الاحتفاء بغبار القطيع
قبل أن أُصادف في القراطيس ومعاجم الأمثال الشعبية عبارة "غبار
العمل ولا زعفران البطالة" ومن ثم أُدرك القيمة الحقيقية للعمل
والقيمة الغذائية للزعفران، كان الغبار يحيط بي كغيري من أطفال
الضيعة أينما ولينا وجوهنا في ربوعها، إلاّ أن الغبار ههنا هو ليس
الغبار الذي كنا نتعرض للتوبيخ بسببه من الأهل عقب كل عودةٍ من
الملعب الترابي للقرية، ولا الغبار الذي نقصده هو العجاج الأرضي
الذي كان يُحدثه رعاة القرى كلما مروا بقطعان النعاج والمعيز من
الجوار حين ذهابهم إلى المراعي في سفوح الجبال، أو حين عودتهم من
الوديان في فترة القيلولة عند الظهيرة إلى آبار القرى لسقي
القطعان، أو حين إيابهم من المراعي عند المساء، وحيث كانت حشودهم
البهيمية بفضل أظلافها تصنع ما يشبه الغيوم حين إنطلاقها بحبٍ وشوق
نحو الحظائر، ولا هو ذلك الغبار الكثيف الذي أثاره موكب الرئيس حين
عبوره بالشاعر سليم بركات يوم كان تلميذاً في المرحلة الابتدائية
من عمره الدراسي "كنا صغاراً يا صاحبي، صغاراً جداً مثل فراخ الأوز
واقفين على طرفي الشارع كسطور الكتابة، وكان ثمة هرج كبير، هرج
مهول، وكان المعلمون الذين يقفزون بين الصفوف ملوحين بعصيهم أشبه
بقطط مذعورة يصرخون: انتبهوا، لوَّحوا بأيديكم حين يمر الرئيس،
ومَرَّ الرئيس، مر وسطنا ملوحاً بيديه ثم اختلطت الصفوف الهندسية
وراء الموكب وتحولت إلى كتل سوداء متدحرجة عنيفة في فوضاها، سقطت
على الأرض مراراً، تصطدم بي الأجساد والأرجل وأنا أجاهد للخروج من
البحيرة الآدمية، وحين وصلت إلى البيت كان وجهي أقرب إلى التراب
منه إلى وجه طفل"*، ولا هو الغبار الذي أثاره الشعراء المتسابقون
وهم يلقون قصائدهم راجلين راكضين بقطيعهم المندفع كريح اخدود
تاييس، في كهوف هايدراهوداهوس حيث "قطع الشعراء الشوط الأوّل من
سباقهم، عبروا المصطبة التي عليها الأمير فغطوا خانياس بالغبار
وبالكلمات الصاخبة كحوافرهم"*.
إنما الغبار الذي نعنيه ههنا هو ما تبقى من الآثار العفنة لغبار
السلف، العفونة التي ما تزال منذ قرون عالقة ببعضنا، مرافقة أو
ملتصقة بتلك الأشياء واللقى الثمينة التي توارثناها عنهم، إذ بدلاً
من أن نتخلص من تلك الرواسب، احتفينا بها، كاحتفائنا بأي شيء ثمين
من تراثهم المادي أو المعنوي النفيس، وبدلاً من أن نحافظ على
موروثهم البهي خالصاً من الشوائب، احتفظنا بالشوائب كاملةً وكأنها
جزء رئيسي لا ينفصل عن كل الآثار التي وصلتنا منهم؛ بينما في الدول
التي قطعت شعوبها أشواطاً كبيرة في مسار الرقي، غدا حاضرهم مفصول
عن الماضيات الغير مرغوب بها، ليس من خلال نظرة ومرآة الآخر لتلك
المتروكات فحسب، إنما ومن قِبل تلك الشعوب نفسها، وصار أي سلوك
غليظ أو فظ يذكرهم بالهمجية السالفة الذكر، محطّ نفورٍ ممن يلاحظون
ذلك التصرف أو يعاينون تحركات صاحبه أياً كان، هذا إن لم يتم
التعامل معه بقرفٍ ظاهر مِن قِبل عامة الناس؛ وفي تلك المجتمعات قد
لا تجد حتى إن بحثت بالمجهر مَن يفتخر بأصله القطيعي، وهذا لا
يحتاج إلى امتحان نواياهم أو اختبار آمالهم المتعلقة بالمستقبل،
إنما ممارساتهم هي التي تشهد على الفصل الشبه النهائي بينهم وبين
المرحلة الهمجية من تاريخهم كمِلل أو أمم، وكأبرز إشارة إلى التبرؤ
من ذلك الأصل المنفِّر هو إصرارهم على التحرك والعيش بطرائق تناهض
أخلاقيات ذلك السرب الذي خرجوا منذ غابر الزمان عنه.

وصحيح أن ابن خلدون رأى بأن اجتماع البشر وتعاونهم كان ضرورة ملحة
في بداية تكون المجتمعات البشرية، أولاً من أجل تحصيل الإنسان على
طعامه، وثانياً من أجل مواجهة الحيوانات الشرسة التي كانت تهدّد
حياة ووجود الإنسان ككائن ضعيف، إضافة إلى أن ذلك النوع من التعاون
كان أساس عمران الأرض وتطور الجنس البشري عند ابن خلدون على خلاف
الكائنات الأخرى على مر العصور، ولكن هذا الاجتماع كان أمراً
ضرورياً وحتمياً في تلك المرحلة، حيث لم يكن هنالك شيء اسمه دولة
ومؤسسات وإدارة وجمعات وأحزاب ومنظمات وبوليس وجيش.. الخ، أما أن
يحصر اجتماع البشر فقط من أجل إلحاق الأذى بأناس آخرين لأتفه حادث
أو قضية وبشكل همجي فظيع، فهذا ما يرفضه العقل الإنساني الراقي كما
ترفضه كل النظريات الإنسانية التي تعلي من شأن الإنسان كإنسان،
وتفضّله على كل الأيديوجيات أو التصورات ومجمل الروابط المتخلفة.
ومع أننا حسب تصنيف العالم الأنثروبولوجي الأمريكي، لويس هنري
مورغان (1818-1881)* ننتمي عملياً وواقعياً وفعلياً للمرحلة
المدنية، مخلفين وراءنا منذ قرون مرحلتي الوحشية والبربرية، وأننا
ممن قطع مع غيره من أوادم المعمورة أشواط كبيرة جداً في سياق
التطور الحضاري للأمم، إلاّ أن ثمة من يود إرجاعنا الى المربع

الأول من سلُّم الارتقاء البشري، أو يبغي فرض قيم هي عملياً من
نتاج المراحل التي سبقت بقرون المرحلة الحضارية التي نعيش أيامها
الآن؛ وبالرغم من أن القبلية والعشائرية هي مراحل متقدمة نوعاً ما
عن المرحلة القطيعية زمنياً وقيمياً، ولكن لا يخفى على من يعايش
المجريات أن ثمة قيم كثيرة من المرحلة السابقة معمول بها كما هي
عند بعض التجمعات العشائرية أو حتى القروية، وهي مأخوذة كما هي عن
المرحلة الأشبه بالبهيمية، ومع ذلك يتم الاحتفاء بها بل والتعويل
عليها في إثبات الذات في المجتمع، وبناءً على تلك الخصلة المتبقية
من زمن القطيعية يتم فرض شروط معينة ليتبوأ بعضهم مواقع كبيرة في
مراتب الدولة الحديثة، الدولة التي وفق دستورها وقوانينها ما من
صلة بينها وبين ذلك الماضي الذي يُشم منه ريح البهيمية، أما كيف
استطاع فرد ما أو أفراد معينين فرض أنفسهم من خلال الأحياء وليس
الموتى على الدولة، وبأن يكون لهؤلاء النماذج المقيمة في غبار
السلف موطئ قدم في هيكل الدولة المعاصرة، فليس بخافٍ على الناظر أن
هذا الفرض الحضوري من قبل أشخاص معينين جاء من لدن القبائل أو
العشائر، بل وتتولى العشيرة دعمهم بكل ما أوتيت من قوة في بعض
الدول الشرقية، وما يماثلة بالطبع الحضور المافياوي العصاباتي في
هيكل الدول الحديثة في بعض البلدان الغربية كإيطاليا ودول أخرى من
أمريكا اللاتينية.
ولا شك أن سبب نفورنا من الثقافة التحشيدية الأقرب للقطيعية لا
يأتي من باب جلد الذات أو لإرضاء بعض الذوات، ولا نقول ذلك سعياً
منا للتقرب من الآخر عبر نكران الأنا، إنما نتحدث بناءً على قراءة
تصرفات الأوادم أمامنا أو في محيطنا كما نقرأ الكتب، ونعاين
الممارسات الميدانية لأبناء بلدنا، وندرك نوعاً ما طريقة تفكير
طائفة كبيرة منهم، وحيث أنها لم تنعتق بعدُ من آلية الإلتحاق
بالقطيع، وذلك ليس أوان المخاطر التي تهدّد حياتهم فحسب، إنما وحتى
في المواقف الحياتية البسيطة التي لا تستدعي أي التفاف أو اجتماع
للكتل البشرية الصماء، وحيث الاجتماع التحشيدي لا يتم إلاّ من خلال
إظهار الحقد الدفين والانتقام والاستغلال والانتهاز كقيم مركونة في
أعماق شريحة غير قليلة من أبناء البلد، كما يُلاحظ أن الحالة
القطيعية حاضرة في أغلب البلدان التي تعيش دوامة العنف القومي أو
الديني أو المذهبي.
وقد يقول قائل بأنه إبان الذروة القطيعية التي تبلغها بعض الأطراف
المتناحرة في بقعة جغرافية ما حين المناوشات الدموية، لا ينفع حضور
العقل وصاحبه، ولا يُحبذ حضور مَن كان مِن أهل القِيَم والمناداة
بالعدل، لأن الخطاب المتطرف سواء دينياً كان أم قومي أم مذهبي أم
حزبي هو الذي يسوق القطعان البشرية حينها ليس في براري الواقع
فحسب، إنما وحتى في فضاءات بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى وجه
الخصوص بعض صفحات (الفيس بوك)، والقول بأن الشعوب التي تعيش الحالة
القطيعية لا تتلاءم بيسر مع طقس الحرية، وحيال ذلك يبدو أن ما قاله
غوستاف لوبون عن أن الجماهير في لحظة ما تعود إلى حالتها الحيوانية
الأولى لا ينطبق فقط على الشعوب المتخلفة وحدها، إنما قد تطال
الحالة في فصل حياتي ما على أرقى رهط من شعوب العالم، حيث قد يعود
بعض أفرادها إلى همجيتهم الأولى ويعيشون الحالة القطيعية بحذافيرها
كأي شعب متخلف، والدليل ما شهدته شوارع مارسيليا من أعمال شغب بين
مشجعي انكلترا وروسيا قبل المباراة، في منافسات المجموعة الثانية
ضمن الدور الأول من كأس أوروبا 2016 لكرة القدم، وما نتج عنها من
تكسير زجاج المحلات والضرب والاعتداءات العنيفة بين جماهير
المنتخبين.

عموماً فمع أن القطيعية كانت تعبّر عن حالة بشرية ما في مرحلة
تاريخية معينة، ولكنها عقبها لم تعد إنسانية وفق تصور الفيلسوف
الاغريقي سقراط، وذلك لأنها تفتقر إلى المنطق والعقل والحكمة، هذا
عدا عن افتقارها للعدل والإنصاف والمساواة، ولأن في القطيعية
يتشابه البشر بالبهائم، لذا تغدو سلوكيات الخاضعين لسلطان القطيع
غليظة، كريهة، مستحقرة، نتنة بنظر كل مَن لم يتورط في مشاريع
القطيع، ولم يكن من المصفقين لتصرفات تلك القطعان كما هو الحال لدى
بعض الساسة والكثير من النشطاء في ربوع بلادنا، هذا عدا عن المسلح
المندمج سلفاً بكل قرفه في معارك القطيع، ولا شك أن أخطر ما في
القطيعية هي عندما يتم استثمارها من قبل جهة سياسية أو عسكرية ما
في هذا البلد أو ذاك.
وبتصورنا أن القطيعية في العصر الحالي تستأهل الاشمئزاز الكلي لأن
البشر فيها يحاكون البهائم، بينما الإنسانية حالة أرقى بكثير من
القطيعية وفق سقراط وكل من ساروا على نهجه على مر العصور، وإذا قيل
بأن القطيعية كانت ضرورة حياتية في تلك المرحلة التاريخية، في
الحقبة التي دعت البشر ليشكلوا الجماعات على هيئة القطعان، من باب
الحماية والاحتراس والدفاع عن الذات إبان تعرضهم للهجمات من قبل
أقرانهم البشر أو من قبل بعض الحيوانات المفترسة، حيث كانت
القطيعية مبررة وضرورة مرحلية في ذلك الزمن، لأن المدنية لم تكن قد
ولدت بعد، ولم تكن قد وجدت الدولة والقوانين والمؤسسات كما هو حال
العالم اليوم، أما الآن فما من مبررٍ قط للاحتفاء بها، لذا على كل
كائن متحضر ومنتمي لهذا الزمان الحق باستحقار القطيعية، طالما أن
هناك بدائل راهنة تناهض كل أسباب وجودها البغيض، وعلى كل حال فإن
التصرف القطيعي لبعض الجماعات البشرية في بلادنا هو يشير صراحةً
إلى أن لديهم حنين جارف إلى تلك المرحلة التي كانت قريبة جداً من
البهيمية.
وبخصوص المقارنات المتكررة وذكرنا لأكثر من مرة معشر البهائم في
مواضع التوحش فقط، من غير أن نتذكر محاسن تلك الكائنات في مواقع
الأنس والإحسان، باعتبار أن المقالة دعتنا إلى ذكر المثالب وحدها،
لذا ولكي لا نُحسب على من كان ممعناً في عدائه للحيوانات، ومجحفاً
حين المقارنة بحقوق ذوي القوائم والمخالب، ومن باب الإنصاف يطيب لي
في الختام إيراد قصيدة للشاعر العراقي جبار ياسين*، يقول فيها:
" أيها البهائم عذراً لقد أخطأنا في دنيانا
أنتم الملوك
ونحن الرعية التي تستحق الأكل
انعموا بلحمنا إن كان له مذاق حقيقي
اعرف أنكم تتقيأون من ذكر ذلك
أنتم أكرم منا
وأعلى منزلة
هذه الأرض لكم".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ـ الجنب الحديدي/ سليم بركات/
الفصل الأول "العنف الهندسي" من سيرة الطفولة.
*ـ كهوف هايدراهوداهوس/ سليم بركات/ رواية.
*ـ أرض للنسيان/ جبار ياسين/ شعر/ منشورات الجمل/ الطبعة الأولى
1998.
*ـ الموسوعة الحرة (وكيبيديا).