بعيداً عن الروايات التي عوّضت بعض الناس عما كانوا يبحثون عنه
أسابيع طوال في بضع ساعات، وبعيداً عن قدرة الأفلام السينمائية على
خطف ألباب المُشاهدين لِلحظات، يظل يراودني في غربتي هذا السؤال:
يا تُرى هل غدا الحلم بالوطنِ أهم من الوطن نفسه؟ وذلك لاستشعاري
بأن الهواجس تضاربت إلى درجة التيه بين الانتماء واللاانتماء، وحيث
تشير دعسات الزمن إلى اضطراب المشاعر الشخصية بين التغني بوجوده
ونشدان عدمه، بين وطنٍ موجود، ووطنٍ نبحث عنه لنوجده، إذ يتّبع
بعضهم متلهفين أثر الشيءِ أو ينتظرونه عشرات الأعوام بحماسٍ مبالغ
فيه، وإن صار قاب قوسين من التحقُّق رأوا وقد نرى أنفسنا معهم وقد
فترت هِممُنا، وبرد توقنا إلى ما كانوا وكنا نصبو إليه معهم إلى
حين.
***
أيها الملتفت إلى ما يخصك وحدك بين العالَمين، كنتَ تتضايق يوماً
من بعضهم لأنهم لم يلتفتوا إليك، فها أنت الآن بلغت مراقي ما كان
يُشغلك بتربعك على مسرح الشهرة، بما أنك بمثابة نجمٍ ممرّغٍ
بالأضواء صرتَ، فعليك من الآن فصاعداً تحمل بقائك في مرمى الأنظار
طويلاً، وتندلق بنفس الحنين السابق إلى العاديات التي كنت تشكو
منها كثيراً، وعليك الانتباه لتصرفاتك لأنك منذ الآن لستَ ملككَ
وحدكْ.
***
يتوقع بأنه في تلك الديار سيُنظر إليه كقطبٍ يُشار إليه بالبنان،
وأن الناس هنا يُعيقون ظهور جواهره النيرة، وعندما يُدير اتجاه
المركبة ويصبح من سكان ذلك الفضاء، يرى بأن تعظيمه لذاته كان
مبالغاً فيه، وأنه لا يُعامل في ذلك الفردوس أفضل من جروِ العائلة
المدلل، وحتى المواهب التي كانت لديه تصابُ بعقمٍ كلي عقب اكتشاف
الذات والمحيط مع تتالي الأيام والشهور والسنوات.
***
تقول الحكمة الصينية "تعامل مع الأمور قبل أن تحدث، وعالج الأمور
قبل أن تبدأ بالاضطراب" بينما نحن فندع الإفرازات المرضية تنمو
أمامنا ببطء فنتجاهلها، وتتفاقم فلا نحسن حصر أو تحجيم تأثيراتها،
وعند الإنفجار كل واحد منا يقدم نفسه على أساس أنه إطفائي ماهر
بإخماد الحرائق الاجتماعية، أو كطبيبٍ حاذق في حل المعضلات، وطبعاً
في الوقت الذي لا يكون ثمة أهمية لتنطع الإطفائي بكلامه، ولا ضرورة
لتفاخر الطبيب بقدرته على إيجاد الحلول للمشاكل المستعصية، علماً
أن كلا النموذجين ومن ورائهم العشرات قد لا يكونوا ممن لديهم
القدرة على إيقاف تمدد أتفه مشكلة أوان تفتقها.
***
هنالك بعض المواجع قليلاً ما نصادفها، ولكنها موجودة منها مثلاً:
أن ترى الدموع في عيون أحدهم وأنت تعبُر دياره كمرور سحلية بجانب
الطريق العام الذي تسلكه، لا معرفة مسبقة بينكما، ولا ثمة مشتركات
تجمعكما، ولكن الدموع تستوقفك، تنظر إليه، تتأمله، تتسرب الحرقة
الى أحشائك، ولكنك بهدوءٍ تغادره وأنت محمّلٌ بمشاعر العار ،
محتقراً ذاتك، لأنك لم تسأله مما كان يشكو منه، لا لأنك خجلت من
محادثة هذا المرمي على قارعة الطريق، إنما كانت خشيتك فيما سيعقب
السؤال، إذ أنك فزعت من أن تعرض عليه مساعدةً أو خدمةً أنت نفسك لا
تمتلكهما، حينها تتقزم أمام نفسك، بل وتشعر بضآلتك رغم ضخامة بدنك.
***
أن تكون حفيفاً كالفراشة، لا يعني بأن تكون من أصحاب وزن الريشة،
ولا يعني بأن تكون كريهاً من خفة العقل، إنما أن تكون كالندفة
تُنعش ولا تجرح، تروي ولا تجرف، تهبط ولا ترتطم، تلمس ولا تكبس،
متهادياً في النزول وليس مصطدماً في السقوط، أن تكون خفيفاً يعني
أن يحن إليك المكان وأهله، أن يحتفى بك وكأنك تواً قدمت من أقاصي
الكون وبعد قليلٍ ستغادر، تغدو قرين سوبرمان في الإنتشال، في
الإنقاذ، في رفع الأثقال عن الأبدان، ولكنك لا تبرك بكامل ثقلك على
الأجسام، كما يفعل البعير بعد طول سفر فيبرك على الأديم وكأنه صخرٌ
مقيم.
***
كل الذين كنتَ تعوِّل عليهم الآن وجهة معظمهم صوب مهابط مطارات
العواصم، مع توقهم الشديد لِلَمس صك الانتقال إلى عالم الأماني
والخلاص، إلاّ أنتَ ما زلتَ مشدوداً نحو سكةٍ شبه مدمرة، ومع كل
مشاريعك التغيرية المحفوظة في أدراج الذاكرة منتظراً إعادة اللُحمة
لأشلائها المبعثرة، حتى تعود من خلالها إلى حياض عشٍ مدمرٍ اسمهُ
الوطن.
---
* كتب الافتتاحية لهذا العدد الكاتب ماجد ع. محمد نيابة عن رئيس
التحرير المؤلف الموسيقي وليم نصار لوجوده في المستشفى. نرجو عودته
إلينا سريعا.
الحلم بالشيء عوضا عن الحصول عليه*