الكلمة



حمّل النسخة الورقية


سنوات خمس على
مغامرة الكاتب اليساري

 

 

في مثل هذه الأيام النيسانية، وعندما كان الرصاص قد ألجأ سكان بيروت كي يحتموا بأي متراس أو حائط أو ملجأ أو جثة، فان امرآة خمسينية خرجت تجازف وتسعى إلى مقبرة الشهداء.

لم يشغلها أي شي عن (أداء) الواجب، حتى ولو ان ذلك سيؤدي للمخاطرة بالحياة. إن الواجب عندها أهم ... هكذا هو الحال في كل عام ... فهل يغير رصاص القنص وقذائف الموت شيئا من العادات؟
هكذا كانت تتساءل في دخيلة نفسها.

كأنها من نساء الأساطير .. أو كأنها امرأة من نسج الحكايات والخيال الجامح .. بين القبور كانت علامة فارقة ... علامة حياة تتسربل بالأسود الغامض وتمسك بيديها إكليل زهر.

سقت الزرع والورود ... رسمت شارة الصليب على صدرها وتلت صلاة الحب على روح حبيبين خرجا من رحمها ... ثم قرأت آية من سورة العشق على أرواح كل الرجال والنساء الذين سقطوا وحلم عودة الوطن المغتصب يراود كل ذرة من خلايا أعمارهم.

امرأة ... استطاعت أن تجمع تناقض الموت مع عشق الحياة ... هكذا وببساطة .. ودون افتعال.

بين القبور كانت، والرصاص ينهمر من مزاريب وزواريب ... تحمل باقة زهر وتسقي الورد الذي يتجدد من أنامل تحولت بفعل شقا العمر "وتعتيره" إلى ملاقط للحديد أو الحجارة ... أو لارضاع حب حيفا ويافا وعكا ويبوس مع الحليب.

يااااه .. تلك المرأة الخمسينية ما أعجبها .. كانت تلوح في مقبرة الشهداء في بيروت، وكأنها وشم الحياة المنقوش على سارية خفاقة من قماش العمر ... لا تطوى إلا كي تفرد... ولا تبلى إلا كي تتجدد ..

وتبقى وفية للناس وللأهداف التي استشهد لأجلها الناس.

تلك المرأة بعد مضي منتصف العمر تقول: بعد رحيل الشباب تغيرت أوضاع البلاد... ما عاد لبنان على ما كان عليه ... ولا فلسطين بقيت كما كان يجب أن تكون ... كل الأمور تغيرت ... وربما لن أعود لأدفن في حيفا ... ربما سيعود إليها أحفادي ممن تبقى لي من أولاد ... لكنني سأعود ... ولا زلت أحتفظ بجواز سفري الفلسطيني وأوراق ملكية الأرض الثبوتية.

إلى ليلي شاهين ... أمي ... نضيء شمعة السنة الخامسة من مجلتنا الكاتب اليساري وأشرب نخب استمراريتها أدوية وعقاقير على اسمك ...

وإلى جميع الشهداء على درب فلسطين أتوجه بسؤال يستولي علي في هذه اللحظة: هل أنتم ميتون حقاً؟ هل نحن أحياء حقاً؟
من منا الميت .. ومن الحي؟
من منا يحمل الآخر؟

إنني أجزم أنكم في غيابكم أكثر حضورا منا ... وفي موتكم أكثر خصباً وعطاء ... وفي هدوءكم أكثر صخبًا وعناداً.
ولا أخفيكم سراً .. بأن أكثرنا يغبطكم، بل يحسدكم على ما أنتم فيه من نعماء ... لم يعد التفكير في بعضها إلا طموحاً نفتقر معه إلى الشعلة والمبرر.

يا شهداء الحرب الأهلية دفاعا عن فلسطين وعروبة لبنان...
في نيسان .. نكتشف خسارتنا من غيابكم ... مثلما نكتشف غيابنا في حضور ذكراكم ...
أنتم عشتم لتموتوا ... ومتم لكي تحيوا...
أما نحن فاننا نعيش لنموت ...
نعيش لنشهد موتنا إما من ضياع وطن أو خسارة حلم ... أو خيانة صديق ... أو "رفيق" ... أو غدر حبيبة... والله وحده يعلم كم مرة نموت قبل أن نموت ... وليس من ضمانة أننا إن متنا سنعرف أي نوع من الحياة.

أيها الشهداء الهادئون في غيابهم ...
هل تحدثوننا عن أخباركم أم نتلو عليكم آيات من أخبارنا؟
فلسطين التي تركتموها تحت الشمس لم يتبق منها شيء ... لقد متم مجاناً.
لبنان الذي أردتموه علمانياً ديمقراطياً أصبح مفصلا على مقاس الطوائف وتجار الدم ... وتجار الحروب... وبعد أن كنا نبحث عمن قتل شهداءنا أصبحنا نبحث عن قاتلنا نحن.

أيها الشهداء الجميلون ...
شهداء الحرب الأهلية اللبنانية ...
شهداء المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ... وكافة الأحزاب يميناً ويساراً.
في نيسان ... سلام لكم ... وموت لنا ...
سلام لكم ... سلام لكم ... سلام لكم ...
يوم ولدتم ويوم رحلتم ..
ويوم تبعثون أحياء.
سلام لكم ..
سلام.
 


   

 

لطفا إشترك في الصفحات التالية   


 

إقرأ للكاتب أيضا