|
كما نفخة الصور الثانية التي تخرج الناس من
أجداثها، تدافع أهل المخيم بآمالهم المعقودة بعد طول انتظار أمام مركز الإعاشة وحول
الشاحنة الممتلئة عن آخرها بطرود محزومة.. وتصاعد غبار الشارع المترب لتكتمل لوحة
الحشر, فيما ظل السعيد والمحمود منشغلين بنقل الحزم الكبيرة إلى داخل المستودع
الرطب للمركز. فالشحنة كانت حصة الشتاء الذي يطل متوعداً الكتل البشرية في الخيام
وأسقف الصفيح في مخيم درعا للاجئين. تنبه أبو عطية إلى وجوب القيادة الحكيمة في هذه
المعركة المصيرية فتسلق سطح الشاحنة وراح يصرخ في الناس المتهافتين من الأزقة
والخيام بضرورة الانتظام بطابور متسق لكن أحدا لم يعره أي اهتمام. فنزل عن الشاحنة
شاتماً الفوضى التي ساقت أهل المخيم ووقف في أول الصفوف متنحياً عن قيادته الرشيدة
لاصطياد بقجة ملابس ممتلئة فمن سبق لبق ومن تخلف عن الركب لم يبلغ الفتح.
لم أعرف لماذا كنا نحن الصغار نتدافع ووننسل بين اقدام أمهاتنا. ونزيد التدافع
تعقيداً وشغباً. وعندما تجاوز الزحام طاولة أبو نايف الخشبية وقف صارخا ومتوعداً أن
يقفل المركز إذا تجاوز أحد أرجل الطاولة المتأرجحة . وظل يكرر دون أن يسمعه أحد:
- الكل سيأخذ حصته حسب الكرت الأزرق في القوائم فلا داعي للتدافع.
وقف المختار وبعض الأعيان بهدوء على مقربة منه فطمأنهم بنظرة جانبية . فعرفنا أن في
الأمر خيار وفقوس ولكن ليس باليد حيلة. فأسيادكم في البلاد هم أسيادكم في المخيمات
ولا بد أن ننتظر نصيبنا من فتات الكعكة.
وما ان بدأ التوزيع حتى طارت البقج بين الأيدي وازداد التدافع وفي غضون ساعة كان
المركز قد كاد يفرغ واستطعنا الظفر أخيراً بحصتنا الشتوية وركضنا كصغار البط خلف
أمي. كانت بقجة كبيرة تفوح منها رائحة النفتالين . حملناها إلى الخيمة وقبل أن
تفتحها كنا قد خلعنا أسمالنا بانتظار الكسوة الجديدة. وبدأت رحلة الاكتشاف والتخمين
والغوص في الرائحة الواخزة والألوان الفاقعة بينما راحت أمي تمعن النظر في القطع
الملونة التي لم نر مثلها لتقيس وتجتهد بنظرة الفقهاء. لم تكن لنا تلك المعرفة
العميقة بأزياء أهل الغرب فقد اجتمعنا حول كومينو أخضر نعناعي قصير من الفرو ولعنت
أمي القائمين على التوزيع لأنهم سرقوا أكمامه ورحنا محاولين معرفة جنسه هل هو لذكر
أم أنثى؟! ولسوء حظ والدي لم يأت على مقاسه فتركه لأمي ثم خرج من جراب الحاوي في
لحظة حزنه مانطو عسكري ثقيل التقطه على عجل وراح يفتش جيوبه فعثر فيه على ورقة
مكتوب عليها بالإنكليزية، رماها دون أن يكترث، وتلاحقت الأيدي وهي تفتش عبثاً عن
رداء يقي من برد الشتاء لكن باقي البقجة كانت عبارة عن تنانير قصيرة وفساتين سهرة
بصدور مفتوحة وكف طويل مثل كف مارلين مونرو يصل حتى أعلى المرفق وقبعة مستديرة زينت
بالريش من أطرافها، لم يكن من شيء يتم استصلاحه أو إعادة تدويره فقد كنت بحاجة ماسة
إلى بنطال بعد أن تمزق بنطال ( الترافيرا) واهترأت مطاطته ورحت أندب الحظ العاثر
وألعن مع اللاعنين. سحبت أمي تنورة اسكتلندية أخيرة وتفحصتها، كانت مصنوعة من
القماش الصوفي الأقرب للكتان بنقشة الترتان والكاروهات، قاستني بنظراتها وهي تمد
التنورة أرضاً ثم ابتسمت باكتشافها، أحسست في البداية أنها تسخر مني ولكنها سارعت
إلى العلبة المعدنية وأخرجت المقص وإبرة موسى التي حولت العصي إلى أفاعي وبدأت
بتقدير القياسات بالشبر والقص بعد أن فقدنا الأمل في الكومة المتبقية التي لا تنفع
في شيء.
بدأنا بجمع أشلاء القطع والجزم والأحذية مجهولة الجنس في البقجة فهناك محاولات كما
تقول امي لمقايضتها مع الجيران وحفلة البحث لم تنته بعد، فكل بقج المخيم ستطوف على
البيوت بيتاً بيتاً وقد يصل الطواف والسعي عدة مرات ريثما يلتم شمل فردات الأحذية
ومعرفة جنس القمصان من خلال صف أزرارها اليمنى أو اليسرى وسارعتُ إلى الورقة
المصفرة التي رماها والدي وخبأتها لعلها تنفع في شيء كأن يأتي صاحبها فأقايضه عليها
ببنطال أو معطف، وعرفت أن لها زمن قادم وحكاية مؤجلة.
بعد أقل من ساعة كان البنطال الجديد قد صار جاهزاً.. يا رب الملابس...!! كانت
التنورة قد انقسمت بقدرة قادر إلى فجوتين واسعتين تسمحان بدخول تيارات الهواء إلى
داخلها وانكمش الخصر بعد أن ثقبت الفجوات وأدخلت فيها مطاطة من أعلاه، نظرت نحو أبي
مهنئاً إياه في اختياره هذه المرأة المبدعة التي خلقت من العدم بنطالاً. رميت بنطال
(الترافيرا) فوق تلة القمامة خلف الخيمة مودعاً إياه إلى أبد الآبدين وخرجت أخفق في
الشارع مختالاً ببنطالي الجديد بقماشه الذي لا يهترئ والهواء يدخل من جوفه فيصدر
صوتا كشراع ممتلئ بالريح، وركضت خلف السور الطيني لمركز الإعاشة لأجربه، أنزلته
ورفعته بسرعة عدة مرات وكأني ألبي نداء الطبيعة فوجدته سهل الاستعمال ويعمل بشكل
جيد.
بعد رحلة السعي والطواف للبقج بين خيام المخيم وبيوته الطينية وصلت الآمال المعقودة
إلى مبتغاها. وفي صباح اليوم التالي كان المخيم كرنفالاً بألوان شتى، وخرج عطية (
المرطرط ) منتعلا طاقية كاوبوي فوق رأسه وجاكيت مايسترو بذيل طويل من الخلف، وتبين
أن البالة التي جاءتنا في حصة الشتاء قد احتوت على ثياب من العصر الفيكتوري تم
التخلص منها من أحد المسارح، باروكات مجعدة على الجانبين وفساتين بأكمام منفوخة،
وخرجت أم ذيب وهي تلبس ستيانة حمراء فوق الشرش وقبعة من الريش فوق شمبر الرأس,
وانتشرت الفساتين بتنانيرها الدائرية كالأجراس مدعومة باسياخ معدنية رقيقة وصدور
مكشوفة تم إغلاقها بقطع من القماش الزائد عن الحاجة. كانت كل طبقات المجتمع
الإنكليزي موجودة في المخيم بأزياء معطرة بالنفتالين والسخرية.. نبلاء ، فرسان،
نساء البلاط ، وخدم متأنقون ببدلات خمرية، وكهنة بثياب سوداء طويلة، مهرجون. جميعهم
تركوا ملابسهم لنا لنتقي غضبة الشتاء القادمة. وقف الشيخ علي معترضا طريق النساء
نحو حنفية المخيم صارخاً دون جدوى بنبذ هذه الثياب فلا يجوز التشبه بالكفرة بينما
انكفأ بعض كبار السن فوق المصاطب بقنابيزهم المخططة وشاراتهم البيضاء يلعنون بلفور
وما جاء به وعده المشؤوم من ويلات علينا، وراحوا يتذكرون غلال البرتقال والليمون
والزيتون وفائض الخيرات في ميناء حيفا والبواخر الممتلئة عن آخرها وهي تصل إلى كل
شواطئ الدنيا وتسد أفواه هذه الشياطين الملونة التي ألقت برثاثتها علينا.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من قصص العدد 60 |