هوس الاعتراض
 

 

أشرنا في وقفةٍ سابقة إلى المنتقدين المستخدَمين من قِبل الآخرين، بينما في هذه الوقفة سنسلط الضوء قليلاً على حالة الاعتراض والمخالفة لدى السياسيين وأجنحتهم، معتقدينَ بأن الذي يعارض أداء جهة سياسية أو عسكرية، أو يرفض ظاهرة من ظواهر المجتمع، من المفروض عليه أنه يمتلك رؤية وتصور خاص ومفيد، ويكون قادر على إيجاد الحلول وطرح البدائل، أو على الأقل اقتراحها أو الإشارة إلى أفضلها، أما أن يعترض الشخص كنوع من إظهار نفسه كمختلف ينبغي الانتباه إلى مرض التعاظم لديه، فهذا لا يستحق الاِلتفات إليه، لأنه عملياً هو لا يختلف عن تبعية وإحتجاج العوام الذين يُظهرون تذمرهم من جهة ما لأنهم رأوا في الطريقِ راعياً يُحذِّرهم من دربٍ ويدلهم على مراعٍ جديدة للقطيع، هذا من دون أن يعرف القطيع وصاحبه شيئاً عن المرعى إن كان حقاً فيه ما يفيدهم أم أنه سيكون أسوأ من الواحات السابقة.

وحيال الواقع السياسي والعسكري المستعصي في البلد، فإذا كان السوري يعارض تنظيم ما لا على التعيين مجلوب من الخارج أو مُشكّل من بقايا الداخل ولكنه مفروض من الخارج، وبالتالي يُعارض وجود تلك الجهة بشدة لأنها فرضت نفسها ككل القوى العسكرية في البلد بالغصب والإكراه، فهذا إيجابي وحق مشروع لا اعتراض عليه.

وإذا كان السوري قلباً وقالباً مع فكرة أن يتبوأ أبناء كل منطقةٍ زمام أمورهم، وبالتالي انتزاع مواقع القرار من كل أميرٍ أو فقيهٍ أو كادرٍ تابع لقوى خارجية، فهذا الأمر من كل بد سيرى الكثير ممن يؤيده.

وإذا كان هناك مطلب ملح بانتشال كل متخلف عقائدي ـ سواء كان من معتنقي العقائد الدينية أم من معتنقي العقائد السياسية الوضعية ـ من مكانه وإبداله بأصحاب الخبرة والشهادات والتكنوقراط من أبناء نفس المنطقة، لا شك سيلقى الطلب ترحيب الكثيرين.

وإذا كان ثمة مَن يدعو إلى كشف ستر كل شخصٍ مجهول الهوية له سلطة ما سواء على فردٍ واحد، أو على مجموعة من الأفراد، أو على منطقة برمتها في البلد، وبناءً عليه تطالب النخبة المعترضة بإزاحة كل مَن لا يعرف الجمهور أصله وفصله ومنبته، فهذا الأمر مقبولٌ جداً والقليل ممن سيعارضه.

وإذا كان الغرض هو جعل أي تنظيمٍ قادم من الخارج بجعله خادم لأهل المنطقة وليس مستأثراً بقرارات السيادة فيها، وبالتالي رفض التحكم بكل مفاصل حياة أبناء البلد من قبل ثلة من مجهولي الهوية والحسب والنسب، فهذا حق سيلقى الدعم القوي من القاعدة الجماهيرية بإستثناء المؤدلجين التابعين لتلك الجهات.

أما إذا كان الهدف من معايبة هذه الجهة أو تلك الجهة ليل نهار هو فقط من إجل إرضاء الجهة التي تدعم المعترض، أو في حال كان ذلك المعترض يعتاش على أعطيات جهة ما خارجية لا تختلف عن الجهة التي يتناولها ويخاصمها ليل نهار، فلا قيمة تذكر حينها لكل الاعتراضات التي يلوّح بها ويرميها بوجه هذه الجهة أو تلك، لأنه عملياً وعلى الأغلب ليس أفضل حالاً ممن يخاصمهم، طالما أن هدفه الرئيسي هو استمرار التهجم إلى أن يتبوأ مكان من يرشقهم بملاحظاته ليل نهار.

كما أن الشخص الذي لديه ولو شيء ضئيل من الحكمة لرأى المحاسن حتى في ديار أعدائه وتحدث عنها إن تطلب الأمر ذلك، بينما صاحبنا المعترض الأبدي على كل شيء لا يرى أي فضيلة في الذين يعترض على أدائهم أو وجودهم على رأس سلطة ما في مكانٍ ما من البلد، كما أنه ما من فرقٍ يُذكر بين المهووس بالاعتراض وبين الموالين لأي نظامٍ من النظم الدكتاتورية الفاسدة، وحيث أنه مجرد صدى لصوت مَن يوظفه، مَن يُشغله، مَن يوجهه، ومن جهزوا له المقذوفات والقاعدة لإنطلاق سهامه الاعتراضية، ولا يأتي بحركة إلاّ بناءً على بوصلة مَن يشغلونه بكونه يعمل كالروبوت المخزَّن ببرامج معينة، ولا يقوم بما يقوم به بناءً على فكر وأهداف ومصلحة المجتمع أو مصلحة المُساقين مثله، طالما أنه متى ما طالبته الجهة التي يستمد المأمور قوته منها بتغيير وجهته، سرعان ما سيغير مواقفه حينها بسرعة البرق، ويغدو بدل القطار الذاهب إلى الغرب آيباً من الشرق، لأنه وقتها يكون كالمعبد الأمور والمأجور ومجرد سانشو أنترنيتي، تابع، هزيل، وهش، ولا يملك شيء من أصل عويله المتواصل.

ولا شك أن رداءة منظور المعترض السوري تُعرف من خلال الوقائع اليومية التي تجري منذ سنوات في البلد، وحيث أنه عند حدوث أي انتهاك أو جريمة أو مجزرة يبدأ السوريون من النموذج الذي نتحدث عنهم برمي الاتهامات جزافاً من دون معرفة أيَّ شي عن الجريمة والمجرم الحقيقي الذي استهدف المدنيين، وهذا يدل على أن الحقيقة وكشفها ليست غايتهم القصوى، إنما هدفهم النيل من الخصوم واتهامهم بأي شيء حتى ولو لم يقترف الجُرم إلاّ أصحابهم هم أنفسهم، وليس ذلك الذي يبغضونه أو تلك الجهات التي يتهمونها، وبرأيي أن هَوَس الاعتراض والمخالفة من باب الضغينة السياسية الآنية أو التاريخية حالة مرضية صرفة، ولكن مع ذلك ففوق علتها تصر الجهات المعترضة على أن تُظهر نفسها للعامة كجهة منقذة ومعالجة!! ومن كل بد أن المنطوقات أو المكتوبات المناهضة المبنية من مداميك الحقد والبغضاء والقائمة على القصف المتواصل من أجل أخذ مكان من يتم رشقهم بمعلقات الشجب والإدانات، فإن سماعها وقراءتها قد تُفسد موضوعية الإنسان السوي بوجه عام في أيّ مكانٍ كان، والإنسان السوري على وجه الخصوص.