ما كان كارل ماركس ليكون أول شيوعي حقيقي في العالم لو أنه لم يدرس الفلسفة
ويتعرف على ديالكتيك هيجل ومادية فيورباخ، ثم يعارضهما باكتشافه الحقيقة المطلقة
موضوع كل الفلسفات الغابرة، تلك الحقيقة التي تقول أن الطبيعة بكل أشيائها هي في كل
لحظة التهيوء الأخير لنفاذ قانونها العام ألا وهو الديالكتيك. بناء على هذه
الحقيقة المطلقة تفجرت عبقرية ماركس فكان للفلسفة علم وللتاريخ علم له قوانينه
النافذة على الإطلاق في مختلف المجتمعات البشرية على اعتبار أن البشر جميعهم هم
أيضاً من أشياء الطبيعة. من هنا رأى ماركس أن التهيوء الأخير الأكثر تقدماً
للمجتمعات البشرية المتمثل بالنظام الرأسمالي هو أيضاً تهيوء إجتماعي عابر سينتهي
بفعل الديالكتيك المتمثل بالتناقض الإجتماعي الرئيس بين قوى الإنتاج وعلاقات
الإنتاج.
تمكنت ألمانيا النازية من تفكيك أكبر امبراطوريتين امبرياليتين، الفرنسية وقد أحتلت
فرنسا، والبريطانية وقد حوصرت بريطانيا وراء بحر المانش. وهكذا يمكن القول أن
التناقض الرئيس في النظام الرأسمالي لم يعد موجودا أو فاعلاً كما كان قبل الحرب
ولذلك سخر ستالين في العام 49 من تشكيل حلف شمال الأطلسي العدواني بالقول .. "لن
نحاربكم وسنتغلب عليكم بالمنافسة السلمية" وقد ثبت في الحرب أن قوى الحرب للدول
الغربية مجتمعة هي أبعد بكثير عن مقارنتها بقوى الحرب السوفياتية؛ وكان تشيرتشل
يعي ذلك جيدا ولذلك دعا في خطابه الشهير في مدينة فولتون الأميركية أمام الرئيس
ترومان في مارس آذار 46 إلى تشكيل جبهة ثقافية حضارية للشعوب الناطقة بالإنجليزية
بوجه الحضارة السلافية بقيادة الإتحاد السوفياتي وليس حلفاً عسكريا كما فعل وزير
الخارجية العمالي آرنست بيفن (Ernest Bevin) الذي كان عميلاً مأجوراً للمخابرات
الأميركية وهو من أسس دائرة المخابرات الخارجية (MI6) ضد الشيوعيين ملحقة بوزارة
الخارجية رغم أن الشعب في بريطانيا صوت في الانتخابات لحزب العمال تقرباً للإتحاد
السوفياتي دون أن يعلم أن ثمة خائناً مأجوراً في قيادة حزب العمال هو ارنست بيفن.
نكتفي بالإشارة إلى حقيقتين أساسيتين للنظام العالمي الحالي تدمغانه بالتخلف دون
ذكر الإشارات الجانبية الأخرى لمظاهر تخلفه كالإرهاب وتلوث البيئة وتجارة الرقيق
والمخدرات وغسل الأموال، وما هو أدل من كل هذا قيام عصابات شبه عسكرية لاختطاف
السلطة في معظم بلدان العالم الثالث وخاصة في الستينيات، وما كان لينتهي ذلك بغير
ما سمي "الربيع العربي" الذي لم ينتهِ إلى الإزهار بسبب تخلف قوى الإنتاج ليس في
بلدان العالم الثالث فقط بل أيضاً في العالم كله.