَيْئًا، سَيَظُنُّ أنّه يَـعْرِفُ كُلَّ شَيْء. لأن مَنْ لَا يَـعْرِف شَيْئًا، يَظُنُّ بِسُهُولَة أنه يَـعرف كلّ شَيْء. بَيْنَمَا فَسَاحَة مَـعَـارِف العَالِم تَجْـعَـلُه يُحِسُّ بِشَـسَاعَة وَتَـعْـقِـيـدَات القَضَايَا التي يَجْهَلُهَا. وَلَا يَـعْـرِف طَبْـعًا الجَاهِلُ مَا هي مَصَادِر المَـعْـرِفَـة، وَلَا يَـقْـدِر على الحَـفْـر وَالتَنْـقِـيـب فيها بشكل دَؤُوب. وَمِنْ مِيزَات العَالِم أنه يَـقُـول: «أَنَا لَا أَعْرِف شَيْئًا»، بَيْنَمَا مِن عَلَامَات الجَاهِل أنه يَـقُـول: «أَنَا أَعْرِف كُلَّ شَيْء» !

3.11- في المُجتمع الرَّأْسَمَالِي، يَكُون الجَاهِلُون الأَغْنِيَّاء هُم الذين يَكْتَسِبُون أَكْبَر الحُظُوظ، وَأَقْوَى الوَسَائِل، لِلْـفَوْز في الْاِنْتِخَابَات العَامَّة (سَوَاءً كانت رِئَاسَية، أم بَرْلَمَانية، أم مُتَـعَـلِّـقَـة بِالجَمَاعَات المَحَلِّيَة، الخ). وَمِن الشَّائِـع في المُجتمعات الرَّأْسَمَالِيَة أن يَجْمَع كِبَار الأَغْنِيَّاء بين الثَّرْوَة الاقتصادية والسُّلْطَة السِيَاسِيَة. ومن السّهل في المُجتمعات الرّأسمالية أن يُصْبِحَ الجَاهِلُون الأَغْنِيَّاء، هُم الذين يَحْكُمُون البِلَاد، بَيْنَمَا العُلَمَاء الفُـقَـرَاء يَبْـقَـوْنَ مَحْكُومِين، أو مَسُودِين، أو مَجْهُولِين، أو مُهَمَّشِين، أو مُضْطَهَدِين.

3.12- مِن بَيْن الظَوَاهِر الغريبة، أن بعض الأشخاص، المُتَمَيِّزِين بِالـغُرُور، أو بِالْـعِنَاد، أو بِالوَقَاحَـة، أو بِالْإِفْرَاط في حُبِّ الذَّات، وَرَغْمَ أنهم غَيْر مُـثَـقَّـفِـين، وَرَغْمَ أنهم شِبْه أُمِـيِّـيـن، وَبِلَا شَوَاهِد مَدْرَسِيَة أو جَامِعِيَة، يَتَـكَـلَّمُون وَيَتَصَرَّفُون كَأَنَّهُم يَـعْـرِفُون كُلّ شيء، أو كَأَنَّهُم يَـفْـهَـمُون كُلّ شيء. وَيُرِيدُون أن يَكُونُوا هُم «المُسَيْطِرِين» في كلّ النِـقَاشَات. وَيَحْتَـقِـرُون العُلَمَاء، ولا يَـعْتَرِفُون بِالـفَـنِيِّين، وَلَا بِالخُبَرَاء. وَفي نفس الوقت، يُريد هؤلاء الأشخاص الجُهَّال تَحَمُّلَ أَعْلَى المسؤوليّات في الجَمَاعَة، أو في الدولة، أو في الحِزْب، أو في الجَمْعِيَة، وَلَوْ أنهم لَا يَكْتَسِبُون أَيَّة خِبْرَة عِلْمِيَة. وَلَا يَهُمُّهُم سِوَى خِدْمَة مَصَالِحِهِم الأَنَانِيَة. وَمَا دَامَ هذا الصِّنْـف مِن الأشخاص لَا يَتَـعَـرَّضُ لِأَيِّ اِمْتِحَان يُرَاقِب مَعَارِفَهُم وَخِبَرَاتِهِم، يَسْتَمِرُّون في تَحَدِّيهِم بِـعِـنَـاد فَاحِش. وَيُرِيدُون خَوْض النِـقَـاش، أو الحِوَار، أو النَّـقْد السياسي، على شَكْلِ مُبَارَزَة، أو مُصَارَعَة، مع أيّ شخص كان، وَلَوْ كَانَ أكثر عِلْمًا منهم، أو أَعْمَـقَ خِبْرَةً منهم. وَلَا يَهُمُّ هذا النَّوْع مِن الأشخاص، لَا الوُصُول إلى الحقيقة المَوْضُوعِيَة، وَلَا إِتْـقَان المَنْطِق، وَلَا اِكْتِسَاب العُلُوم. وإنما هَهُّهُم الوَحِيد هو إِثْبَاتُ ذَاتِهِم، وَتِبْيَان أنهم أَقْوَى، وَأَحْسَنَ، مِن غَيْرِهِم.

3.13- نُلَاحِظ في الدول الغَرْبِيَة الإِمْبِرْيَالِيَة، أنها هي التي (في وَسَائِلِها الإِعْلَامِيَة) تَتَـكَـلَّم أَكثَر مِن غَيرها عَن «حُـقُوق الْإِنْسَان». وهي التي «تَنْتَـقِـد» أكثر من غيرها بَاقِـي دُوّل العَالَم، وَتُـعِـيـبُ عَليها عَدَم اِحْتِرَامِها لهذه الحُـقوق. وَعلى خِلَاف ذلك، مُنْذُ أن نَبْدَأَ في تَدْقِيق تَـفَـاصِيل الأَحْدَاث العَالَمِيَة، نُلاحظ أن هذه الدُول الغَربيّة هي التي تَخْرُق أَكْثَرَ مِن غَيْرها «حُقوقَ الإنسان»، في تَـعَـامُـلِهَا مع شُـعُوب بُلدان "العَالَم الثَّالِث" المَسُودَة. وَتَـكْـتَـفِـي الدول الغَربية الإمبريالية بِالتَصْرِيح بِأَهْدَافِهَا الخَاصَّة، أو تُـعْـلِـنُ مَصَالِحَهَا الأَنَانِيَة، وَتَـعْـتَـبِـرُهَا «مَـقَـاصِدَ مَشْرُوعَة»، أو «غَايَات قَانُونِيَة»، بَيْنَمَا هذه الأَهْدَاف والمَصَالِح، هي مُجَرَّد غَزْو، أو اِحتِلَال، أو اِسْتِـعْـمَـار، أو تَـقْـتِـيـل، أو سَطْو، أو نَهْب، أو اِسْتِـغْلَال، أو تَخْرِيب، أو سَرِقَـة. وَمِن وُجهة نَظَر المُـفْـتَـرِس، فَإن «الْاِفْـتِـرَاس حَـقٌّ مَشروع»، وَ«مُـقَاوَمَة المُـفْـتَـرَسِ، هي إِرْهَاب بَـغِـيض، أو غَيْر قَانُونِي».

 كَيْـفَ كُنَّا نَتَـعَامَل مَع الخِلَافات، ومع النَّـقْد

4.1- أَتَذَكَّر كَيْفَ كُنَّا نَتَـعَامَل مع «الخلافــــات السياسية»  دَاخِل الحزب الشيوعي المغربي القديم، ثُمّ فيما بَعْد، دَاخِل مُنظّمَة «إلى الأمام» السِرِّيَة المُنْشَـقَّة عنه. وَتَرْجِعث هذه الأحداث إلى سنوات مَا بَيْن 1965 و 1976. وَأَتَذَكَّرُ أن المناضل ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي كان آنذاك أَكْبَرَنَا سِنًّا. وكان يَتَـفَوَّقُ ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي على مُجمل أعضاء تَنْظِيم «إلى الأمام» في مَجَالات الثَّـقَافَة، وَالتَـكْوِين، وَالخِبْرَةً، والْاِطِّلَاع على الأَدَب المَارْكْسِي. وَحِينَمَا كُنَّا نَحْن شُبَّانًا مُبْتَدِئِين في السياسة، كانت لِلسَّرْفَاتِي أَكْثَر عَشْرَة سَنَوَات من التَجْرِبَة في صُفُوف اليَسَار. وَكَان السَّرْفَاتِـي يَحْظَـى بِاحْتِرَام كبير. وَمُنْذُ اَلْاِنْشِـقَاق عن الحزب الشِيُوعي التَحْرِيفِـي القَديم، وَكذلك مُنْذ بِدَايَة تَشَـكُّل مُنَظَّمَة «إلى الأمام»، لَعِبَ ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي دَوْرًا رَئِيسِيًّا في بَلْوَرَة خَطِّهَا السياسي. وَكان هذا الخَطّ السياسي لِتَنظيم «إلى الأمام» يَتَضَمَّنُ بعضَ القَضَايَا التي أَصْبَحَت فيما بعد تُثِير تَسَاؤُلَات، أو تَحَـفُّظَات، أو اِنْتِـقَادات. وَلَمْ يَكُن يُوجَد آنذاك مُناضلون في «إلى الأمام» (وَلَا في اليسار) في مُسْتَوَى التَحْلِيل الدَقِيق، وَالنَـقْدي، لِمُكَوِّنَات الخَطّ السياسي لمنظّمة «إلى الأمام». وَلَمْ يَـكُونُوا مُؤَهَّلِين لِتَوْضِيح أن بعض مُكَوِّنَات هذا الخط السياسي كانت غَيْر مُلَائِمَة، أو سَابِـقَة لِأَوَانِهَا، أو خَاطِئَة. وَسَاعَدَت آنَذَاك الأَوْضَاع الثورية القائمة على صَعِيد العَالَمِ ("الاشتراكية" في رُوسيا، والصِّين، والثورة الثَقَافِيَة في الصِّين، وَحُرُوب التَحْرِير الشَعْبِيَة في كُوبَا، وَفِتْنَام، وَكَامْبُودْيَا، وظُفَار، واليَمَن، وَأَنْغُولَا، وَحَرَكَة العُمَّال والطَلَبَة في سنة 1968 في فرنسا، الخ) سَاعَدَت على تَكَوُّن وَتَحَمُّس الحركات الماركسية اللِّينِينِيَة في كَثير مِن بُلدان العالم، بما فيها المغرب.

وَخلال سنوات 1970، لَمْ يَكُن أَحَدٌ مِن بَيْن أعضاء منظمّة «إلى الأمام» (بِمَا فِيهِم أنا) يَجْرُؤُ على مُخَالَفَـة ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي، أو نَـقْدِه. [وَلَمْ أَنْشُر مقالًا عَلَنِيًّا يَنْتَـقِد ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي إِلَّا في سنة 1982. وكان يَحْمِل عُنْوان «مَشْرُوع فَاس 1982، أو اسْتْرَاتِيجِيَّة تَحْرِير فَلَسْطِين». وصَدَر في جَرِيدة "المَسَار"، في خمسة حَلَقَات مُتَتَابِـعَة].

وَأَتَذَكَّر أن مُجْمَل أَعْضَاء الهَيْئَات القِيَادِيَّة في منظّمة «إلى الأمام»، (بِمَا فيهم المناضلون الذين كانوا آنذاك بَارِزِين، مثل عبد الفَتَّاح الفَاكِهَانِي، وعبد الْلَّطِيف زَرْوَال، والمُشْتَرِي بَلْعَبَّاس، وعبد الله المَنْصُورِي، وعبد اللّطيف الْلَّـعْـبِـي، وعبد الله زَعْزَع، وعبد الحَمِيد أَمِين، وعَلِي أَفْـقِـير، الخ)، كَانُوا عُمُومًا يَتَلَافَوْن التَـعْـبِير (داخل المُنَظَّمَة) عن «خِلَافَاتِهِم» الفِكْرِيَة، أو عَن «اِنْتِـقَادَاتِهِم» السياسية. وَحَتَّى لَوْ أَحَسَّ أَيٌّ مِنْهُم بِوُجُود «خِلَافات» جُزْئِـية، أو فِكْرِية، أو سِيَّاسِية، مع ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي، أو مع أيّ مَسْؤُول آخر في المنظّمة، كانوا يَحْرُصُون على تَـقْدِيمِهَا على شَكْل «تَسَاؤُلَات». وَكَانُوا يَتَــفَادَوْن تَـقْـدِيمَهَا على شكل «خِلَافَات»، أو «إِنْتِـقَـادَات»، إلى مُخَاطَبِيهِم. وَمِن المُمْكِن أن يَكُون هذا التَحَفُّظ (في مُمَارَسَة النَّـقْد داخل المُنَظَّمَة) يَأْتِي مِن خَوِفِنَا مِن تِكْرَار تَجْرِبَتَنَا المَرِيرَة، المُتَـعَلِّـقَة بِصِرَاعَاتِنَا الفِكْرِيَة والسياسية مع الحزب الشيوعي التَحْرِيفِي القديم، أو بِـاِنْشِـقَاقِنَا المُدْهِش عنه. وَيُمْـكِن أيضًا أن يَكُون هذا التَحَـفُّظ نَاتِـجًا عَن خَشْيَتِنَا مِن الْاِصْطِدَام بِـ «خِلَافَات» و«انْتِـقَـادَات» جَدِيدَة، قَدْ تَكُون تَمْهِيدًا لِحُدُوث اِنْشِـقَـاقَـات أُخْرَى جَديدة وَمَرِيرَة، داخل مُنظّمة «إلى الأمام» هي نَـفسها.

وَأَتَذَكَّر مثلًا، أن مُجَرَّد تَسَاؤُلِـي، أو تَـعْـبِيرِي عن نَـقْد بُطْء، أو قِلَّة فَـعَالِيَة، مُحَاوَلَات تَجَذُّر مناضلي «إلى الأمام» في صُفُوف الطبقة العاملة، جَلَبَ عَلَيَّ سُوء تَـفَاهُم مع قِيَّادة التنظيم، وَتَسَبَّب في إِشْـعَال شُـكُوك لَدَى هذه القِيَادَة حَول نَـوَايَاي العَمِيقَة، أو المَخْـفِـيَّة.
وَكُنَّا نَخْشَى أن يُؤَدِّيَ نَـقْدُ أَيِّ شَخْص، أو أَيّة جَمَاعَة، سَوَاءً داخل المنظّمة، أم في صُفُوف اليسار، إلى القَطِيعَة النِهَائِيَة مع الجِهَة المُنْتَـقَدَة. وَكُنَّا عُمُومًا نُدْرِكُ أنّ كُلّ شَخْص يَتَـعَرَّضَ لِلنَّـقْد، مِن المُحْتَمَل أن يَمِيل إلى رَفْض خَوْض النضال المُشْتَرَك مع الشّخص الذي سَبَـقَ أن إِنْتَـقَـدَهُ.

وَلَوْ كُنَّا حَقِيقَةً، دَاخِل منظّمة «إلى الأمام»، مُـعْـتَـادِين على تَبَادُل النَّـقْد السياسي الرَّزِين، والمُـعَـمَّـق، بطريقة عَفْوِيَة، وَسَلِيمَة، وَمُسْتَرْخِيَة، وَمُرِيحَة، لَكُنَّا قَدْ اِكْتَشَـفْـنَـا النَـقَـائِص الموجُودة في أَفْكَار أو مُمَارَسة منظّمة «إلى الأمام». وَلَوْ كُنَّا نُطَـبِّـقُ النَّـقْد بِطريقة مُسْتَرْخِيَة، لَـكَان بِـإِمْـكَانِنَا أن نَتَلَافَـى الكَثِير مِن بَيْن الأَخْطَاء السياسية التي اِرْتَـكَـبْـنَاهَا خِلَال تَجَارِبِنَا. وَبِدُون التَـعَوُّد على تَبَادُل النَّـقْد الدَقِيق والبَنَّاء، سَيَكُون مِن شبه المُستحيل اِكْتِشَاف النَـقَائِص والأَخْطاء، وَتَصْحِيحِهَا.

وَمِثْلَ عُمُوم أعضاء تنظيم «إلى الأمام»، كُنْتُ في البِدَايَة مُبْهَرًا بِـ «المُسْتَوَى العَالِي» لِلْأَرْضِيَّات السِيَّاسِيَة (التَوجِيهِيَة في مَجَالَات الْاِسْتْرَاتِيجِيَة والتَكْتِيك) التي كانت تَطْرَحُهَا قِيَّادة تنظيم «إلى الأمام». وَكُنْتُ أُدْرِكُ أنّ هذه الأرضيّات كانت أَسَاسًا مِن إِنْتَاج ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي. وَقَبْلَ تَعْمِيمِ هذه الأرضيّات التَوجِيهِيَة على بَاقِي التَنْظِيم، كانت تَخَضَعُ لِـنِـقَاش فِيمَا بَيْن أعضاء «الكِتَابَة الوَطَنِيَة» لِلمُنظّمة. وَمِن بَين أعضاء قِيَّادَة المُنظّمة الذين سَاهَمُوا في نِـقَاش وَاحدة أو أكثر مِن بَيْن هذه الأَرْضِيَّات السِيَاسِيَة التَوْجِيهِيَة (المُنْتُوجَة مِن طَرف السَّرْفَاتِي)، نَذْكُر مثلًا عبد اللطيف زَرْوَال، وعبد الفَتَّاح الفَاكِهَانِي، وَبَالْعَبَّاس المُشْتَرِي. وَكانوا كلّهم ذَوِي تَكْوِين أَدَبِي، وَلَيْسَ عِلْمِي). وَلَمْ يَـكُن (هذا النِقَاش) يَـقْدِر على تَحْلِيل، وَفَحْص، وَنَـقْد، أُسُـسِ هذه الأَرْضِيَّات. وَإِنَّمَا كَان (هذا النِـقَاش) يَـكْـتَـفِـي بِتَحْسِين بعض تَـفَاصِيلهَا الشَّكْلِيَة، أو الثانويّة. وَمُنْذُ سنة 1973، حِينَمَا كُنْتُ أعمل في الْلَّجْنَة التِـقْتِيَة لِلْمُنَظَّمَة، بَدَأُتُ أَشْعُر أن هذه الأرضيّات السياسية التَوْجِيهِية، المطروحة من طَرَف السَّرْفَاتِي (خاصّة فيما يَتَـعَلَّقُ بِقَضَايَا مثل حَرْب التَحْرِير الشَعْبِيَة، والقَوَاعِد الحَمْرَاء المُتَحَرِّكَة، وَمَا شَابَهَهَا)، كان فيها ضُعْف مِن زَاوِيَة الدِقَّـة العِلْمِيَة. وَكَانَ طَرْحُ قَضَايَا العُنْـف الثَّوْرِي سَابِـقًا لِأَوَانِه. وَبَدَاْتُ أُحِسُّ أَنّ السَّرْفَاتِي، بِالرَّغْم مِنْ تَـكْوِينِه العِلْمِي كَمُهَنْدِس في شُعْبَة المَعَادِن، كان أَقْرَبَ إلى شَاعِر مُتَحَمِّس، وَأَقَلّ قَلِيلًا مِِن عَالِم دَقِيق. وَلَاحَظْتُ أنه، مِن فترة لأخرى، كانت تَـغْلُب على بعض الأطروحات السياسية لِلسَّرْفَاتِـي عواطف جَيَّاشَة. وَبَدَأْتُ أَشُـكُّ أَنَّ هذه الأَرْضِيَّات السياسية التَوْجِيهِيَة غَيْرَ مَبْنِيَة بِمَا فيه الكِـفَايَة، في أُسُـسِـهَا، على مَنْهَج عِلْمِي دَقِيق. وَلَوْ أَنَّنِـي أَشْهَدُ أنها كَانت تَتَلَائَمُ مَعَ، وَتَسْتَجِيب لِـ، الحَمَاسَة الثَّوْرِية التي كانت آنَذَاك سَائِدَة داخل شَبَاب الجَامِعَات والمَدَارس. وَلَمْ تُسَاعِدْنِي في ذلك الوقت كثرة المَهَام اليومية في «الْلَّجْنَة التِـقْنِيَة»، وكذلك التطوّرات الهَامّة المُتَلَاحِقَة في البلاد، على تَعْمِيق تَسَاؤُلَاتِـي، أو أَبْحَاثِـي، حول دِقَّـةِ مَضْمُون هذه الأَرْضِيَّات السِيَّاسِيَة التَوْجِيهِيَة. وَلَمْ أَتَجَرَّأْ على نَـقْد أيّة واحدة من هذه الأرضيّات. وَلَمْ يَـكُن عندي وَضُوح كَافٍ حول كَيْـفِيَة نَـقْد هذه الأرضيّات. وَأَتَذَكَّر أن مُجَرَّد تَسَاؤُلِـي، أو تَـعْـبِيرِي عن نَـقْد بُطْء، أو قِلَّة فَـعَالِيَة، مُحَاوَلَات تَجَذُّر مناضلي «إلى الأمام» في صُفُوف الطبقة العاملة، جَلَبَ عَلَيَّ سُوء تَـفَاهُم مع قِيَّادة التنظيم، وَتَسَبَّب في إِشْـعَال شُـكُوك لَدَى هذه القِيَادَة حَول نَـوَايَاي العَمِيقَة أو الخَفِيَّة.

وَفي آخر حياته، اِنْخَدَعَ نِسْبِيًّا ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي بِالدِعَايَة المنشورة حول «مَلِك الفُـقَـرَاء»، الملك الشَّاب الجَديد محمّد السَّادِس. وَآَمَنَ السَّرْفَاتِي جُزْئِيًّا بِإِمكَانِيَة إِصْلَاح النظام السياسي القائم في المَغْرب مِن دَاخِل مُؤَسَّـسَاتِه. كَـأَنّ السَّرْفَاتِي نَسِـيَ، أو كَأَنّه لَمْ يُدْرِك بِمَا فيه الكِفَايَة، أنه، في إِطَار العَلَاقَة بين شَخْص رَئِيس الدَّوْلَة أو المَلِك، وَنَوْعِيَة النظام السياسي القائم في المُجتمع، فَإِن نَوْعِيَّة النِظَام السياسي القَائِم هي التي سَتُحَدِّدُ أَفْكَار وَسُلُوكِيَّات شَخْص المَلِك؛ وَلَيْسَ شَخْص المَلِك، أَوْ نَوَايَاه، هي التي سَتَـقْدِرُ على تَحْدِيد نَوْعِيَّة النِظَام السِيَّاسِي القَائِم. وَلَمْ يَتْبَـع أيّ مُنَاضِل مِن بين قُدَمَاء أَعْضَاء مُنَظَّمَة «إلى الأمام» ابْرَاهَامَ السَّرْفَاتِيَّ في ذلك المَنْحَى الإصلاحي المُتَأَخِّر.

4.2- أَثْنَاء نِضَالِنَا في إِطَار السِرِّيَة (بين سنوات 1969 و 1974، بِمَا فيها فَتْرَة تَسَلْسُل الاِعْتِـقَـالَات في سنة 1974، ثُمّ في سنة 1975، وكذلك بَعْد دُخولنا إلى السِجْن المركزي بِمَدِينَة القُنَيْطِرَة)، كان طَبْـعِـي الشَّخْصِي التِلًـقَائِي والصَّرِيح يَدْفَـعُـنِـي إلى التَـعْـبِـير عن آرَائِـي المُخَالِـفَـة. وَكَان تَـكْوِينِـي العِلْمِي يَدْفَـعُـنِـي إلى الإِعْتِـقَاد أن البَحْث، والاجتهاد، وتَبَادُل النَّـقْد، هي كُلُّهَا سُلُوكِيَّات مَحْمُودَة، بَلْ ضَرُورِيَة. فَـكُنْتُ أُعَبِّرُ (داخل تَنْظِيم «إلى الأمام») عن بعض «المُلَاحَظَات»، أو «التَسَاؤُلَات»، أو «الاِنْـتِـقَـادَات» السِيَاسِيَة، وَلَوْ أنها بَـقِيَت على العُمُوم جُزْئِيَة. وَكُنْتُ في هذا المَجَال مُخْتَلِفًا عن كَثِيرِين مِن أعضاء «إلى الأمام».

وكان بعض المسؤُولين في قِيَّادَة «إلى الأمام» يَنْظُرُون إلى سُلُوكِـي هذا بِرَيْبَة وَاضِحَة. وَقَدْ جَلَبَ عليَّ هذا السُّلُوك (المُتَسَاءِل، أو النَّاقِد) مَشَاكِل وَعِرَة، وَثَـقِـيـلَة، وَمُؤْلِمَة، وَدَائِمَة. وَخَلَقَ لِـي هذا السُّلُوك سُوءَ تَـفَاهُمَات عَوِيصَة مَع أعضاء قيّادة المُنظّمة. حيثُ أن أعضاء قِيَّادة «إلى الأمام»، كَانوا يَتَـعَامَلُون مع آرَائِـي المُتَسَائِـلَة، أو المُتَـفَـاوِتَـة، أو المُخَالِـفَة، أو النَّاقِـدَة، حَتَّى وَلَوْ بَـقِـيَّـت جُزْئِيَّة، كانُوا يَتَعَامَلُون معها كَـعَـلَامَـات خَطِيرَة. وَظَهَرَت هذه الرَّيْبَة لَدَى عِدَّة أَشْخَاص في قِيَّادَة «إلى الأمام»، مثل ابْرَاهَام السَّرْفَاتِي، وَبَلْعَبَّاس المُشْتَرِي، وَعبد اللطيف زَرْوَال، وَعبد الفَتَّاح الفَاكِهَانِي، وَمحمّد السَّرِيفِـي، وَعبد الله زَعْزَع، الخ.

وَكَانُوا يَـعْـتَبِرُون أن هذه «التَسَاءُلَات»، أو «المُلَاحَظَات»، أو «الْاِنْتِـقَادَات»، قَدْ تُثْبِتُ ضُـعْـفَ وَلَائِـي لِلْقِيَّادة، أو لِلْمُنَظَّمَة. وكانوا يُحِسُّون بِهَا كَأَنَّـهَا تُنْذِر بِـإِعْدَادِي السِرِّي لِانْشِـقَـاق تَنْظِيمِي مُحْتَمَل. لِأَنّه، في مَنْطِـقِـنَـا المُشْتَرَك السَّائِد آنَذَاك دَاخِل المُنظّمة، الخِلَافُ، أو النَّـقْد، داخل المُنَظَّمة، يُؤَدِّي حَتْمًا إلى الْاِنْشِـقَاق. وَبِسَبَب اِنْتِـقَادَاتِي، وَلَوْ كانت شَكْلِيَة، أو جُزْئِيَّة جِدًّا، كان أفراد قيّادة منظّمة «إلى الأمام» يَشُكُّون في وَلَائِـي لهم، وكانوا يُحَاصِرُونَنِي سِرًّ. وَعَمِلُوا مِرَارًا على مُعَارَضَة نَشْر، أو تَدَاوُل، كِتَابَاتِـي وَآرَائِـي، سَوَاءً في داخل المنظمة، أم في خارجها.

وكانت هذه الاحتيّاطَات مُبَالَغ فيها، بَل خَاطِئَة. حيثُ كنتُ، في قَنَاعَاتِي العَمِيقَة، مُنَاهِضًا لِلْكَوْلَسَة، وَلِلزَّعَامِيَة، وَلِلتَآمُر. وَفِيمَا بَعْد، شَهِدَ مُـعْظَم المُـعْـتَـقَـلِين الشُبَّان مِن بَيْن الأعضاء القُدَامَـى في منظّمة «إلى الأمام» (بِمَا مَعْنَاه) أن «نَتَائِج تَحْلِيل تَسَلْسُل الاِعْتِـقَـالَات بين سَنَوَات 1974 و 1976، وَصُمُودِي ضِدّ التَـعْـذِيب، وَعَدَم تَسَبُّـبِـي في اِعْتِـقَال أَيّ مُنَاضِل، أَثْبَتَا أن إخْلَاصِي لِلمُنَظَّمَة وَلِلثَّوْرَة، كان أَكْثَر صَلَابَةً مِن مُـقَابِلِه لَدَى أَوْلَائِك الذين كانوا يَشَـكِّـكُـون في وَلَائِـي». لكن ما يَهُمُّ هُنا ليس هو القَضَايَا الشّخْصِيَة، وَإِنَّمَا هُو تَوْضِيح مَسْـئَـلَة تَـعَـامُـل أعضاء الحزب مع «الخِلَافَات السياسية»، ومع «النَّـقْـد السياسي».

4.3- مِن الظَوَاهِر الـغَـرِيبَة أيضًا، أنّ مُعْظَم الأعضاء في تنظيم «إلى الأمام»، كَانُوا يَـفْـتَـرِضُون تِلًـقَائِيًّا أن «الحِزْب يُجَسِّد بِالضَّرُورَة إِنْسِجَامًا تَامًّا في كلّ الأفكار». وَكَانُوا يَظُنُّون أن وُجُود خِلَافَات فِـكْرِيَة أو سياسية دَاخِل حِزب مُـعَـيَّـن، يُؤَدِّي حَتْمًا إلى اِنْشِـقَاق هذا الحِزْب. وَكُنَّا دَاخِل «إلى الأمام» نَـفْـتَـرِض أن «الخِلَافَات النَظَرِيَة» أو «الخِلَافات السياسية» خَطِيرَة، أو مُحَرَّمَة، دَاخِلَ الحِزب الوَاحد المُشترك. وهذا طبـعًا تَصَوُّر مِثَالِي، وَغَيْر جَدَلِي، وَغَيْر عَـقْـلَانِـي، بَلْ خَاطِئ. لِذَلك كان جُلُّ أعضاء الحزب، مِن القَاعِدَة إلى القِمَّة، يَخَافُون من ظُهُور «خِلَافَات نَظَرِيَة أو سِيَّاسية» فيما بين أعضاء الحزب. وَبِـتَـقَـالِيدِنَا السْطَالِينِيَة، كُنَّا نُحِسُّ بِظُهُور أَيِّ «خِلَاف نَظَرِي أو سيّاسي» على أنه «خَطَر جَسِيم»، قَدْ يُنْذِرُ بِـ «احْتِمَال التَطَوُّر إلى صِدَام، ثُمّ إلى اِنْشِـقَاق حِزْبِـي» في المُسْتَـقْـبَـل. وَكُنَّا نَتَحَدَّث عن بَوَادِر «الخِلَافَات النَظَرِيَة أو السياسية» بِحَذَر شَدِيد. وحتّى حينما كان بَعْضُنَا يَكْتَشِـفُ وُجُود «خِلَافَات نَظَرية أو سيّاسية» حَقِيقِيَّة، فإنه يَتَلَافَـى الوُقُوفَ عندها، أو التَـعْبِير عَنْهَا، أو البَحْث فيها. كما كان مُعظم الأعضاء في المُنَظَّمَة يَتَجَنَّبُون تَـعْـمِيقَ الدِرَاسَة في «الخِلَافَات» التي قَدْ تَظْهَر لِلْوُجُود. لِأَنَّنَا كُنَّا نَتَـوَجَّـسُ مِن التَسَبُّبِ في إِحْدَاث صِدَامَات حَادَّة، أو صِرَاعَات مُؤْسِـفَة. وَكُنَّا نَخْشَى التَسَبُّبَ في إِحْدَاث اِنْشِـقَـاقَـات تَنْظِيمِيَة جَدِيدَة، أو مُتَوَالِيَة، أو لَا مُنْتَهِيَة.

وفي نفس الوقت، كُنَّا نُمَارِسُ «النَـقْد السياسي»، و«الصِرَاع السياسي»، ضِدَّ الأشخاص الذين هُم خَارِج المُنَظَّمَة، بِـقُـوَّة حَمَاسِيَة، وَبِلَا هَوَادَة، وَلَا كِيَّاسَة، وَلَا مُرُونَة. وكنّا في بعض الأَحْيَان نُـقَلِّد أَسَالِيب النَّـقْد وَالصِرَاع الْاَكْثَرُ قَسَاوَةً لَدَى المُـفَـكِّرِين الماركسيّين الكبار، (مثل كَارْل مَارْكَسْ، وافْرِيدْرِيش إِنْغَلْس، وَافْلَادِيمِير لِينِين، الخ). وَمِن بين نَتَائِج هذه الأساليب القَلِيلَة الْلَّبَاقَـة في النَّـقْد والصِرَاع، أنّ كلّ شخص، أو حِزب، نَنْتَـقِـدُه، كان يُحِسُّ بهذا النَّـقْد الصَّارِم كَحُجَّة كَافِيَة على أننا نُريد تَدْمِيرَه. وَلَم نَكُن نُرَاعِي (في النَّـقْد، وفي الصِرَاع السِيَاسي) ضَرُورَة صِيَّانَة حُظُوظ مُسَاهَمَة الأشخاص الذين نَنْتَـقِـدُهُم في خَوْض «النِضَالَات الجَماهيرية المُشْتَرَكَـة» في المُسْتَـقْـبَـل الْآتِـي. الشَّيء الذي يُؤَكِّدُ، مَرَّةْ أُخرى، أننا لم نَكُن نُتْـقِـنُ فَـنَّ مُـعَـالَـجَة التَنَاقُضَات الثَانَوِيَة المَوْجُودَة في صُفُوف الشعب.

4.4- الحقيقة الثورية هي أنه لَا يُـعْـقَـل أن نَـعْـتَبِر «الحزب كَتَجْسِيد لِانْسِجَام تَامٍّ في كلّ الأفكار». وَلَا يُـقْـبَل أن نَتَصَوَّر «الحزب كَاِتِّـفَـاق يَشْمَل كلّ المَيَادِين، وَكُلّ التَـفَـاصِيل». بَلْ الحِزب يَـعْـنِـي فقط وُجُودَ اِتِّـفَـاق على خُطُوط عريضة، أو على تَوَجُّهٍ شَامِـل، أو على بَرْنَامَج عَام، مَعَ القَبُول، في نَـفْـس الوَقْت، بِـإِمْكَانِيَّة ظُهُور أو تَوَاجُد تَـفَـاوُتَـات في بعض الآرَاء، أو حَتَّى خِلَافات في بعض القَضَايَا الثَانَوِيَة، أو الجَدِيدَة، أو الجُزْئِيَة، أو التَـفْـصِيلِيَة. وَبِالتَّالِي، تُصْبِحُ «الخِلَافَات»، وَ«الْاِنْتِـقَـادَات»، و«الصِرَاعَات»، طَبِيعِيَة دَاخِل الحزب. بَل هي ضَرُورِيَة. بِشَرْط أن نُمَارِسَهَا بِمَهَارَة ثَوْرِيَة، وَبِلَبَـاقَة ذَكِـيَّة. وَدَوْر النِـقَـاشَات الدَاخِلِيَة في الحزب، وَدَوْر تَبَادُل النَّـقْد الرَّزِين، وكذلك دَوْر النَدَوَات، والتَكْوِينَات، والمُؤْتَمَرَات، وَمَا شَابَهَهَا، هو بالضَّبْط تَـعْـمِيق البَحْث العِلْمِـي، والنِـقَـاش الجِدِّي، في مُجمل تِلك القَضَايَا الخِلَافِيَة الجَدِيدَة، أو الثَانَوِيَة، أو الجُزْئِيَة، أو التَـفْـصِيلِيَة، بِهَدَف تَشْيِيد اِتِّـفَـاقَـات جَدِيدَة حَوْلَهَا في دَاخِل الحزب.

4.5- لَـقَدْ عَلَّمَتْنَا الجَدَلِيَة أنه مِن غير المَعْـقُول أن نَطْلُب مِن أعضاء الحِزْب أن يَكُونُوا كُلُّهُم مُتَّـفِـقِـين على كُلّ شَـيء. وَمِن السَّدَاجَة أن نَمْنَع ظُهُور الخِلَافَات. بَلْ مِن الطَبِيـعِي أن تَظْهَر، مِن فَتْرَة لِأُخْرَى، تَـفَـاوُتَـات في بعض الآراء، أو خِلَافات حَوْلَ بعض القَضَايَا الثَانَوِيَة، أو الجَدِيدَة، أو الجُزْئِيَة، أو التَـفْـصِيلِيَة. والحَلُّ لِمُعَالَجَة هذه الخِلَافَات الجُزْئِيَة، هو تَبَادُل الآراء، وَالْاِجْتِهَادَات، وحتى الْاِنْتِـقَادَات الجِدِّيَة والمُـعَـمَّـقَـة. بَل النِـقَـاشَات المُـعَـمَّـقَـة، وَتَبَادُل الْاِنتِـقَـادَات الرَّزِينَة، هي المَنَاهِج التي تُشَيِّدُ اِتِّـفَـاقَات جَدِيدة، وَتُـعِِيدُ بِنَاء وَحْدَة الحِزْب، وَتَضْمَن صَلَابَتَه، إِن هي مُورِسَت بِمَهَارَة ثَوْرِيَة مُلَائِمَة.

حَرَكِيَة النَّـقْد، ثُمَّ نَـقْد النَّـقْـد

كلّ نَـقْـد إِلَّا وَتَـتْـبَـعُـه رُدُود أَفْـعَـال، وَانْـتِـقَـادَات مُضَادَّة. فإن كان النَّـقد الأصلي سَلِيمًا، يُصْبِحُ بِالْإِمْـكَـان أن تَأْتِـيَ الرُّدُود عليه سَلِيمَة. وإن كان النَّـقْد الأَوّل جَارِحًا، أو فَـظًّـا، تَـتْـلُـوه بِالضَّرُورة رُدُود اِنْـتِـقَـامِيَة، أو عَدَائِيَة. وَقَدْ يَـغْـدُو هذا الجِدَال بِسُرْعَة عَـقِـيـمًـا.

5.1- لِاسْتِـعْرَاض بَعض النَمَاذِج المَلْمُوسة مِن النَـقْد السياسي المُوَجَّه إلى قِوَى اليسار بالمَغْرِب، أَذْكُر مَثَلًا مَقَالًا قَصِيرًا لِلسَيِّد أحمد الزُّوبْدِي، وَعُنْوَانُه هو «اليَسَار المَـعْطُوب». [وقد نَشره على موقع "الحِوَار المُتَمَدِّن"، وعلى صفحته الشخصية على "الفيسبوك"].
وقد اِنْتَـقَـدَ أحمد الزُّوبْدِي قِوَى «اليسار» في المغرب، لكنه لم يُحَدِّد بِدِقَّة مَا هي الأحزاب التي تَدخل ضِمْنَ هذا «اليسار»، وَتِلك التي لَا تَسْتَحِقُّ أن تُدْخَل فيه.

وَكَتب أحمد الزُّوبْدِي عن أحزاب اليسار: «المُـعِيـق الأوّل [لِنَجَاعَة اليسار] هو غِيَّاب الفِـكْر». وَمِن الخَطَء أن نَـقُول أنّ الفِـكْرَ «غَائِب»، أو مُنْـعَدِمٌ تَمَامًا، لَدَى أحزاب اليسار. لأن كلّ قُوَّة مِن بَيْن قِوَى اليَسَار تَحْمِلُ بِالضَّرُورَة فِـكْـرًا مُحَدَّدًا. وَالـعَائِـق [الذي يَـعُوقُ فَـعَـالِيَة اليَسَار] هو أن نَوْعَ الفِـكْـر السَّائِد لَدَى بعض قِوَى اليَسَار هو نَمَط الفِـكْر البُورْجْوَازِي الصَغِير. وَمِن مِيزَات نَمَط الفِكْر البُرْجْوَازِي الصَّـغِير أنه رَأْسَمَالِـي، وَإِصْلَاحِي، وَمُسْتَلَب. وَبِالتَّالِي وَجَبَ التَرْكِيز على نَـقْد مَضْمُون نَمَط الفِـكْر البُورجوازي الصَّـغِير، وليس التَنْدِيد بِـ «غِيَّاب» أيّ فِكْر.

وَاتَّهَمَ أيضًا أحمد الزُوبْدِي أحزاب اليسار بِكَوْنِها «مُخْتَرَقَة مِن طرف الأجهزة الأمنية بشكل فَظِيع». وَمِن المُمكن أن يَـكُون هذا الْاِتِّهَام صَحِيحًا، بِدَرَجَة مُحَدَّدَة، أو بِأُخْرَى. كما يُمكن أن يَكُون هذا الاِتِّهَام خَاطِئًا. لكن عَيْب مقال أحمد الزُوبْدِي هو أنه لم يَذْكُر المَرَاجِع، وَلَا المَصَادِر، التي اِستَنَدَ عليها في التَـعْبِير عن هذا الاِتِّهَام. وَلَمْ يُـقَدِّم مقال الزُوبْدِي أَيَّةَ حُجَّة كَافِيَة، أو مُـقْنِعَة، لِإِثْبَاتِ هذا الاِتِّهَام.

كما كَتب الزُوبْدِي عن أحزاب اليسار التي تَتَوَافَـقُ، أو تَتَـآلَـفُ، مع النظام السياسي المَخْزَنِي القائم في المغرب، أنها «يَسار مُدَلَّس، صَنَـعَه المَخْزَن». بَيْنَمَا هذه الأحزاب المَقْصُودَة، والتي تُهَيْمِنُ دَاخِلَها عَنَاصِر مِن الفِـئَات الطَبَـقِـيَـة البُورْجْوَازِية الصَّغِيرة، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصْنَـعْهَا النظام السياسي المَخْزَنِي القائم، فإن طَبِيعَتَهَا الطَبَـقِيَة البُورْجْوَازِية الصَغِيرَة، تَدْفَعُها بِـقُوَّة نَحْوَ التَـعَامُل، أو التَـعَاوُن، مَع الأَعْدَاء الطَبَـقِـيِّين لِلشَّعْب، ومع النظام السياسي الاستبدادي القائم. وَمَا يجب علينا أن نُوَضِّحَه، هو أن مِيزَة الفِئَات الطَبَـقِـيَـة البُورْجْوَازِيَة الصَّـغِـيرة، هي أنها، في وَقْت السِّلْم، تَكُون تَـقَـدُّمِيَة، أو نَاقِدَة، أو مُطَالِبَة بِالدِّيمُوقْرَاطِيَة. وفي وَقْت الْاِنْتِخَابَات العامّة، تُرِيد الحُصُول على أَصْوَات قِوَى اليَسَار. وفي وَقت اِشْتِدَاد الصِرَاع الطَبَـقِـي، تَحْرُصُ فِئَات البُورْجْوَازِيَة الصَّغِيرَة، بِمَا فِيها الفِئَات التي تَدَّعِـي تَبَنِّـي «الْاِشْتِرَاكِيَة»، تَحْرُصُ على الْاِبْتِـعَـاد عَنْ اليَسَار، وَعَلى الْاِصْطِـفَـاف إلى جَانِب النِظَام السيّاسي الرَّأْسَمَالِـي الْاِسْتِبْدَادِي القَائِم.

وَتُهَيْمِنُ على مقال أحمد الزُّوبْدِي نَبْرَة فيها شَيْءٌ مِن الْاِحْتِـقَـار، أو مِن العَدَاوَة، لِـ «أحزاب اليسار» بالمغرب. وهذا سُلُوك غير سَلِيم، أو غير مُسْتَحَب. لأنه، مَهْمَا تَكَاثَرَت اِنْتِـقَادَاتُنَا لِـقِـوَى اليسار، يجب علينا، في نفس الوقت، أن لَا نَنْسَى أنها قِوَى مُنْبَثِـقَـة مِن واقع المُجتمع المَوْضُوعي، وأنها تُـعَـبِّـر عن التَنَاقُضَات الثَانَوِيَة المَوجُودة في صُفُوف الشَّعب. وَرَغْمَ الأخطاء التي يُمكن أن تَـقُـومَ بها أحزاب اليَسار، يَلْزَمُنَا أن نَتَـعَـامَل معها بِحَدٍّ أَدْنَـى مِن الْاِحْتِرَام. وَإذا اِنْتَـقَـدْنَاهَا، يَنْبَـغِـي أن نَنْتَـقِـدَهَا بِدُون تَشَـفِّـي، وَلَا نِكَايَة، وَلَا تَـعَـالِـي. ويجب أن يكون هدف نَـقْدِنَا السياسي [لِـقِـوَى اليَسَار] هو تَـقْـوِيم المُنْتَـقَد، وليس إِدْلَال المُنْتَـقَـد، وَلَا القَضَاء عليه.

5.2- في نَمُوذَج آخَر مِن النَّـقْد السياسي، أقدم عبد الله الحريف على نشر بعض انتـقاداته المُوجّهة إلى بعض قِوَى اليسار (تحت عُنوان: «نَـقْد بعض الأفكار الخاطئة»). وقد شَكَّلَ هذا النَّـقْد مُبادرة نادرة، وجرّيئة، وتستحق الاهتمام، والتشجيع. لكن هذه المُبادرة تَوَقَّـفَـت حيثُ بدأت. ولم يَتْبَـعْـهَا تَبَادُل لِلْحِوَار النَّـقْـدِي البَنَّاء، فيما بين قِوَى اليسار.

وقبل عَرْض اِسْتِنْتَاجَات أخرى في مَوْضُوع هذا النَّـقْد، أُعِيدُ التَذْكِير هُنَا بِمَا وَرَدَ في بداية هذه الدِرَاسَة. حيث أن عبد الله الحريف طَرح في مقاله أن قِوَى "فيديرالية اليسار" تَلْتَزِمُ بِـالمُشاركة في «الانتخابات ... [التي] تُـكَرِّسُ شَرْعِيَة المَخْزَن». وَتُطالب القِوَى المُكَوِّنَة لِـ "فيديرالية اليسار" بِـ «المَلَكِيَة البَرْلَمَانِيَة»، وَتُريد «تَحْقِيقَهَا مِن خلال تَوَافُـقَات فَوْقِيَة مع المَخْزَن»، بَدَلًا مِن العَمَل على إِسْـقَاطِ هذا النظام السياسي، باعتباره «غَيْرَ قَابِل للإصلاح». وطرح الحريف أن مُشاركة "حزب الاتحاد الاشتراكي" في «التَنَاوُب» على الحُكُومَة «أَدَّى إلى إِضْعَاف اليسار». وَاتَّهَمَ الحريف قِوَى "فيديرالية اليسار" بِـ «الذَّيْلِيَة التامّة لمواقف ومُبادرات المَخْزَن» في قضية الصحراء الغربية. وكتب الحريف «أن "حِزب المُؤتمر الوطني الاتحادي" [هو] مُجَرَّد واجهة لِنَـقَابَة "الكُونْـفِيدِيرَالِيَة الدِّيمُوقراطية لِلشُّـغْل"»، وأنه «يَلْتَزِم بالسِّلْم الاجتماعي، على حِسَاب الطبقة العاملة... وَيَتَوَاطَؤُ مع المَخْزَن» [أي النظام السياسي القائم في المغرب]. وقال الحريف أن «قيادة "الحزب الاشتراكي المُوَحَّد" تُـؤَكِّد أنها ليست ضِدَّ المَخْزَن». أَيْ أنها تَرْفُضُ العَمَل من أجل إِسْـقَاطِه. وقال الحريف أن «خَطًّا سِيَّاسِيًا يَمِينِيًّا... يُهَيْمِنُ داخل "حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"... [وداخل] "فيديرالية اليسار الديموقراطي"». وَنَدَّدَ الحريف بِـ « أَوْهَام التَوَافُـق مع المخزن». وَرَأَيْنَا فيما سَبَق أن مناضلين من "حزب الطَّلِيـعَة" رَدُّوا على عبد الله الحريف. حيثُ وَصَفَه مُنعم أُوحَتِّـي بِـ : «الضَّحَالة»، و«القُصُور في التَـفْـكِير»، و«الصِّبْـيَانِيَة»، و«التَّـيَـاسُر». وَوَصَفُه محمد بوبكر بِـ : «أَلْزْهَايْـمَر السِّيَاسي»، وَ«التَّـعْـوِيض عَن النضال». وَوَصَفَه ادريس غازي بِـ : «عَـرْقَلَـة الوحدة»، و«التَـشْوِيـش على المُؤتمر الاندماجي» فيما بين أَحْزَاب "فِيدِيرَالِيَة اليَسَار الديموقراطي". وَلَم يُدْرِك المُناضِلُون الذين رَدُّوا على عبد الله الحريف، أن المُشْكِل الذي يَهُمُّنَا، لَيْسَ هُو هَل شَخْص النَّاقِـد حَسَن أم قَبِيح، وَإِنَّمَا هُو: هَلْ الْاِنْتِـقَادَات التي طَرحَهَا النَّاقِد صَحِيحَة أم خَاطِئَة؟ وَلِمَاذَا؟

وَبِـغَـضِّ النَـظَر عن شكل ومضمون انتـقادات عبد الله الحرّيف، كان مِن حَقِّه كَمُواطن، وكمناضل، أن يُعبّر عن انتـقاداته، وأن ينشرها، ولو كانت هذه الانتـقادات مُوجّهة إلى أحزاب مُحْتَرَمَة، تُحْسَبُ عَادَةً على اليَسار، مثل "حزب الْاِشْتِرَاكِي المُوَحَّد"، و"حزب الطليعة ، و حزب المؤتمر الاتّحادي ، و"فِيدِيرَالِيَة اليَسَار الدِّيمُوقْرَاطِي".

5.3- مِن الأَكِيد أن قوى اليسار بالمغرب تَحْتَاج إلى تَـبَـادُل النـقد المَـكْتُوب، والبَنَّاء، فيما بينها. وهذا النـقد الفكري أو السياسي هو، ليسَ فقط حَـقٌّ مَشْرُوع، وإنما هو أيضًا واجب نضالي. بَل يُشكّل ضَرورة مُلِـحَّة في الفترة التاريخية الحالية. ولماذا ؟ لأنه، إذا لم تَتَبَادَل قِوَى اليسار النَّـقْد النَظَرِي، أو السِيَّاسِي، فيما بينها، فإنها لَن تَسْتَطِيع الخُروج مِن بعض سُوء التَـفَـاهُمَات القَائِمَة فيما بينها. وَلَن تَـقْـدِرَ على تَوْضِيح نَوْعِيَة الخِلَافَات النَظَرِيَّة، أو السِيَاسية، أو التَـكْـتِيـكِيَة، أو الاِسْتْرَاتِيجِيَة، الموجودة فيما بينها. ويَحْتَاجُ النضال الجماهيري المُشترك، ليس فقط إلى إِبْرَاز القَـنَـاعَات المُشْتَرَكَة، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِب أيضا، تَوضِيحَ طَبِيـعَة الخِلَافَات، وَتَـقْدِير حَجْمِهَا، وَتَحْدِيد أسبابها، وَفَهْم تَأْثِيرَاتِهَا أو نَتَائِجِهَا على إِمْكَانَات خَوْض النضالات الجماهيرية المُشتركة. وَتَبَادُل النَّـقْد البَنَّاء، هو الذي يُساعد على بُلُوغ هذا الوُضُوح.

5.4- لم يَستـعمل عبد الله الحريف، في مقاله المذكور سابقا، سَبًّا وَاضِحًا، وَلَا تَحْـقِـيـرًا مَـقْـصُودًا.

ورغم كلّ ذلك، وَلِكَي نَكُون مُتَوازِنِين في أحكامنا، يُمكن أن نَـقُول نِسْبِيًّا أن عبد الله الحريف لَمْ يُرَاعِ بما فيه الكِفَايَة ضَرورة الكِيَاسَة في بعض التَعَابير، أو الْلَّبَاقَـة في إِصْدَار بعض الأحكام، أو الحَذَر في اختيار عِبَارَات بعض التَصْنِيـفَات السياسية. وذلك بالضّبط بهدف تَلَافي إِثَارَة الحَسَاسِيَّات، أو الذَاتِيَّات، أو الأحقاد، لَدَى الأشخاص المُنْتَـقَـدِين. وكذلك بهَدَف أن لَا يُحَطِّمَ هذا النَّـقْد إمكانيةَ خَوْض النضال الجماهيري المُشْتَـرَك في المُستـقبل، مع هؤلاء الأشخاص والمناضلين المُنْتَـقَـدِين. خاصّة وأن مُجتمعنا لا يَـأْلَـفُ النَّـقْد. وأفراد شعبنا لا يَتَحَمَّـلُونَـه. وحتى مناضلي قِوَى اليسار، لَم يَتَـعَوَّدُوا بَـعْدُ على تَحمّل النَّـقد السِيَّاسِي العَلَنِـي المَـكْتُوب. بَل غَالِبًا مَا يُحِسُّ مُوَاطِنُونَا بِالنَّـقْد كَاسْتِـفْـزَاز، أو كَهُجُوم، أو كَـعُـدْوَان.

5.5- عند كتابة النـقد السياسي فيما بين المناضلين، أو فيما بَين القِوَى السياسية، نَـعِيش التَـنَـاقُـض التّالي : من جهة أولى، نَـوَدُّ التَـعْبِير عن آرائنا وَتَـقْـيِـيمَاتِنَا، بشكل صَريح، وَكَامِل، وَبِلَا خَوْف، وَلَا بَتْر، وَلَا نُـقْصَان، وَبِدُون مُرَاوَغَة، وَبِدون كَبْت قَنَاعَاتنا العَمِيقة. ومن جهة ثانية، نحتاج إلى تَلْطِيف عِبَارَات اِنْـتِـقَادَاتِنَا، لكي لَا تَـكُون جَارِحَة. وفي أحيان كثيرة، نَرْتَبِـك، أو نَتَرَدَّد، فَلَا نَدْرِي هل يجب أن نَـنْـتَـقِد، أم أنه مِن الأَحْسَنِ أن نَسْكُت. لأنه، إذا كانت التَـعَابِير المُستـعمَلة في النَّـقد جَارحة (وَلَوْ مِن وُجْهَة نظر المُنْتَـقَـد وَحْدَه)، فإن المُنْتَـقَد سيرفض النـقدَ الموجّه إليه في شُمُولِيَتِه. بل قَدْ يُحِسُّ المُنْتَـقَد بهذا النَّـقْد كَـهُجُوم عُدْوَانِـي عليه. وَمِن المُحْتَمَل أن يَكون هذا هو بالضَّبْط الشُّـعُور الذي أَحَسَّ به بعض مناضلي حزب الطَّلِيعَة ، و حزب الاشتراكي المُوَحَّد ، و"حزب المُؤتمر الْاِتّحَادِي"، مِن خِلَال قِرَاءَة اِنْتِـقادات عبد الله الحريف.

5.6- صَحيح أن عبد الله الحريف لم يُعَلّـل بما فيه الكفاية بعض انتقاداته بِحُجَج كافية، أو موضوعية، أو مُـقْـنِـعَة (مَثَلاً حينما اِتَّهَم بعض قِوَى اليسار بِـ : «الذَّيْـلِـيَـة» لِلنظام السياسي في قضية الصحراء الغربية، أو حينما اِتَّـهَـمَـهَا بِتُهْمَة «أنها ليست ضِدَّ المَخْزَن»، أو حِينَ كَتَبَ عَنْهَا أنها تُطَبِّـقُ «خَطًّا سِيَّاسِيًّا يَمِينِيًّا»، إلى آخره). فإذا كان من حقّ النّاقد أن يَنْـتَـقِد بِحُرِّيَة، فَمِن الواجب عليه، في نَـفْس الوَقت، أن لا يَطرح إلاّ الانتـقادات التي يستطيع تَـقْديم الحُجج المَوْضُوعية، والكافية عليها. (وَلَوْ تَطَلَّبَ ذلك تَطْوِيل المَقَال النَـقْـدِي المَـعْنِي). كما يجب على المُنْتَـقَد، مِن جِهَتِه، أن يَتَحَلَّـى بِرُوح رِيَّاضِيَة، وَبِالتَأَنِّـي، وبالتواضع، وَبِالكِيَّاسَة، وأن يقبل نِـقَاش النَّـقْد المُوَجَّه إليه، ولو كان شكل هذا النّـقد مُخالفا نسبيًّا لِأَعْرَاف النّـقد السّليم. لأن الغاية (لَدَى المناضلين الثوريّين) هي استمرارية التَوَاصُل، وَالتَأْثِير، وَالتَـأَثُّـر، والتَـعَاوُن، وَالتَـكَامُل، وَخَوْض النضال الجماهيري المُشترك.

5.7- صحيح أن رفاقنا المُحترمين: مُنْعِم أوحَتّي، ومحمد بوبكر، وادريس غازي، أَحَسُّوا بانتـقادات الرفيق المحترم عبد الله الحريف كأنها تَهَجُّمَات تَحتوي على تَجْرِيح، أو إهانة، أو اِحْتِـقَار، أو تَخْوِين. إِذْ نَـعَـتَ مُنْـعِم أُوحَتِّـي عبد الله الحريف بِـ : «الضَّحَالة»، و«القُصُور في التَـفْـكِير»، و«الصِّبْـيَانِيَة»، و«التَّـيَـاسُر». ووصفه محمد بوبكر بِـ : «أَلْزْهَايْـمَر السِّيَاسي»، وَ«التَّـعْـوِيض عَن النضال». وَوَصَفُه ادريس غازي بِـ : «عَـرْقَلَـة الوحدة»، و«التَـشْوِيـش على المُؤتمر الْاِنْدِمَاجِي» فيما بَيْن أحزاب "فِيدِيرَالِيَة اليسار الدِيمُوقْرَاطِي".

5.8- إن كان من حقّ هؤلاء الرفاق (مُنْعِم أوحَتّي، ومحمد بوبكر، وادريس غازي) أن يردّوا على نَـقْد عبد الله الحريف بِالأُسلوب الذي يُلَائِمُهُم، فَإِنّ هذه الأساليب العَدَائِيَة في تبادل النـقد السياسي تَـبْـقَـى مُؤسفة، وسلبية، بَل ضَارَّة. وَلَيْس لَائِــقًا أن نَصِف بتلك الأوصاف التَحْـقِـيرِيَة مُناضلًا مَـعْـرُوفًا بِتَوَاضُعِه، وَصَبْرِه، وطَيْبُوبَتِه، مثل عبد الله الحريف، الذي كرّس حياته للنضال الثوري في منظمة إلى الأمام ، وحُـكم عليه بِـ 32 سنة سجنا، وقضى منها قُرابة 18 سنة داخل السجن، بمعنويات صامدة. وضحّى، وَمَا زال، بمهنته الأصلية. الشيء الذي لا يعني أنني أَنْـكُر أن المناضلين الآخرين (من "حزب الطليعة")، الذين هاجموا عبد الله الحريف، هم أيضًا معروفون بنزاهتم، وبإخلاصهم، وَبِـغَيْرَتِهم. وتضحياتهم لا تَـقِلُّ قيمةً عن تضحيات عبد الله الحريف. وَلَوْ أن الموضوع الذي يَهُمُّنَا هنا، هو تَبَادُل دِرَاسَة النَّـقْدُ السياسي الجَيِّد، وليس هو المُـقَـارَنَة فيما بين قِيَم مُخْتَلَف المناضلين.

5.9- يَلزم أن نعترف أن كل هؤلاء المناضلين، سواء  عبد الله الحريف من حزب النهج ، أم مُنْعِم أوحَتّي، أم محمد بوبكر، أم ادريس غازي، أو مَن شابههم، من مختلف قِوَى اليسار، وبالرّغم مِمّا قد يَصدر عنهم مِن هَـفَوَات مِن فَترة لأخرى (مثلما يمكن أن يَصْدُر عَنِّـي أنا أيضا)، كلهم مناضلون معروفون بصدقهم، ونزاهتهم، وبأنهم كَـرَّسُوا جزءًا هَامًّا مِن حياتهم للنضال، وأنهم ضحّوا، وأنهم مَا زالوا صامدين في قناعاتهم، وفي مُسَاهَمَاتِهم الثورية. وَهذه القَـنَاعَات الفكرية، والممارسات النضالية، التي تتوفّر لدى كّل هؤلاء المناضلين، هي أكبر بكثير مِن الخِلَافَات الجُزْئِيَة التي تُـفَـرِّقُهُم. وعليه، لَا نَـقْـبَل بأن يَـغْرِق هؤلاء المناضلين، أو مَن شابههم، في سُوء التَـفَاهُم، أو في أَحْـقَاد مُـفْـتَـعَلَة، أو مُضَخَّمَة. وهذه التَـفَاعُلَات السِلْبِيَة، هي نَـفْـسُهَا نَاتِجَة عن أساليب عَمَل قد تَـتَّسِم بِـقِـلَّـة المَهَارة (maladresse)، أو بِـقَدْر مِن الطَيْشِ، أو الْاِسْتِـخْـفَـاف.

 المَنْطِـق المَـفْـقُـود في النَّـقْد السياسي

6.1- في مجالات النِـقَاش، أو النَّـقْد، أو الصِرَاع السياسي، بين عِدَّة فَاعِلِين، يَرَى بعض الأشخاص فَقَط نُـقَـطَ اِتِّـفَـاقٍ، أو يَرَوْن فَقَط وُجود خِلَافَات، أو يَرَوْن فَقَط وُجُود سُوء تَـفَاهُمَات. بينما في الواقع المَلْمُوس، تُوجَد في مُـعْظَم الحالات، وفي نَـفْس الوَقت، اِتِّـفَـاقَـات جُزْئِيَة، وَسُوء تَـفَاهُمَات، وكذلك خِلَافَات جُزْئِيَة، أو تَنَاقُضَات. وَإِذَا تَحَدَّثْنَا عن وُجُود اِتّـفَـاقَـات جُزْئِيَة بَيْم الفَاعِلِين المُتَصَارِعِين، فَهذا لَا يَـعْـنِـي أننا نَـنْـفِـي وُجُود خِلَافَات بينهما. وإذا تَـكَـلَّمْنَا عن وُجُود سُوء تَـفَاهُمَات بين الفاعلين المُتصارعين، فهذا لَا يَـعْـنِـي أن الخِلَافَات غير مَوجُودة بينهم. كما أنه إذا تَـكَـلَّمْنَا عن وُجود خِلَافَات، فهذا لَا يَـعْـنِـي أن سُوء التَـفَاهُمَات غير مَوْجُودة، أو أنه يَحِـقُّ تَجَاهُلُها. بَل تَتَوَاجَد، وَتَتَزَامَن، في نفس الآن، اِتِّـفَـاقَات جُزْئِيَة، وَسُوء تَـفَاهُمَات، وكذلك خِلافات. وكلّ نِـقَاش، أو نَـقْد، أو صِرَاع سيّاسي، يَتَطَلَّبُ مِنَّا مُـعَـالَجَة كُلّ سُوء التَـفَاهُمَات، وكذلك الخِلَافات، والتَنَاقُضَات، بِالمَنَاهِـج المُلَائِمَة لِكُلّ صِنْـف منها.

6.2- وبشكل أَعَم، يَرَى بعض الفاعلين إِمَّا وُجُودَ شيءٍ مُحَدَّدٍ، وَإِمَّا وُجُودَ نَـقِيضِهِ. وَيَصْـعُب على هؤلاء الفاعلين أن يَرَوْا، في نَـفس الوقت، وُجُود الشَّيء، وَوُجُود نَـقِـيضِه. حيث يَصْـعُب على عُـقُول هؤلاء الفَاعِلِين أن يَرَوْا التَنَـاقُضَات كما هي مَوْجُودة في الوَاقِع. وَمِن بَيْنِهَا التناقُض المُتَجَلِّـي في وُجُود الشيء، وفي وُجُود نَـقِـيضِه، وَلَوْ بِدَرَجَات مُتَـفَاوِتَة.

6.3- كلّ نِـقَـاش بين فَاعِلَيْن أو أكثر (سَوَاءً كان ذَا طَبِيـعَة ثَـقَافِـيّة، أم اِقْتِصَادِية، أم سِيَّاسِية)، يُؤَدِّي إلى اِكْتِشَاف، أو إلى الْاِصْطِدَام بِـ، آرَاء مُتَبَايِنَة، أو مُقَارَبَات مَنْهَجِيَة مُتَضَارِبَة، أو خِلَافات سِيَّاسية. وَكُلّ خِلَاف سيّاسي يَـدْفَـعُ إلى تَبَادُل النَّـقْد السيّاسِي. وَكُلّ تَبَادُل لِلنَّـقْد السِيّاسي يَحْمِلُ في دَاخِلِه صِرَاعًا سِيَّاسِيًّا. وكلّ صِراع سياسي يَخْـفِـي في أَحْشَائِـه صِرَاعًا طَبَـقِـيًّـا. وَقَدْ يَظْهَرُ الصِرَاعُ الطبقي، حَسَب الفَـتَـرَات التَاريخية، على شَـكْـل أَنْمَاط، أو مُسْتَوَيَات، يُمكن أن تَكُون مُتَـفَاوِتَة، أو مُخْتَلِـفَـة. وَكُلّ صِرَاع طَبَـقِـي يُـعَـبِّـر عن تَنَـافُـس، أو عِرَاك، أو تَنَـاقُـض، بَيْن مَصَالِح فِـئَـات مُتَمَيِّزَة، أو بين طَبَـقَـات مُجْتَمَـعِيَّة، تَتَصَارَعُ حول مَصَالِح مُتَنَاقِضَة. وكُلّ وَاحدة مِن بَيْن هذه الفِئَات، أو الطبقات المُجتمعية المُتَصَارِعَة، تكون إمّا مُحَافِظَة أو تَـقَـدُّمِيَة، وَإِمَّا سَائِدَة أو مَسُودَة، وَإمَّا مُسْتَـغِـلَّـة أو مُسْتَـغَـلَّـة، وَإِمَّا حُرَّة أو مُضْطَهَدَة، وَإِمَّا ذَات اِمْتِيَّازَات خَاصَّة أو مَحْرُومَة منها.

وَهَكَذَا، فإن كلّ خِلَاف فِكْرِي، أو نَظَرِي، أو سيّاسي، يَرْجِـعُ، في عُمْـقِـه، إلى صِرَاع مُجتمعي حول مَصَالِح ىطَبَـقِـيَـة مَادِّيَة لَا يُمكن التَوْفِـيـق بَيْنَهَا.

6.4- في غالبيّة الحالات، يَنْسَـى، أو لَا يُدْرِكُ، بعض الـفَـاعِلِين المُشَارِكِين في النِـقَـاش، أو في تَبَادُل النَّـقْد، أو في خَوْض الصِرَاع السياسي، المَنْطِـقَ النِسْبِـي الذي يَتَحَـكَّم في هذا الجِدَال. حيثُ أنه، في كلّ نِـقَـاش، أو خِلَاف، أو صِرَاع سيّاسي، يَـظُـنُّ كلّ فَاعِل أن رَأْيَـه الشَّخْصِي مَبْنِيٌّ على أُسُـس مَنْطِـقِـيَـة خَالِصَة، أو على أُسُـس عِلْمِيَة دَامِـغَـة. بَيْنَمَا العُـنْصُر الأَسَاسي الذي يُحَدِّد المَوْقِـف السياسي لِكُلّ فَاعِل، هو مَوْقِـعُـه الطَبَـقِـي في التَشْكِيلَة المُجتمعية المَـعْـنِيَة.

وَيَظُنُّ كلّ فَاعِل أن رَأْيَه الشَّخْصِي هو وَحْدَه الرَّأْي الصَّحِيح، أو الصَّائِـب، أو المُـحِـقّ. وَيَـنْـسَـى بَعض الأَطْرَاف، أو قَدْ لَا يُدْرِكُون، أن كلّ رَأْي مُحَدَّد، لَا يُمكن أن يَكُون صَحِيحًا إِلَّا في إِطَار مَنْظُومَة فِـكْـرِيَـة مَرْجِـعِـيَـة مُحَدَّدَة.

وَإِذا وَضَـعْـنَـا رَأْيًا مُحَدَّدًا (يَـفْـتَـرِضُ الشخص الذي يَحْمِلُهُ أنه صَحِيح)، في إِطَار مَنْظُومَة مَرْجِـعِـيَـة أُخْرَى (مُخَالِـفَـة لِلمَنْظُومَة الأُولَى المذكورة)، فإن هذا الرَّأْي سَيُصْبِحُ خَاطِئًا. وهكذا، فإن رَأْيَ مُـفَـكِّر مَلَكِي، سَيَكُون صَحِيحًا في إطار مَنْظُومَة فِكْرِيَة أو قِيمِيَة مَلَـكِيَة؛ لكنه سَيُصْبِحُ خاطئًا في إطار مَنْظُومَة فِـكْرِيَة أو قِيمِيَة جُمْهُورِيَة. وَرَأْي مُـفَـكِّـر مُحَافِظ، سَيَكُون صَحِيحًا في إِطَار مَنْظُومَة فِـكْـرِيَة مُحَافِظَة، لكنه سَيُصْبِحُ خَاطِئًا في إِطَار مَنْظُومَة فِـكْـرِيَة ثَـوْرِيَة. وَرَأْي مُـفَـكِّـر اِشْتِرَاكِي، سيكون صحيحا في إطار مَنظومة فِـكـرية اِشتراكية، لكنه سيصبح خاطئا في إطار مَنظومة فِـكرية رَأسمالية، أو إِمْبِرْيَالِيَة. وَمَا هُو مَشْرُوع، أو قَانُونِي، أو صَحِيح، طِبْـقًا لِمَصَالح الطَبَـقَـات المُسْتَـغِـلَّة، سَيَـكُون غير مَشْرُوع، أو غَيْر عَادِل، أو مَرْفُوض، مِن وُجْهَة نَظَر الطبـقات المُسْتَـغَـلَّـة.

وَهَكَذَا، فَإِنّ إِمْـكَـانِيَّات الْاِقْـنَـاع في الخِلَافَات السياسية (بِوَاسِطَة المَنْطِق الخَالِص وَحْدَهُ، أو بواسطة الحُجَج العِلْمِيَة) سَتَـكُون ضَئِيلَة، أو مُنْـعَـدِمَة. لأن الخِلَافَات السياسية تَـعُود في العُمْق إلى الصِرَاع حول مَصَالِح طَبَـقِيَة لَا يُمكن التَوْفِيق بَيْنَهَا. وَفي هذه الصِرَاعَات السِيَاسِيَة، غَالِبًا مَا تَكُون الْاِعْتِبَارَات الْأَيْدِيُّولُوجِيَة (الزَّائِـفَـة) مُسَيْطِرَة، وَمُـغَيِّبَة، لِلْاِعْتِبَارَات المَوْضُوعِيَة، أو العِلْمِـيَة.

وَفي واقع كُلّ مُجتمع طَبَـقِـي، لَا يُمكن مُـعَالَجَة هذه الخِلَافَات، أو الصِرَاعَات، سِوَى عَبْر تَـغَـلُّـب طَرَفٍ على الطَرَف النَـقِيض، وَفَـرْض مَصَالِحِه عَلَيْه. فَـلَا يُمكن التَوفيق بين مَصَالِح طَبَـقَة المُسْتَـغِـلِّين ومَصَالِح طَبَـقَة المُسْتَـغَـلِّين. فَإِمَّا أن تَـفْـرِض طَبَـقَة المُسْتَـغِلِّين دِكْتَاتُورِيَتَها على طبقة المُسْتَـغَـلِّين، وَإمَّا أن تَـفـرض طَبـقـة المُسْتَـغَـلِّين دِكْتَاتُورِيتَهَا على طَبَـقَة المُسْتَـغِـلِّين. وَإِذَا مَا وُجِدَ تَوَافُـق بين هَاتَيْن الطَبَـقَـتَيْن المُتَنَاقِضَتَيْن، في مُجتمع تَارِيخِي مُـعَـيَّـن، فإن هذا التَوَافُـق سَيَكُون مُجرّد مَظْهَر مُؤَقَّـت، أو غَيْر مُتَوَازِن، أو مُخَادِع، وَيُخْـفِـي (في تَـفَاصِيلِه المُسْتَـتِـرَة) دِكْتَاتُورِيَة طَبَـقِـيَـة فِـعْـلِيَة. وَهكذا، فإنّ «الدِّيمُوقْرَاطِيَة البُورْجْوَازِيَة» مثلًا، القَائِمَة في دُول أَوْرُوبَّا الغَرْبِيَة، وَأَمْرِيكَا الشَمَالِيَة، التي تَدَّعِـي خَلْق تَوَافُـق أَبَدِي بين طَبَـقَـات المُجتمع الرَأْسَمَالِي، والمَبْنِيَة على أساس الانتخابات العامّة (لانتخاب الرئيس، والبرلمان، والجماعات المحلية، الخ)، هي في العُمْق دِيكْتَاتُورِية مُمَوَّهَة لِطَبَـقَات المُسْتَـغِلِّين الكِبَار، السَّائِدَة على طَبَـقَات المُسْتَـغَلِّين، وعلى بَاقِي المُجتمع.

6.5- كَثِيرُون مِن الأَشخاص يَدْخُلون عَـفْـوِيًّا في نِـقَاشَات صَاخِبَة، وَيَتَكَلَّمُون بِذَاتِيَة كَبِيرَة. وفي مُعْظَم الحَالَات، لَا يَـعرفون مَا هُو النِـقَاش الجِدِّي، وَلَا ما هي قَوَاعِدُه، أو شُرُوطه، أو أَهْدَافُه. وَبِدُون وَعْـي، يُمَارِسُون هذا النِـقَاش كَـمُبَارَزَة بين أشخاص ذَاتِيِّين، وَيَتَنَافَسُون على الـغَلَبَة، أو الرِيَادَة.

 الشُـرُوط المَطْلُوبَة في النَّـقْد السِّيَاسِي

تَبَادُل النَّـقْد السِّيَاسي فيما بين المناضلين، وفيما بين القِوَى السياسية التَـقَدُّمية، والثورية، هو مِن ضِمْن أَهَمّ الوَسَائِل التي تُسَاعد هذه القِوَى على تَـقْـوِيم نَـفْـسِهَا، وَعلى تَلَافِ اِنْحِرَافِـهَا، وَرَفع مُسْتَوَى فَـعَالِيَّتِهَا. وَلِكَيْ يَـكون النَّـقْد مَـقْبُولًا، وَبَنَّاءً، يَجب على الشَّخْص النَّاقِد أن يُمارس هذا النَّـقْد السِيَاسِي، طِبْـقًا لِمَنْهَج ثوري دَقِيق. وَأَهَمُّ قَـوَاعِد هذا المَنهج هي التَّالِيَة:

7.1- يجب على كلّ شخص يُرِيد مُمارسة النَّـقد السِّيَاسِي، أن يَـعرف مُسْبَـقًا، أن كُلّ نَـقْد عَلَنِي، يُمكن أن يُصْبِحَ خَطِيرًا، أو قَاسِيًّا، أو مُؤْلِمًا، لَدَى الشَّخْص المُنْتَـقَد. لِذلك، تَـتَـطَلَّبُ مُمارسة النَـقْد كِيَّاسَةً كَبِيرةً في التَـعَابِير، وَلَبَاقَة عَمِيـقَة في اِخْتِيَّار الكَلِمَات، وَحِكْمَة شَاسِـعَة في التَـفْـكِير.

ولماذا لَا نَتَحَمَّلُ النَّـقْد ؟ لأن طَبِيعَتَنَا كَـبَشَر مُجتمعي، تَجْـعَلُنَا نَطْمَح إلى الزِيَادَة في التَـقْدِيرِ الذي يَمْنَحُه لَنَا مُوَاطِنُو مُجتمعنا. كما تَدْفَـعُـنَا طَبِيـعَتُنَا البَشَرِية إلى الرَّغْبَة في إِعْلَاء قِيمَتِنا المُجتمعية، أو تَحُثُّنَا على إِشْتِيَّاق تَحْسِين مَكَانَتِنَا داخل المُجتمع. بَيْنَمَا تَـعَرُّضُنَا لِلنَّـقْد يُؤَدِّي إلى نَتَائِجَ عَكْسِيَة. حيثُ أن النَّـقْد يُؤَدِّي، في غَالِبِيَة الحالات، إلى النَّـقْـص مِن قِيمَة الشَّخْص المُنْتَـقَد في المُجتمع، أو إلى تَخْـفِيض وَضْعِه في المُجتمع. ولأننا كَبَشَر مُجْتَمَـعِـي، وكـأشْخَاص مُنْـتَـقَدِِين، لَا نَتَحَمَّل النَّـقْد بِسُهُولة. بَلْ نُحِسُّ بِكُلّ نَـقْد فَظٍّ، أو جَارِح (مُوَجَّه لَنَا)، كَهُجُوم عُدْوَانِي، (أو كما يُـقال، نَشْـعُرُ به «كَـطَـعْـنَـة غَادِرَة بِخَنْجَر في الظََّهْر»، أو «كَـلَسْعَة أَفْـعَـى سَامَّة»). وَنَمِيلُ إلى الشُّـعُور بِالنَّـقْد كَتَخْرِيب لِذَاتِنَا الشَّخْصِيَة. وَيُمكن لِلنَّـقْد الجَارِح أن يُثِيرَ قَلَقَنَا، وأن يُهَيْمِنَ على ذِهْنِنَا، وأن يَشْـغَلَ بَالَنَا. وَقَدْ يُحْدِثُ هذا النَـقْدُ فِينَا جُرُوحًا عَمِيـقَة، وَمُؤْلِمَة. وَيُمكن أن تَبْـقَـى هذه الجُرُوح مُوجِـعَة خلال أَمَد طَويل. كما يُمْكِن أن يُحِسّ الشَّخص المُنْتَـقَد، أن مَنْ يَنْتَـقِدُه يُرِيد اِحْتِـقَارَه، أو الْاِسَاءَة لَه، أو التَـعَالِـيَ عَلَيْه، أو تَحْطِيم سُمْـعَتِه، أو يُريد الاِنْتِـقَاص مِن قِيمَتِه المُجتمعية (dévaloriser). وَقَد يَـكُون رَدُّ فِـعْـل الشخص المُنْتَـقَد هو كذلك ذَاتِيًّا، أو هُجوميًّا، أو عَدَائِيًّا. فَيَتَحَوَّل هذا النَّوْع مِن النَـقْد الجَارِح المُتَبَادَل إلى صِرَاعَات مُـعَـقَّـدَة، أو إلى رُدُود أَفْـعَال ذَاتِيَة، وَلَا مُنتهية. وَيَـفْـشِلُ هَـكَذَا النَّـقْد الـفَـظّ في تَحْـقِـيـق هَدَفِه الأصلي، والذي هو إِصْلَاح، أو تَـقْـوِيـم، الشَّخْص المُنْـتَـقَد.

لكن في نفس الوقت، يَتَـفَـهَّـمُ نِسْبِيًّا المُوَاطِنُون أن الحياة المُشتركة، في مُجتمع مُشترك، تُوجِبُ المُرَاقَبَة المُتَبَادَلَة، والنَّـقْد المُتَبَادَل، والمُحَاسَبَة المُتَبَادَلة، فيما بين مُجمل المُواطنين.

7.2- النَـقْد المَـقْـبُول، أو المُـفِيد، هو الذي يُرَكِّزُ على تَـفْـكِـيـك الأفكار المُخْتَلَف حَولها، أو يُحَلِّـلُ السُلُوكِيَّات التي يُـعِيبُهَا، وَيُوَضِّح البَدَائِل التي يَـفْـتَـرِضُ فيها أنها سَلِيمَة أكثر، أو مُـفِـيدَة أكثر مِن غيرها. وذلك دُون الهُجُوم على الشَّخْص المُنْتَـقَد، أو شَتْمِه، أو إِهَانَتِه، أو اِحْتِـقَاره. حيث أن النَّـقْد البَنَّاء، هو الذي يَنْحَصِرُ في حُدُود نَـقْد الأفكار أو السُّلُوكِيَّات، دُون جَرْحِ، أو خَدْشِ، الشَّخْص المُنْتَـقَد.

7.3- الهَدف الأَسَاسِي لِلنَّـقْد هو إِفَادَة الشَّخص المُنْتَـقَد، وَتَصْحِيح أَفْكَارِه، أو تَحْسِينُ سُلُوكيّاتِه، بِهَدَف تَحويله إلى شخص أَحْسَن، أو أَقْوَى، أو ذُو فَـعَالِيَة أكبر في نَشَاطِه. وليس بَتَاتًا هَدف النَّـقْد البَنَّاء هو تَحْطِيمُ الشخص المُنْتَـقَد، أو الْاِسَاءَة إِلَيْه، أو الْاِنْتِـقَام مِنْه، أو إِهَانَتُه، أو اِحْتِـقَارُه، أو هَـزْمُـه، أو الـقَضَاء عليه.

7.4- لَا يَـجُوزُ لِلشَّخْص المُنْتَـقَـد أن يُجِيبَ (عَلى النَّـقْد المُوَجَّه إليه) عَبْرَ إِثَارَة قَضَايَا غَرِيبة، أو مُدْهِشَة، أو خَارجة عن مَوْضُوع النَّـقْد السياسي المَطْرُوح، وذلك بِهَدَف إِبْـعَـاد اِنْـتِـبَـاه القَارِئ (أو المُستمع) عن الموضوع الأَساسي في النَّـقْد، أو بِهَدَف إِخْـفَـاء الحَـقَائِـق الثورية المُحْرِجَة الواردة في هذا النَّـقْد.

7.5- على كلّ مَن يُريد كِتَابَة مَـقَال سِيَّاسِي نَـقْدِي أن يُدْرِك، أنه يَسْتَحِيل كِتَابَة نَـقْد جَيِّد، أو مُـقْـنِـع، أو مُـفِـيد، في وَقْتٍ وَجِيز (قد يَدُومُ مثلًا نِصْف سَاعَة، أو نِصف يَوْم). وَمِن المُسْتَبْـعَد أن يَكُون مَقَال نَـقْدِي جَيِّدًا، إِذَا لَمْ يُـعِـدْ كَاتِبُهُ قِرَاءَة هذا المَـقَال، أو مُرَاجَـعَتَه، أو تَصْحِيحَه، أو تَحْسِينَه، خلال عَشَرَات المَرَّات. بَلْ كُلّ نَـقْد جِدِّي يَتَطَلَّبُ أَيَّامًا، أو أَسَابِيعَ، أو شُهُورًا، أو حتّى سَنَوَات، مِن الاِجْتِهَادَات الكَثِيرة، وَالأَبْحَاث المُتَـعَدِّدة، وَالدِرَاسَات المُتَنَوِّعَة. وَلِكَيْ يَنْضُج الفِـكْـر في الذِّهْن، يَحْتَاج الدِّمَاغ إلى حَدٍّ أَدْنَـى مِن الوَقت، يَـقُوم خِلَاله بِجَمْع المُـعْـطَيَات الضَرُورِيَة، وَبِالتَأَمُّل فيها، والتَسَاؤُل حَوْلَها، وَبِرَبْط مُخْتَلَـف المُعْطَيَات بِبَـعْضِهَا، وَبِـاسْتِخْـلَاص الْاِسْتِنْتَاجَات المُمكنة. فَمِن الأحسن لِمَن يَـعْجِزُ على القِيَّام بِهذا التَأَنِّـي، أو الْاِجْتِهَاد، أن يَتَلَافَـى دُخُول مَجال النَّـقْد السِيَّاسِي العَلَنِـي.

7.6- لِكَيْ يَكُون النَّـقْد مُـفِـيـدًا، أو بَنَّاءً، أو مَـقْـبُولًا، يجب أن تـَـكون كل جُملة أو عِبَارة وَارِدَة فيه، وَاضِحَة، وَمَدْرُوسَة، وَدَقِـيـقَـة، وَمَضْبُوطَة، وَمُسْتَـعْمَلَة بِمَنْطِـق سَلِيم، وَمُـعَـلَّـلَة بِحُجَج كَافِيَة، وَمُـقْـنِـعَـة. (أُنْظُر مقال رحمان النوضة، تحت عُنوان "فَنُّ الكِتَابَة).

7.7- لَا يَـحِـقُّ لَنَا أن نَذْكُرَ، أو أن نَكْتُبَ، في النَّـقْـد، أَيَّةَ مَـعْـلُـومَـة، أو مُـعْطَـى، أو اِسْتِشْهَاد، أو اِقْتِبَاس، إذا لم نَذْكُر بِدِقَّة المَصَادِرَ المُسْتَـعْمَلَة، أو الوَثَائِـق المُـعْتَـمَدَة. والأشخاص الذين يُـعِـيدُون كِتَابَة الأَفْكَار، أو المَـعْـلُومَات، التي سَبَـقَ لهم أن قَرَأُوها لَدَى كُتَّاب آخرين، دُون ذِكْر المَرَاجِع التي قَرَأُوا فيها هذه الأفكار أو المَـعلومات، يُصْبِحُون مُتَّهَمِين بِسَرِقَة أَفْكَار غيرهم.

في كلّ مَـعْـلُـومَـة، أو تَصْرِيح، أو حُـكْم، أو اِتِّـهَـام، ذَكَرَه الشَّخْص النَّاقِد دَاخل نَـقْده، يجب عليه أن يَذْكُر المَصَادِر التي اِعْتَمَدَ عليها، أو المَرَاجِـع التي اِسْتَـعْـمَـلَها. كَمَا يَجِبُ عليه أن يُحِيلَ القَارِئَ (أو المُسْتَمِع) إلى النُصُوص، أو الوَثَائِـق، التي اِسْتَـنَـدَ عَـلَيْهَا. وَإِلَّا أصبح كَلَام هذا النَّاقِـد مُخَالِـفًا لِـقَـوَاعِد الكِتَابَة والنَّشْر. وَسَيَتَحَوَّلُ كَلَام هذا النَّاقِدِ إلى مُجَرَّد ثَرْثَرَة، بِـلَا قِيمَة، وَلَا فَائِـدَة.

7.8- لَا يَحِـقُّ لَنَا أن نَتَّهِـمَ الشَّخْص الذي نَنْتَـقِـدُه بِأَيَّة تُهْمَة (كَيْفَ مَا كَان نَوْعُهَا) إذا لَم نُـقَـدِّم حُجَجًا وَاضِحَة، وَدَقِيقَة، وَمَضْبُوطَة، وَمُـعَـلَّـلَـة، وَمُوَثَّـقَـة، وَقَابِلَة لِلْمُرَاقَبَة.

7.9- رَغْمَ أنّ النَّـقْد السِيَّاسِـي، أو الاِعْتِرَاض، أو التَـعْـبِير عَن الخِلَاف في الـآرَاء، هو حَـقٌّ مِن بين الحُـقُوق الدِّيمُوقراطية، وَمِن ضِمْن حُـقُـوق الإِنْسَان، فَإِن مُمَارَسَة حَـقّ النَّـقْد سَتُرْفَضُ كُلَّمَا مُورِسَتْ بِأُسْلُوب فَظٍّ، أو اِحْتِـقَـارِي، أو عَدَائِـي. وَسَيَتِمُّ الرَدُّ عليها بِأُسْلُوب أَكْثَرَ عُنْـفًـا، وَتَهَوُّرًا، وَخِـفَّـةً، وَعَدَاءً. وفي هذه الحالة، سَيَـفْـشِلُ هذا النَّـقْد في بُلُوغ مُبْتَـغَاه (والذي هُو تَحْسِين الشَّخْص المُنْتَـقَـد). وَفي هذه الحالة، قَد تُصْبِح العادة الشَّائِـعَة، هي أن المُواطنين المَـعْـنِـيِّـيـن، سَيَمْتَنِـعُـون حَتَّى عن التَـعْـبِـيـر عن مَشَاعِرِهِم، وعن اِعْتِرَاضَاتهم، أو اِحْتِجَاجَاتهم، وَذلك بُـغْـيَـةَ تَلَافِي مَشَاكِل غير مَرْغُوب فيها. وَقَد يَمْتَنِـعُـون حتّى عن طَرْح اِقْتِرَاحَاتِهِم. أمَّا إذا مُورِسَ النَّـقْد السِيَاسِي بِمَنْهَجٍ يحتوي على قَدْر كَافٍ مِن الاحترام، وَالكِيَاسَة، وَالْلَّـبَـاقَـة، والجِدِّيَة، والدِقَّـة، فَإن هذا النَّـقْد سَيُصْبِح مُتَحَـمَّـلًا، أو مَـفْـهُومًا، أو مَـقْـبُـولًا، أو نَاجِحًا في مَجَال مُسَاعَدَة الشَّـخْـص المُنْتَـقَد على إِصْلًاح نَـفْـسِه.

7.10- بِمَا أن مَوْضُوعَنَا هو خُصُوصًا تَبادُل النَّـقْد السِيَّاسِي فيما بَيْن المُناضلين المُتَنَوِّعِين، وَفيما بَين قِوَى اليسار المُخْتَلِفَة، يجب على كلّ نَاقِد يَوَدُّ نَشْرَ نَـقْدِه، أن يَتَذَكَّر أنّه يَتَكَلَّم في سَاحَة عُمُومِيَة، مَـفْتُوحَة، تَحْتَ أَنْظَار، أو عُيُون، أو رَدَارَات، الأَجْهِزَة القَمْـعِيَة، َشَبَـكَات المُخَابَرَاتِ، الدَّاخِلِيَة والأَجْنَبِيَة (بما فيها الإسرائيلية، في إِطَار «التَطْبِيع» المَـفْرُوض مع إسرائيل). فَلَا يُـقْبَل في النَّـقْد أن تُؤَدِّيَ الرَّغْبَة في تَصْفِيَة الحِسَابَات (بَين النَّاقِد والمُنْتَـقَـد) إلى إِفْـشَاء الأَسْرَار السياسية لِأَيِِّ طَرَف كان. وَالنَّـقْد هو تَحْلِيل لِأَفْكَار، وَتَـقْدِيم أُطْرُوحَات فِكْرِيَّة بَدِيلَة، يُـفْـتَـرَضُ فيها أنها أكثرُ إِفَادَةً. وَلَا يَجُوز في النَّـقْد أن يُـعَرِّضَ الشَّخْصَ المُنْتَـقَدَ إلى أَخْطَار القَمع السياسي الاستبدادي.
وَلَا يُسْمَحُ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ النَّـقْدُ إلى وِشَايَة، أو إلى فَضْح، يُرِيد سِرًّا تَـعْرِيض الشَّخْص المُنْتَـقَد إلى اِنْتِبَاه الأجهزة القَمـعية، أو إلى بَطْشِهَا. فَيَجِبُ على كلّ نَـقْد مَنْشُور، أن لَا يَتَضَمَّن أَيَّةَ مَـعْـلُومَات، أو أَسْرَار، سَوَاءً كانت فَرْدِيَّة أم جَماعيّة، مُبَاشِرَة أم غير مُباشرة، يُمكن أن تُـفِـيـد العَدُوَّ الطبقي، أو الأجهزة القَمْـعِـيَـة، أو المُخَابَرَاتِيَة.

تِلْكَ هِي الشُّرُوط المَطْلُوبة في كلّ نَـقْد يُريد أن يَكُون بَنَّاءً. وَمِن البَدِيهِي أنه يَتَوَجَّبُ في كلّ رَدٍّ على أيّ نَـقْـد سِيَّاسِي، أن يَحْتَرِمَ، هُو أَيْضًا، هذه الشُّرُوط، لِكَيْ يَـكُون هذا الرَدُّ مَـقْـبُـولًا، وَمُـفِـيـدًا.

 المَنْهَج المَرْجُوّ في النَّـقْد السياسي

8.1- المُرْتَجَى، من كِـلَا الطّرفين، النَّاقِد وَالمُنْتَـقَد، هو أن يَحْرُصُوا على خَوْض النِـقَاش، أو النَّـقْد، أو الصِرَاع السياسي، بِأَكْبَر قَدْر مُمْـكِـن مِن المَوْضُوعِيَة، دون إِهْمَال شَكْلِ هذا النَّـقْد، ودون التهجّم، لَا على شخص النَّاقِد، ولاَ على شخص المُنْتَـقَد. وَلَوْ أَنَّنَا نُدْرِكُ أن هذا «النِـقَاش بِمَوْضُوعِيَة»، هُو صَـعْبٌ علينا جَمِيـعًا. وَكُلّ واحد مِنَّا له ذَاتِيَّاتُه الخَاصَّة به. وكان يَنْبَـغِي على هؤلاء المناضلين أن يُثْـبِـتُوا كُلّهم، وَبِالحُجج المَوْضُوعية، خطأ انتـقادات الطَّرف الآخر، إِنْ كَانت خاطئة.

وَلَا يَسَـعُنَا هُنَا سِوَى أن نَـتَـمَنَّـى زَوَال مُخلّفات تِلك الحَزازات التاريخية القديمة، المَوْجُودَة (في المغرب) فِيما بَين المُناضلين المُنْحَدِرِين مِن المدرسة الاِتِّحَادِيَّة [نِسْبَةً إلى "حزب الاتحاد الوطني لِلقُوَّات الشَّـعْبِيَة"]، والمناضلين المَحْسُوبِين على المدرسة الشِيُوعِيَة [نِسْبَةً إلى "الحَرَكَات الماركسية اللّينينية ].

8.2- تَـقْـتَـضِـي النَزَاهَة أن أَعْـتَرِف أن تَـقاليد النَّـقْد التي تَرَبَّـى عليها جِيلُ المناضلين الذين هُم مِن سِنِّــي في المغرب، أي الذين عَاشُوا تجارب الحركات الماركسية اللينينية، أو في مَا شَابَهَهَا مِن الأحزاب الشيوعية، أو اليسارية، أو السْطَالِينِيَة (stalinien)، بَيْنَ سنوات 1965 و 1980، كانت في جزء هَامٍّ منها، تتّسم بالمُبالغة في الحَمَاس، أو بِالعَصَبِيَة الحِزْبية، أو بالانـفعالات الذّاتية، أو بالاستـخفاف بإصدار الأحكام الجاهزة، أو بِشَيْء مِن القَساوة في المُعَامَلَات السياسية، أو بالاتّهامات السَّرِيعَة وَالسّاحقة، أو بالتَصْنِيـفَات المُطلقة، وأحيانا بِالتَحْـقِير، أو التَخْوِين. وَكُنَّا (أو قَدْ نَكُونُ مَا زِلنا) لا نعرف جَيِّدًا كيف نَتَـعَامَل مع التَنَاقُضَات الثَانَوِيَة المَوْجُودَة في صُفوف الشعب. وَكُنَّا أحيانًا نُـغَلِّبُ التناقضات الثانوية على التناقض الأساسي، أو على التناقض الرئيسي. وكنّا نُوَزِّع بسهولة كبيرة اتهامات «اليَمِينِيَة»، أو «الْاِنْحِرَاف»، أو «التَراجع»، أو «الرِّجعية»، ضدّ رفاقنا في النضال الجماهيري المُشترك، الذين كَانُوا يُخالفوننا في بعض القَضَايَا الجُزئية.

8.3- في سنوات 1970، و 1980 م، ساهمتُ أنا أيضًا بِحَمَاس شَبَابيّ في مثل هذه الأساليب. لكنني تعلّمتُ، فيما بَعد، مِن تجاربي الشّخْصِيَة، أن هذه الأساليب القاسية في النّـقد السياسي، فيما بين المناضلين الثوريّين، تُسِـئُ أكثر مِمَّا تَـنْـفَـع. فَأْقْـلَـعْتُ عنها.

8.4- يُمكن للقارئ أن يجد مُحَاوَلَة أَوَّلِيَة لِتَطْبِيق نَوعية النَّـقْد المَرْجُو، في كِتَابِي (المَنْشُور على الإِنْتِرْنِيت، منذ سنة 2012 م) تحت عنوان «نَـقْد أحزاب اليسار بالمغرب». ورغم طول هذا الكتاب في صِيـغَتِـه رقم 60 المُحَيَّنَة (قرابة 300 صفحة مِن الحَجْم المُتَوَسِّط. 6/15/ نقد-أحزاب-اليسار-بالمغرب/)، ورغم ثِـقَل وَزْن الانتـقادات السياسية الموجودة في هذا الكتاب، والمُوَجَّهَة إلى مختلف قِوَى اليسار بالمغرب، فَـقَـد حَاوَلْتُ قَدْرَ المُسْتَطَاع (في هذا الكتاب) تَلَافِـيَ اِستـعمال عبارات مُسْتَخِـفَّة، أو جَارحة، أو مُهينة، أو عَدَائِـيَّـة. وَرَغْمَ ذلك، مِن المُمكن أن تَكُون بعض التَـعَابِير غَيْر الْلَّـبِـقَـة قَد فَـلَـتَـتْ مٍن مُرَاقَبَـتِـي. وَإِنْ وُجِدَت في كتابي مثل هذه العِبَارات غَيْر المَاهِرَة، أَعْتَذِرُ مُسْبَـقًا عليها. لأن نِيَتِي الأَصْلِيَة هي فقط النَّـقْد والإِفَادَة، وليست هي التَـعَالِي، أو التَكَبُّر، أو الْاِهَانَة، أو التَجْرِيح. ورغم أن هذا الكتاب يُجَسِّدُ مَجْهُودًا في مَجَال النَّـقْد السياسي، فإن بعض قِوَى اليسار بالمغرب، تَجَاهَلَتْه، أو لَمْ تَهْتَم به بما فيه الكِفَايَة.

8.5- سبق لِي أن كَتَبْتُ ونشرتُ، أنني غير راض عن أوضاع قِوَى اليسار بالمغرب. وَلِتَلَافِي أَيّ سُوء تَـفَاهُم، أُكَرِّرُ في كلّ مُناسبة، أنه رَغْمَ الْاِنْتِـقَادَات التي أُوَجِّهُهَا إلى قِوَى اليَسَار بالمغرب، فَإِنَّـنِـي أُقَدِّرُ كلّ هذه القِوَى، وأحترمها، وأعتبر أنها كُلّها مُتَكَامِلَة، وَضَرورية، لِخَوْضِ النِضَالَات الجماهيرية المُشْتَرَكَة. وفي نفس الوقت، يجب أن نَتَذَكَّر أنّ الاحترام المُتبادل، لَا يُلْـغِـي النَّـقْد المُتبادل. وأن هَدَف النَّـقْد هو إِصْلَاح، أو تَـقْوِيم، الشَّخْص المُنْتَـقَد، الذي هُوَ مُـقَـصِّر، أو مُخْطِـئ. وأطمحُ إلى المُساهمة في تَـقْرِيب قِوَى اليسار من بعضها البعض. وَأَعْمَل مِن أجل تَـعاونها، وَتَـكَامُلِها، وَإِسْهَامِهَا في مُجمل النضالات الجماهيرية المُشتركة. ورغم أنني مُـقْـتَـنِـع بضرورة، وَإِلْحَاحِيَة، تَبادل النَّـقد المَـكْتُوب، والرَّزِين، فيما بين مُجمل قِوَى اليسار، فإننـي أَحُثُّ كلّ هذه القوى على الحِرص الشّديد، على أن يَظَلَّ هذا النَّـقد المُتبادل، مُلتزمًا بالجِدِّية، وبالمَوْضُوعية، والحِيّاد، والدّقة، والنزاهة، والاحترام المُتبادل. لأن هدف النَّـقْد الثوري، هو مُساعدة الشَّخص المُنْتَـقَد على تَحْسِين أداءه. وليست غاية النّـقد هي هَزْم المُنْتَـقَد، أو القضاء عليه! وأتمنى أن تُنَظِّم قوى اليسار، في المستـقبل، لِقَاءَات، وَحِوَارَات، فيما بين مَسؤولين، وَأُطُر، ومناضلين، من مختلف قِوَى اليَسَار، لِخَوْض جِدَالَات صَريحة، وَرَزِينَة، حول مُجمل إشكالات النضال الثوري بالمغرب.

8.6- ماذا نَـفعل في حالة حُدُوث خِلافات سِيَّاسية فيما بين قِوَى اليسار؟ هل نَتَجَاهَل هذه الخلافات النَظَرِيَة، أو السِيَاسِيَة، أو الخُلُـقِـيَـة ؟ هل نَنْـكُرُ وُجُودَهَا؟ هَل نُحَوِّل هذه الخِلَافات إلى "طَابُوهَات" تُحَرِّمُ الكَلام حَولها ؟ هل نَتجاهل حتى مُختلف مُـكَوِّنَات اليسار التي تُخالفنا في بعض القَنَاعَات السياسية ؟ هَل نَسْـتَـعـمل هذه الخلافات السياسية كَمُبَرِّرَات لِمُـعَـادَاةِ كُلّ مَن يَحمل قَنَاعَات مُخالفة لِـقَـنَـاعَاتِنَا ؟ هَل نَمْتَـنِــعُ عَن مُمارسة النَّـقْد ضِدَّ الآرَاء المُخالفة لِآرائنا، وذلك بِحُجَّة تَلَافِـي إِثَارَة حَزَازَات ذَاتِيَة لَدَى الأشْخَاص المُنْتَـقَدِين ؟ هَلْ نَمْتَنِـعُ عن نَـقْد الطَرَف الذي يُخَالِـفُنَا، وذلك بِدَعْوَى أنّ «هذا النَّـقْد سَيُـعْطِي إلى ذلك الطَرَف الآخر (المُخَالِف لَنَا) أَهَمِّيَة لَا يَسْتَـحِـقُّـهَـا»؟ هَلْ نَنْضَبِطُ لِكُلِّ فَاعِل سيّاسي يَمْنَعُ عَنَّا نَـقْـدَهُ ؟ أَلَيْسَ كُلّ مُواطن، وَكُلّ فَاعِل سِيَّاسِي، مُجْبَرًا على الخُضُوع لِلْمُرَاقَبَة، وَلِلْمُحَاسَبَة، وَلِلنَّـقْد، بِسَبَب عَيْشِه دَاخِل مُجْتَمَع مُشْتَرَك ؟ وَفِي رُدُودِنَا النَّـقْدِيَة، هل نَرُدُّ على تَـعَنُّتِ بعض المُخالفين لَنَا بِتَـعَـنُّـت أكبر؟ هَل نَطْلِقُ العِنَانَ لِلتَحَدِّي، وَلِلشَّتْم، أو لِلْـقَـدْح، لِتَـفْـرِيـغِ مَشَاعِر كُرْهِنَا لِلْمُخَالِـفِـيـن، أو لِلْخُصُوم، أو لِلْمُنَافِسِين ؟ هل الخَوف من تَـعقيدات النضال المُشترك يُبرّر التركيز على ذَاتِـنَا ؟ هَل الاِحْتِيَّاط المُفْرِط يُـبَـرِّرُ تَجاهل كلّ مَن اِخْتَـلَـفَ مَـعنا؟

8.7- ألاَ تَسْتَـوْجِبُ الحِـكمة التَخلُّص من نَرْجِسِيَـتِـنَـا، ومن العَصَبِيَة الحِزْبِيَة الضَيِّـقَة، والقَـبُول المُتَوَاضِع بِالْحِوَار، وبالاختلاف، وَبِالتَـعَدُّد، وَبِالتَـكَامُل، والاحتكام إلى جُمهور المُناضلين الثَوْرِيِّين النَزِيهِين ؟ هل يُعْقَل أن نَسْتَـغْنِـيَ عن النَّـقْد السياسي المُتبادل؟ وهل تُوجد وَسيلة أخرى، غير تَبادل النَّـقْد الرَّزِين، لِتَحقيق التَـفاهم، والتَـقارب، والتَأْثِـير، وَالتَأَثُّـر، والتَـكَامُل، والتَـعَاوُن، فيما بين مُخْتَلَف قِوَى اليسار؟

8.8- رَغْمَ أن النَّـقْد يَـفْـضَحُ نَـقَـائِصَنَا (عندما نَكون مُنْتَـقَـدِين)، أو يُبْرِزُ أَخْطَائَنَا، أو يُـعَـرِّي عُيُوبَنَا، يَتَوَجَّبُ علينا أن نَبْذُلَ كلّ المَجْهُودَات الْـلَّازِمَة لِتَحَمُّلِه، أو لِـتَـقَـبُّـلِـه، أو لِلتَّـفَـاعُـلِ معه بِأَكْبَر إِيجَابِيًّة مُمْكِنَة. لأن تَـعَرُّضَنَا لِلنَّـقْد، لَا يَنْـقُصُ مِن قِيمَتِنَا المُجتمعية، بَلْ سَيُوَفِّـرُ لَنَا إِمْكَانِيَّة تَـكْمِيل نَـقَائِصِنَا، أو إمكانية تَصْحِيح أَخْطَائِنَا، أو تَـحْسِين فَـعَـالِـيَّـتِـنَـا.

فَلَا يَجوز لأي نَـقد مُتبادل بين قِوَى اليسار، أن يَنْسَاق نَحو التَسَـرُّع، أو الاِسْتِـخْـفَـاف، أو العَصَبِيَة الحِزبية الضَيِّـقَـة، أو الاِحْتِـقَـار، أو الكَـرَاهِيَة، أو الرَّغْبَة في تَـصْـفِـيَة الحِسَابات الشَّخْصِيَة الذَّاتِيَة. فإما أن يَـكون النَّـقْد السياسي مُعَمَّقًا، وَمَنْطِـقِـيًّا، ومُعَلّـلاً، وَمُـقْـنِـعًا، وإما أنه سَيَـبْـقَـى مُجرّد تَصْنِـيـفَات اِعْتِبَاطِيَة، تُسِيءُ أكثر مِمّا تُـفِـيـد.

 أَهْـدَاف النَّـقْـد السِيّاسِي

في مَعْرِض هذا المقال، سَبَـقَ أن أَشَرْنَ، بِشَكْل عَابِر، إلى بَعْض أهداف النَّـقْد السِيَاسِي. لكن ما هي أهداف النَّـقد، بِشَكْل دَقِيق، وَشُمُولِي؟

أهداف الحِوار، والنِّـقَاش، والنَّـقْد، والصِراع السياسي، هي تَدْبِير الخِلافات، وَتَصْحِيح الأَخْطَاء، وَتَـقْـوِيمِ الْاِنْحِرَافَات، وَبِنَاء أُسُـس النِضال الجَمَاهِيرِي المُشترك، وَتَـلَافِـي الاستبداد، وَتَـفَادِي الانفراد بالقرار، وفرز الآراء الأكثر عَقْـلَانِيًّا، وَمُنَاصَرَة البَرَامِج التي هي أكثر عَدْلًا، أو تَـقَدُّمًا، أو صَوَابًا، أو إِنْتَاجِيَةً، أو ثَوْرِيَّةً. ونوع النَّـقْد المطلوب فيما بين قوى اليسار، هو أن يكون جِدِّيًا، وَدَقِيقًا، وَمُـعَـمَّـقًـا، وَمُـعَـلَّـلاً، وَمَوضوعيا، وَمُحايِدًا، وَمُـقْـنِـعًـا، وَمُلْتَـزِمًا بالاحترام المُتبادل، وَمُرَاعِيًّا لِلْحَسَاسِيَّات، وَمُـعْـتَبِرًا لِلذَّاتِـيَّـات، وَحَرِيصًا على صِيَانَـة حُظُوظ خَوْض نِضالات جماهيرية مُشتركة في الحَاضر، وفي المُستـقـبل.

وَمَـعْنَى ذلك هو أن الشخص الذي يَنْتَـقِـدُك، لَا يُريد لك سِوَى الخَيْر. لأنه يُريد مِنْك أن تُرَاجِعَ بعض أفكارك، وأن تُحَسِّنَ بعض سُلُوكِيَّاتِك. وَيَحُثُّـكَ النَّاقِدُ على أن تُصْبِح أَكْثَر فَـعَـالِيَّة مِمَّا كُنْتَ عليه في السَّابِـق. وَيَرْجُو ضِمْنِيًّا مِنْك النَّاقِد أن تَتَـقَـرَّبَ منه، وأن تَتَـعَاوَن مَعَه، وَأن تَتَـكَـامَلَ مَعَه، بِهَدَف خَوْض وَإِنْجَاح أَكْثَر مَا يُمـكن مِن النِضَالَات الجَمَاهِيرِيَة المُشْتَـرَكَـة.

وَلَوْ كان حَـقِيقَةً الشَّخص الذي يَنْتَـقِـدُك يُرِيد لك الشَـرَّ، لَـفَـضَّـلَ السُّكُوتَ عن نَـقَـائِصِك وَأَخْطَائِـك، التي سَتُؤَدِّي بِك حَتْمًا إلى التَـعَـثُّـر، ثُمَّ الفَشَل. وَإذَا أَقْدَمَ نَاقِدٌ على نَـقْـدِكَ، فَهَذا النَّـقْـد يَـعْـنِـي أنّ الشَّخْص النَّاقِد فَضَّلَ أن يُضَيِّعَ جُزْءًا مِن وَقْتِـه أو طَاقَـتِه، في مُحَاوَلَة الكَشْفِ عن نَـقَـائِصِك، أو أَخًطَائِـك، وَأَنَّهُ أَرَادَ أن يَـقْـتَـرِحَ عليك البَدَائِـل التي هي أَكْثَرُ سَدَادًا، والتي سَتُؤَدِّي بك، في حالة الاستـفادة منها، إلى تَحْسِين إِنْجَازَاتِـك وَإِنْجَاحِهَا.

وَحِينَمَا نَنْتَـقِـدُ شَخصًا مُـعَـيَّـنًـا، أو حِزْبًا مُحَدَّدًا، فَـإِنَنا نُـرِيـدُ مِنْه أن يُشَارِكَ مَـعَـنَـا في خَوْض النِضَالَات الجَماهيرية المُشتركة، مِن أجل إِنْجَاز الطُمُوحَات المُجتمعية المُشْتَـرَكَـة.

وَالنَّـقْد الجَيِّد، أو المُـفِـيد، يَسْتَمِدُّ جَوْدَتَه مِن كَوْنِه ثَوْرِيًّا، وَيَهْدِف إلى تَـثْـوِيـر العَلَاقات السِيَّاسِيَة المُجتمعية، وَعَلَاقَات الْاِنْتَاج، القَائِمَة فيما بَين المُواطنين.

وَسَوَاءً كان النَّـقْد مُوَجَّهًا إلى شخص، أم إلى جَمَاعَة، يَنْبَـغِـي أن يَكون هَدَف النَّـقْد، ليس هو عَزْلُ الشّخص المُنْـتَـقَـد، أو هَزْمُهُ، أو تَحْطِيمُ سُمْـعَـتِـه، بَلْ يجب أن يَكون هدف النَّـقْد هو إحداث التَّـفَاهُم مع الشَّخص المُنْتَـقَد، وُمُساعدته على إِدْرَاكِ نَـقَـائِصِه، وَحَثُّهُ على تَـقْـوِيـم نَـفْـسِـه.

وَيُشْبِهُ النَّـقْد السياسي الدَّوَاء المُـرّ. وَرَغْمَ مَرَارَة النَّـقْد (الدَوَاء)، فإن هَدَفه هو مُعَالَجَة المَرِيض، وليس هَدَفُه هو القَضَاء على المَرِيض، رَغْبَةً في التَخَلُّص مِن المَرَض.

وَهَدف النَّـقْد هو أيضًا التَـقَـرُّب من الشَّخْص المُنْتَـقَـد، والتَـكَامُل معه، والتَـعَاوُن معه، وَدَفْـعُـهُ إلى تَحْسِين كَـفَـاءَاتِـه، وَتَجْوِيد فَـعَـالِـيَّـاتِـه، وَخَوْض النضال الجماهيري المُشترك معه، بِهَدَف إِنْجَاز الْاِنْتِصَار المُشترك، لِلثَّوْرَة المُجتمعية المُتَوَاصِلَة.