مبكى الأقدار
 

 

لم تكن نوباتُ السعال تتوالى بهذه الشدّة مسبقاً، كما لو أنَّ الصدر يُنتزع من الجسد ويُقذف بعيداً، في جهة الرذاذ المنتشر في وجه أخيه عُمر المستلقي بجانبه. إلَّا أنَّ ذلك لم يكن ليوقظ أخاه، لِحُسن الحظ، فقد كان حمل عُمر على النوم من المهامّ اليومية الشاقّة التي تُلقى على عاتقه أو عاتق والدته في كل ليلة. لكن رغم ذلك، يشعر محمد ذو العشر السنوات بأخيه ينهض من جانبه، وبضوء السراج يعلو. كان محمد ذا وجهٍ ممتلئ وسحنةٍ بريئة، وإن أعطته تلك الصفرة التي صبغت وجهه مظهر المريض السقيم. كما أنَّ وجنتيه كانتا تتزينان بنمشٍ ينتشر إلى أعلى وأسفل. فيصل إلى العينين المسودّتين إرهاقاً وتعباً. كما ينتهي النمش عند فكّيه العريضين عظيمي الجمال لطفلٍ في مثل عمره. وعلى عكس وجهه، لم يكن جسد محمد بالممتلئ. فهو رغم ولادته طفلاً ذا حجمٍ بارز، إلَّا أنَّ هبوطاً في الوزن قد أصابه منذ أشهر.

تقلّب محمد تحت اللحاف وهو يشعر بالإرهاق والألم. فعلاوةً على السعال الجاف المصاحب لسائلٍ أصفرٍ يصعد من جوفه مع كل سعلةٍ، كان شعور الوهن العام يجتاحه في أعضائه جميعها. فلم يعد قادراً على اللحاق بأخيه كما اعتاد، في محاولةٍ للتحايل عليه بغية مشاركته لعبته الجديدة، التي حصل عليها من سيدةٍ مجهولة الاسم والأصل. ومن ذلك الوقت كان محمد قد طبع على نفسه وسم غير المحظوظ، أو الأقلِّ حظاً على الأقل. وجعل يردّدها وسط كل جمعٍ وفي كل ساعةٍ متاحة. فأنَّى لأخيه أن يحصل على هذه اللعبة من سواه!؟

لكن تلك لم تكن أول تجربةٍ لمحمد مع مفهوم القدر. فكلماتٌ كـ"كيف" و"لماذا" لا تُطرح كثيراً في أذهان من هم في مثل سنِّه، وإن طُرحت، فيكون ذلك في سياقٍ أكثر تبسطاً وسطحية. لكن تجربته الأولى كانت وليدة ذكرى نهضت في ذاكرته من أثر السكون الذي انتشر في خيمتهم في أحد أيام الربيع الأقل قسوةً من غيرها. فكان حينذاك يستأثر بالخيمة، متربعاً على عرشها. يرمي بنظره على محتوياتها، فيعلو في نفسه شعور الأنفة والاختيال. يتخيّل نفسه أميراً لملكٍ عظيم، أو ملكاً ينضح رقّةً وجمالاً، كان قد سُلب منه حقُّ أجداده ومن سابقهم من أجداد. إلَّا أنَّه ها هو ذا ينهض من سكونه ويعتلي حصانه المُتخيّل ويركبُ مبحراً يريد استرداد ما سلبته منه الأيام وجموع القوم!
لكن السكون الذي ملأ الخيمة، خرَّب تتبّع المشهد الطفولي في مخيلته، فأيُّ أميرٍ أو ملكٍ يرحلُ في رحلته هذه ولا تتبعه أصوات الأبواق وجموع الجماهير من خلفه؟ وأيّ أميرٍ لا يتردّد اسمه في حناجر الفتيات الحسان والصبيان الأغرار، وكل همِّهم أن يقتدوا بمن هم مَثَله وشبيهه!؟

بل إنَّ هذا السكون يُحيي ذكرى ضجيج بيتهم ذي الجدران الأسمنتية والأسقف التي لا تتأثر ببلل المطر، ولا تميلُ كما تشتهي الثلوج في كل موسم شتاء. بل إنَّ هذا السكون غير الحضاري يترجم خُلوّ الخيمة من أيِّ أجهزةٍ كهربائيةٍ أو إلكترونية. فكانت حياتهم تتسم بالبساطة المؤلمة، تلك التي لا يُكتب عنها بحنينٍ نوستالجي في ساعات الليل المتأخرة.
فما كان من أمره إلَّا السؤال ليته يجد ضالته في إجابةٍ من فم أمِّه، وهي العالمة بكل شيء:
"لِمَ حدث ما حدث؟ ولِمَ اختُصصنا نحنُ بما حدث دون غيرنا؟!"
لكن محمد لم يكن يدري أنَّ الإجابة ستكون مقرونةً بالدموع التي بذلتها أمه بسخاءٍ محاولةً إيجاد صوتها بين العبرات وهي تقول متحشرجةً تُناشد الله:
"ذاك من رمضاء الطغاة ونار الغزاة!".
لم يكن لتلك الإجابة مرادفٌ في معجم محمد الذي دفعه الملل إلى الركض والانسحاب مستعجلاً إلى خارج الخيمة، وهو ما يزال يسمع شهقات والدته المتتالية ألماً وحزناً. إلَّا أنَّ ألم صدره حمله على التوقف مانعاً إيَّاه من الاستمرار بالركض. بل وأجبره على الجلوس متجنّباً سقطةً مدويةً قد تتسخ على أثرها ثيابه الصوفية العثًّة. لكنه شعر كما لو أنًّ ساقيه قد تآمرتا عليه، دافعتين إيَّاه للسقوط. فهوى على عقبيه لا يدري على أيَّ جنبٍ يميل.

أراد محمد الصراخ، إلَّا أن اعتصاره لم يُخرج أيَّ صوت، إلَّا شعور الألم الذي أخذ يقبض على صدره كما لو أنَّه يتكاثر متعجلاً، فينشر فيه ما لم يشهده جسده الفتي قبل الآن. فيتدحرج متوجعاً وهو يئنّ ممسكاً عند بطنه، تاركاً آثاره مطبوعةً على التراب.

لم يدرِ محمد في تلك الساعة قبل ما يزيد عن شهرين وهو يقضي إحدى ساعات لهوه مع أقرانه، معلناً برجولةً طاغيةٍ، أو كما تخيلها وأرادها هو، أنَّ مآل قراره هذا سيدفع به إلى حتفه. فهو وإن كان طفلاً، عمد دائماً إلى قبول التحدي. ولا ندري ما إن كان ذاك من خصاله التي وُلدت معه، أم أنها بعض ما اكتسبه في سنوات نزوحه هذه. فالمفجوع بأمرٍ أو محبوبةٍ أو نزوحٍ، يهون عليه بعدها ما قد يهابه غيره. فهبَّ محمد مسرعاً يقفز في الحفرة الموحلة المتروكة من أثر القذائف المُلقى بها من السماء على الخيام وساكنيها العزّل.

عديدةٌ تلك التي تحفر آثارها على سطح الأرض وفي باطنها. فتمتلئُ بما تيسّر من مخلفات وفضلات تمتزج موحلةً مع ماء المطر. وكذلك كانت الحفرة الني قفز فيها محمد، بنّية اللون، لزجة المياه، وكريهة الرائحة. فيُثبت لمن حضر، أنَّه هو حقاً ذاك الأمير الجريء عظيم الشجاعة. والذي رسم لنفسه بمخيلةٍ طفولية أنَّه سيغدو محور الحكايات ومقاصد القصص في مقبل الأيام القادمة.

قفز محمد، يمسك عن نفسه آثار الغثيان من الرائحة، ويدفع عن قدميه البقايا اللزجة التي علقت بساقيه. لكنَّه وإن لم يعلم، لم يستطع إبعاد كلّ ما يضرُّه بحركة قدميه. بل إنَّ العديد من الطفيليات غير المرئية بعيونه وإدراكه قد دخلت تستعجل الضرر والإيذاء.

وذلك ما آل إليه الأمر بعد شهورٍ من السعال والحمّى، التي دائماً ما تكون تسميتها في لغة المخيم، بالزكام القوي، الذي يكاد ألا ينجلي. فنادرةٌ تلك العناية الطبية المتخصصة في تلك البقعة البعيدة من الأرض عن كل ما هو أساسيٌّ وبديهي.

خرجت أم محمد مهرولةً في ثوبها الفضفاض وشالها الملون تلبّي النداء والصوت المنادي عليها بنبرةٍ تخيف كل من يسمعها. فوجدت محمد وهو مركزُ دائرةٍ بشرية من النساء الباكيات والرجال المردّدين عباراتٍ تُنعى على أثرها الروح إلى بارئها. فهرعت أم محمد ملقيةً بنفسها في جهة ولدها باكيةً إيَّاه، وهي تلقاه مبيضّ العينين، جليدي الحرارة، وشفاهه سوداء مبللّة بسائلٍ أصفر يخرج من فمه. فضمّته إليها وهي تشعر بجسده ليّناً طريّاً، وهي تضرب بخشونةٍ على صدرها، ترتجي ما تدرك استحالته. لكن أنَّى أن يسعفها الإدراك والعقلانية في فاجعةٍ بحجم محمد. طفلٌ يكاد لا يموت إلَّا وهو يسأل عن القدر وعن أساليبه! بكت أم محمد وهي تضمُّ بناتها الاثنتين، وبكى من خلفها كُثر، ومن بكى أبكى واستبكى أهل المخيم.

 


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية