الخاشقجي
بين شويكاني وذكرى



ماجد ع. محمد
سورية

المقال

بدا جلياً أنه لو لم يكن الهدف من وراء التلويح بجريمة قتل الكاتب والصحافي السعودي جمال الخاشقجي، توجيه طعنة موجعة إلى السعودية من قبل أصحاب قناة الجزيرة والدول الحائمة في فلكها، ولو لم تكن غاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استثمار الواقعة مثلهم لغايات مادية صرفة، لكنا رأينا اهتماماً مماثلاً من قبل حضرته بقتل المهندسة المعلوماتية السورية التي تحمل الجنسية الأمريكية، ليلى شويكاني، داخل الأقبية الأمنية للنظام الحاكم في سوريا على مرأى ومسمع العالم، والتي أعلنت اللجنة السورية لحقوق الإنسان عن قتلها في 26 من الشهر الماضي؛ أي بعد فترة لا بأس بها من قتل المرحوم الخاشقجي، ولكن الإعلام العالمي وقناة الجزيرة بوجهٍ خاص والسيد ترامب لم يحركوا أي ساكن حيال شويكاني، وقبلها لم يهتموا قط بقتل الفنانة التونسية ذكرى محمد، طالما لا فائدة سياسية أو مالية مرجوة من وراء إثارة قضيتهن كما هي جريمة قتل الخاشقجي.

وتبقى من المفارقات الحياتية لدى شرائح كبيرة من شعوب المنطقة، أنها من قبل كانت تجَر واقعياً من قبل بعض الزعماء في الميادين والساحات والأزقة، يسيرونها، يتحكمون بها، يقودونها، يوجهونها، يحقنونها بأفكارهم ونظرياتهم، والآن ورغم كل التطور التكنولوجي الحاصل في العالم، فلا يزال الزعيم وعبر أذرعه وأدواته الحديثة يقود نفس تلك الحشود البشرية كيفما شاء، وذلك عبر الوسائط الجديدة وليس ميدانياً ومباشراً كالسوق الميداني في سابق عهده، إنما يُسيّرهم في الوقت الراهن من وراء التخوم والمضارب من خلال الشاشات، وعبر الإعلام الذي صار مصدراً للتأجيج والتلفيق والتحشيد، وتأليب الشعوب والأقليات والطوائف على بعضها بعضا داخلياً وخارجياً.

والمثير للاستهجان هو أن نفس الذين تجاهلوا قتل المطربة التونسية ذكرى في 2003، جعلوا من جريمة الصحافي السعودي قضيتهم الرئيسية اليوم، وذلك لأن الإعلام الرسمي للدول، والأذرع الإعلامية الوكيلة عملت على قتل خبر المطربة في نفس توقيت القتل الفيزيقي لها، ولم تقم بإحيائها والتلويح بها كما جرى مع الخاشقجي الذي تم استثماره والاستفادة من موته أكثر عشرات المرات من حياته، وجعلت وسائل الإعلام الحشد المسرنم يتجاهل قتل ذكرى، كما تجاهل أغنيتها آنذاك حباً بالسعودية التي كانت قبلة المسلمين بالنسبة له، بينما اليوم فهو يشتم السعودية بناءً على الرأي الذي لقمه إياه الإعلام المناهض للمملكة، فاليوم صار ضد السعودية لمجرد أن مؤسسات إعلامية كبرى اشتغلت على القضية، وعملت على توجيه مساره بعد أن جعلت من مقتل الصحفي عمل درامي متكامل العناصر، ووسيلة للابتزاز والنيل من تلك الدولة التي ينتمي إليها المغدور، لأسبابٍ سياسية صرفة لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية وحقوق الإنسان، ومن المؤكد ليس حباً بالخاشقجي ولا حزناً عليه، ولا انتصاراً لقضية الحق والعدل والإنصاف، إنما فقط لتحقيق مآرب سياسية معينة لا شأن لروح الخاشقجي بها.

والغريب أن نظام الملالي في طهران، هو من الدول التي حاولت الاستفادة من اغتيال الخاشقجي، فالنظام الذي تفوح منه روائح الإجرام منذ عشرات السنين، والذي يقوم يومياً بالإعدامات الميدانية في الساحات والميادين العامة على امتداد مساحة الدولة، والدولة التي أوغلت ميليشياتها الطائفية بدماء السوريين مع قوات نظام الأسد، فحاولت هي الأخرى استثمار الجريمة والنيل من المملكة العربية السعودية، وتناولت مختلف وسائلها الإعلامية، وخاصةً المقربة من النظام، هذه القضية بشكل مكثف، حيث احتلت صدارة نشرات الأخبار في التلفزيون الإيراني بقنواته المتعددة منذ بد اختفاء الراحل في الثاني من شهر ت الأول إلى هذا اليوم.

وربما لو كان الخاشقجي حياً لما رضي عن كل ما يجري بحق المملكة باسمه أو بسببه، وهذا ليس من باب الدفاع عن المسؤولين السعوديين المتورطين بقتل الرجل، إنما بناءً على ما جاء في الكتاب الاصلاحي للمرحوم الخاشقي، والذي حمل عنوان "رؤية مواطن 2030" والذي ركّز فيه على "حق السكن، الوظيفة التعليم الجيد، الأمان الصحي، أرصفة للمشاة، مواقف للسيارات، حدائق عامة لتفس المواطن، الحرب على التستر والمتسترين، الإكثار من زراعة الأشجار وزيادة المساحة الخضراء، وحق المواطن السعودي في الحصول على المعلومة والمشاركة في القرار المحلي" تلك إذن كانت أبرز وأهم مواضيع وفصول كتاب الكاتب الراحل، وما من من نبرة حدية في كتابه تدعو إلى قلب الحكم، أو تسعى إلى تقويضه، ولا ثمة رغبة جامحة لديه للعمل ضد المملكة بالرغم من أنه كان خارج البلاد.

وربما يقال بأن لا فائدة للدول التي تبتز السعودية من وراء تحريك قضية ليلى شويكاني، كما يفعلون مع الخاشقي، وما من رغبة لديهم بممارسة أي ضغط يذكر على النظام السوري من خلالها، طالما أن لا أهمية لمقتل السوريين خصوصاً وأن عدد النساء المقتولات في سوريا تعذيباً منذ شهر آذار 2011 إلى شهر تشرين الثاني من عام 2018، وصل إلى 90 امرأة، قتل النظام 80% منهنّ، بحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وبالتالي غدا قتل السوريين والسوريات أمراً اعتياداً لدى المستفيدين من قضية الصحفي السعودي، لذا لا جدوى سياسية أو مادية من وراء تحريك قضية الشويكاني وقريناتها.

أما بخصوص الفنانة الراحلة ذكرى التي تعددت الإشاعات والتأويلات والسيناريوهات المتعلقة بقتلها، وحيث كان أحد السيناريوهات التي دفعت إلى التعامل مع قتلها كقضية جنائية صرفة، وحُرمت بالتالي الفنانة الراحلة من وراء ذلك السيناريو من أن تصبح قضية سياسية، أو قضية رأي عام، هو التأكيد على أن ذكرى كانت شهيدة الحب، وذلك بناءً على ما صرح به الموسيقار "هانى مهنى" الذى كان من أصدقاء ذكرى والشخص الذى تبناها فنيًا فى مصر، والذي قال أوان قتلها بأن ذكرى "ماتت شهيدة الحب"، مشيراً آنذاك إلى أن سبب القتل هو شجار حول تنظيم أعمال ذكرى الفنية، وأن زوجها "أيمن السويدى" حاول أن يفرض رأيه عليها، وبالتالي فإن غيرة الزوج عليها ربما أدى به الى إطلاق الرصاص عليها؛ علماً أن جمهور ذكرى ومتابع مسيرتها الفنية حتى يومنا يتوقع بأن ثمة أغنية سياسية كانت وراء قتلها، وأن إحدى الجهات التى غضبت بعد غناء "ذكرى" لأغنية من كلمات وألحان الشاعر الليبى "علي الكيلانى"، والتى كانت تنتقد فيها "المقدس فى السياسة وأنظمة الحكم العربية وخاصة النظام الملكى فى السعودية" هي التي سعت إلى كتم صوتها للأبد؛ وهو ما أثار الكثير من الانتقادات حولها من الناحية السياسية والفكرية والدينية، كما انتشرت اتهامات حول تورط مخابرات إحدى الدول العربية فى تصفيتها جسدياً بسبب تلك الأغنية، إلاَّ أن من سوء حظ الفنانة الراحلة، أن القنوات الفضائية وعلى رأسها الجزيرة لم تكن حينها على خلاف مع المملكة العربية السعودية، ولا كانت ثمة خلافات سعودية حدية مع بعض الدول تستدعي توظيف قتلها سياسياً آنذاك، ولا كان المبتز الكبير ترمب موجوداً ليعمل على حَلب المملكة من وراء قتل الفنانة، وذلك حتى يستثمروا جميعاً قتلها ويجعلوا منها أكبر قضية من قضايا حرية الرأي في العالم العربي، كما فعلوها مع المرحوم جمال أحمد الخاشقجي، وحيث غابت الموضوعية تماماً في تناول الأخبار المتعلقة بالراحل لدى بعض القنوات والمنابر والمواقع الإلكترونية التي قامت بالتشحين والتأليب وفرض الآراء والتوجهات على حساب نقل الحقائق المجردة، ليس لنصرة الحق والعدل والإنصاف، إنما تعمّدوا التأجيج والتشويه والتحريف بغية النيل والانتقام.
  

للتعليق على المقالة




وصلنا النعليق على المقالة .. شكرا لك