|
بديهي أن الذي لم يتعود على إعطاء القليل مِن قَبل، قد يرى من الصعب عليه إعطاء
الكثير لاحقاً، ومَن ينتظر الوقت المناسب ليجود بما لديه، قد يطول به الوقت في
طابور الانتظار ولا يصادف الزمن الذي سيصبح فيه من أهل العطاء؛ ولكننا نقول أيضاً
بأنه لا يجوز تحريم الذات من الكثير من الاحتياجات الحياتية لقاء توفير بعض النقود
لدسها في جيب شخصٍ طمّاع إن أعطيته كل أموال الدنيا لم يقل الحمد لله رب العالمين،
وبقي يشكو الفاقة كل حين.
وبما أن بعض مخاطر المنح لا تتعلق بالمال فحسب، لذا فكما لا ينبغي إغراق المراهق
المضطرب بالأموال والكنوز، كذلك الأمر لا ينبغي إمداد الطائش بالمال والسلاح، ولا
وضع خيوط العلاقات السرية للأشخاص في يد لعوبٍ أرعن، ولا إمداد النصاب والمحتال
بالأدوات والمفاتيح التي تمكنه من نهب الآخر، وذلك لئلا يستخدمها بحق المانِح نفسه
قبل غيره، كما لا ينبغي وضع الأكاسير على الدروب العامة أو جعلها في متناول كل مَن
لم يكن مِن أهل العفو والخيّر والسماح.
ومن كل بد أن قصة أن لا تمّكن عدوك منك سبق أن قالها الكثير مِن قبلنا، والموضوع لا
يُختصر بالجانب الحربي وحده، إنما يمتد إلى كل نواحي الحياة، وليس القصد منه
الاحتراس ممَن يخاصمك في الحياة الاجتماعية فقط، أو مَن كان عدواً لك في الجبهات
العسكرية، أو منافسوك الأقوياء ممن يشكلون الخطر عليك في سوق المال، أو مَن يعملون
بالضد منك كفرد أو جمعية أو حزب، أو ممن كانوا يعملون في جبهة مناهضة لمن تمثلهم
كمؤسسة أو فئة أو قطاع من البشر، مع أننا في الوقت نفسه ومن شبه المؤكد لا ندعو قط
إلى احتكار المعرفة وحجبها عن الخيرين، ولكن بتصوري أن على المرء أن لا يقدم العلوم
الخطرة على طبقٍ مثير لمن لم يكن أهلاً للثقة أو من لم تكتمل شخصيته بعد، إذ أن
الغُر أو المراهق وخصوصاً اللاسوي أو الطائش الذي نضع بين يديه كل معارفنا، فليس من
المستبعد بأن يستخدم كل تلك الاستراتيجيات المعرفية لاحقاً ضدنا كأفراد أو جهات
سياسية أو اقتصادية أو علمية، وحيث أن بعضهم من باب القرابة أو المصلحة يقدمون
شيفرات حياتهم كاملةً لمن ليسوا أهلاً لتلك الأمانة، في الوقت الذي تراهم يحرمون
منها مَن كانوا بحق أهلاً لها، وذلك بسبب البُعد العائلي أو الاجتماعي أو السياسي.
عموماً فلكي نبتعد عن التخمين والتأويل ونقترب أكثر مِن جانبٍ ملموس في الوقت
الراهن لدى غالبية الناس، ومنها أن الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي
غدت المكان الرحب للكثير ممن كانوا غير جديرين بأن يُقدم لهم المرء شيفراته الشخصية
على طبقٍ جاهز، فالكثير منهم ليسوا فقط ممن لا يعون قيمة ما يقدم لهم بكل سهولة عبر
الفضاء الرقمي فحسب، إنما يستخدمون المواد نفسها لنسف جبهة منتجها أو قائلها بكل
سهولة، وذلك سواء أكانوا فرساناً أم لم يكونوا كذلك، طالما أن السلاح غدا بحوزتهم،
وبمقدورهم استخدامه متى ما أرادوا ذلك؛ ولا يُخفى على القارئ أن أكثر سلاح مشاع في
الوقت الراهن هو وسائل التواصل الاجتماعي، وبهذا الخصوص يحضرني مكتوبٍ للكاتبة
السورية نوال شق، نُشر في إحدى زوايا هذه المجلة وهي بعنوان "الحيطان" حيث تقول
فيها: كان للمكبوتين والمرضى النفسيين جدار وأبواب المراحيض العامة والمدرسية
ليكتبوا عليها الشتائم والأراء القذرة، هؤلاء أنفسهم أصبح لديهم هاتف ذكي واصبع غبي،
وهذا الحائط الفايسبوكي، مع موهبة اخرى هي التمادي على آرائنا الشخصية، حتى بتنا
نخشى أن نكتب على صفحة صديق أو كروب عام سوى مساء الخير وصباح الخير وبعض الوجوه
البلاستيكية على الفاضي والمليان.
وبودي أن أنتقل ههنا من مجال الرفد المعرفي إلى الحرج في مجال العطاء المالي، إذ لا
يُنكر بأن واحدنا يقف أحياناً مشدوهاً أمام مواقف تتطلب فيها منه ليس فقط إبداء
الرأي في مسألةٍ ما، وإنما وكذلك اتخاذ المواقف الحازمة أيضاً في الظروف
الاستثنائية المتعلقة ببعض الناس، وذلك عندما يُطلب منكَ أو منهُ بأن يصبح جسراً
لتمرير غايات بعضهم عليه، ويكون بمثابة القناة الرئيسية لرفدهمِ أوان المحنة، ليغدو
كالتُرعةً مخصصة للنولِ، بحيث يصبحَ المَصلَ الواصلَ بين المُعطي والمستعطي، ويتهيأ
لما سيجود به ضرعُ الرافدِ، باعتبار أن الجود سيمرُ من خلاله، علماً أنهُ عقبَ مسحٍ
بانوراميٍّ بسيط يتأكد ويؤكد معهُ من عاشوا الأحداث بأن المعنيّ بالمَدَدِ لم يسبق
له يوماً حتى يوم كان في أتم عافيته الاقتصادية، أن استطاع مد يدَ العونِ ولو بسطلٍ
من العلفِ لحمارٍ طال تطفلهُ مع أحماله عليه، الحمارُ الذي كاد من الجوعِ أن ينزلق
إلى وادي النفوقِ أمام ناظريه، وعندها يكتشف الناظِر المُقارن بأن مدّعي المنحِ لم
يكن أكثر مِن آسنٍ نهب الأخضر واليابس ويحاول من خلال بعض التبرعات العينية أن
يُحسّن صورته أمام مجتمعه.
وفي إطارٍ آخر من أُطر العطاء ثمة مثال يتعلق بتبعات العطاء، إذ قد تجد أحدهم وهو
يختار مِن الناس مَن لم يكن في الأصل محط الثقة الكاملة لإيصال هباته إلى بعض
المحتاجين، وبعد أن يتم إعلامه بأن الهدر طال الامدادات المادية التي أرسلها، وأن
الرسول المكلف بتلك المهمة لم يتمثل لشروط الأمانة والشفافية، حينها يبدأ المتبرع
برمي الاتهامات جزافاً يمين شمال، ويتخذ موقفاً شمولياً بعد ذلك الحادث، وذلك بدلاً
من أن يلوم نفسه، بما أنه كان فاشلاً في اختيار الجهة المناسبة لتوكل إليها مهمة
الإمداد وإيداع الأمانات في حجر مستحقيها أو أصحابها الحقيقيين، وفوقها يغدو
متحاملاً على الجميع وهو يُحملهم مسؤولية ذلك الخلل، مع العلم أنه هو المسؤول الأول
والرئيسي عن سوء الاختيار وطريقة العطاء والوسيلة، وبتصوري أن سرعة اللجوء إلى حكمه
الشمولي يدل على أن خصلة العطاء ليست متأصلةً فيه.
وفي الختام نود رفد القارئ ببعض الجُمل التي حفرناها يوماً على هامش صخرة اليوميات،
ومن كل بُد ليس من باب الإرشاد نورد تلك المقاطع، باعتبار أن القارئ في زمن الحاج
كوكل لم يعد بحاجة للأدلاء والوعاظ، إنما علَّ الفقرات أدناه تساهم في مداواة
المجروح مِن قِبل مَن أمدهم ببعض ما لديه مِن العلوم أو الخبرات أو النقود، أو عسى
المكتوب على بساطته يُخفّف عن كاهل القارئ المحمولِ بأثقال الحياة بعض الأعباء:
أيقن يا صاحبَ البِر
بأنك لستَ مؤسسة غوثٍ تخصصت باستصلاح رمال الصحراء
فأنتَ فردٌ عاديٌّ مثلنا
لم يسبق له أن انتمى إلى نادي الأثرياء
فردٌ سخيٌ ولكن محدودةٌ لديه قدرات العطاء
ولن يكون بمقدورك مهما ضغطّتَ على ذاتك
أن تُصبح لكل عابرٍ ابريق ماء
لذا كن كما هي طاقتك في الرفدِ
ولا تُرهق ذاتك
مع مَن خلت ثراهم من بلل الرجاء.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 53 |