قلّة حيلة
 

 

تطايرت من فمه نافورات من عبارات سباب طائشة هائجة مهرولة فى كل اتجاه ممزقة لسكون الليل الهاجع.

كان مستغرقا فى القراءة على ضوء الاباجورة الخافت الذى يضفى جوا من الشاعرية العذبة على المكان. امتلأ وجدانه بسكينة يفتقدها فى صخب النهار الذى يمقته لدرجة الهلع من بزوغ اول خيوط الفجر.

ضوضاء الباعة الجائلين. صراخ ميكروفونات المساجد. كلاكسات السيارات المتحرشة بعضها ببعض. السباب المتبادل بين السائقين النافرة أعصابهم على سطح جلودهم وعابرى الطرق المترنحين الواجمين كمن تلقى لتوه نبأ مأساويا. تجهم ضباط المرور الذين يرهبون البسطاء وينحنون لذوى الحيثية ولا سيما الشخصيات السيادية المتنقلة فى مواكب مهيبة. كل هذة المنغصات أورثته قلقا مزمنا يتفاقم بنهر رئيسه له وتشكيكه فى قدراته وخوفه المقيم من الفصل من العمل.

الشتائم المكبوتة فى حلقه صباحا طفت على طرف لسانه ليلا حين شعر بمروق كائن غريب على ساقه. رفع بنطال البيجاما فلم ير شيئا. تغاضى عن الامر وعاود القراءة إلا أنه أقشعر حين لمح صرصاراً يمر سريعا بجوار قدمه ليتوارى عن انظاره مختبئا تحت منضدة تتوسط الحجرة. لا يطيق منذ طفولته هذه المخلوقات الصغيرة ولا يعرف حكمة وجودها فى العالم. كان يجزع وهو صغير إذا مر بجواره صرصار أو توقفت ذبابة على وجهه متوهما انه مهما اغتسل سيظل متسخا.

أحضر المكنسة وقبض على طرف عصاها موجها لها تحت المنضدة لتقتفى أثر هذا الملعون لعلها تناله وتخرج به صريعا. حرك المكنسة فى كل الاتجاهات سدى. شحذ كل قواه ورفع المنضدة وأزاحها من مكانها فلم يجد أثرا لعدوه اللدود. تلفت ليجده يعدو خارج الحجرة فجرى خلفه رافعا سلاحه المتأهب لمعركة لن يقبل فيها إلا بنصر مبين.

استقر به الامر فى الحمام لاهثا لاعنا الكائن الذى أفسد عليه ليلته. قبع الصرصارالصغير فى البانيو واصبح فريسة سهلة إلا انه كلما انهال على رأسه بالمكنسة فلت منه بمهارة ورشاقة ورمقه بنظرة تحدى ساخرة. إبتعد عنه قليلا ليوهمه بأن اليأس قد تمكن منه.

وبعد ان هدات حركة الصرصار باغته الرجل بضربة قاصمة اصابت رأسه. شعر بإرتياح جارف فأخيرا سيتمتع بما تبقى له من سويعات قليلة هادئة قبل ميلاد النهارالصارخ كالجنين الملفوظ من الرحم. إلا أن الصرصار ما زال يحرك اجنحته رافضا الهزيمة, فهبط عليه الرجل بخبطات متتالية لا تعرف رحمة أو هوادة حتى سكن تماما وتشوهت ملامح جثته المفتتة المتناثرة الاعضاء.

سلم جسده للماء ليزيل أثار العرق والقلق والمعركة حامية الوطيس. مرت أمام عينيه نظرة الصرصار الاخيرة. هل كانت متحدية حقا ام متوسلة له ليتركه لحال سبيله. ألم يكن الارحم ان يكتفى بحصاره ودفعه برفق الى البلاعة لتكتب له حياة جديدة مع اقرانه.

أزاحت المياة تلوث الجسد لكنها لم تحرره من تأنيب الضمير لقتله الوحشى للكائن الضعيف بينما هو خانع خاضع قليل الحيلة امام كائنات عملاقة متسلطة تجوب بلا كلل ارجاء المدينة أناء الليل واطراف النهار.  

 


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية