القصيدة

تضاريس قلب

غمكين مراد | سورية

مجلة الكاتب اليساري :: غمكين مراد 
حُبٌّ .. عيشٌ .. رغبةٌ
أقانيمٌ إناثٌ:
قُدنَّ الصوابَ إلى نَفْسِهِ
أحرقنَّ الرُّوح في تنور الجسدِ رغيفاً مُشتهى
ساخِناً بِعطرٍ يدومُ ما دامَ النَّفَس.

في الحبِّ:
انعتاق الجسدِ من الرّوحِ
هذياناً .. اضمحلالاً .. توهاناً .. جنوناً
على جناحيِّ الريح
باقٍّ هو في كُلِّ نَّفَس.
في العيش:
استدراجُ الأكيدِ إلى مَحْفَلِّهِ
نَطقُ المشيئةِ بناموسِ خطئها صواباً
استدراجُ الجسدِ بعيداً عن محفلِ الرُّوح
قريباً من لوعةِ الُلهاثِ حينَ تَقَمَّصَ النَّفَس.
في الرغبةِ:
خروجٌ عن عُذريةِ الجسدِ
خروجٌ عن عُذرية الرّوح
اكتشافٌ لمخارِجَ لا أبوابَ لها
ولوجٌ في متاهات الشهوةِ ترجمةٍ لإنكارِ ما كان
في بحرِ ما تحوَّل
حينَ صارت ساعةُ الرملِ مواقيتَ
تَقْلِّبُ النَّفَس.
*****
مَسالِكُ حياةٍ ثلاثة:
سَلَخَتْ كُلِّ السنينِ المُتراكِضةِ كزلازلِ أنفاس
بِمِبردِ الفُجاءةِ
مربوطةٌ كُلٍّ منها إلى:
معاليقَ تشقُ أفكاراً بعيدةً عنها.
في الحبِّ:
كُلي ريشةٌ في الريح
كُلي رعشةٌ
كُلي جنونٌ
كلي ما لا يُسمى
كُلي متاهةٌ أضيعُ في أنايَّ تَلِجُني هي ولا ألِجُها.
في العيش:
كُلي غيري
كُلي خطوات
كُلي شوقٌ
كُلي إلهٌ لغيري
كُلي هَمٌ
وأنا في قِدرِ النسيانِ أفورُ!
في الرغبة:
كُلي مجهولٌ
كُلي جائعٌ
كُلي ضائِعٌ
كُلي ناكِرٌ
كُلي غيرُ أيُّ جزءٍ مني
أضيعُ ولا أجدُني؟
*****
ألوانُ أحاسيسٍ ثلاثة:
عَرَّت المخبوءَ بِمَقَصِ الزمنِ المنهوبِ قَدَراًوألبّست الرّوحَ الجسدَ يقطينَ تَضَخُمٍ بغيرِ عِلمٍ.

في الحبِّ:
لا غيابَ ألبته
حتى العدمُ حضور.
لا هدوء ألبته
حتى الموتُ ضجيج.
لا نومَ ألبته
حتى الحُلمُ حياة.

في العيش:
لا سكونَ ألبته
حِراكٌ دائمٌ في ثورة جياع.
لا جهاتَ ألبته
دوائِرٌ تعودُ لتكوِّنَ نَفسَها.
لا راحة ألبته
سِجالُ العرقِ بِكلامِ التعبِ.
لا نَدَم ألبته
أمانةُ المشيئةِ في عُنقِ ظِلِّكِ.
في الرغبةِ:
لا أجوبة ألبته
حتى الأسئلةَ لا أسئلة.
لا خيارَ ألبته
كُلُّ الهَذرِ خيار.
لا قيدَ ألبته
كُلُّ اللحظاتِ شرارةُ إثارة.
لا شبعَ ألبته
كُلُّ ثانيةٍ جوع.
*****
طقوسُ عُزلةٍ ثلاث:
قَلَّمَتْ أظافِرَ الهواءِ بِمِلقطِ العُزلةِ
وأسْدَّلَت على الرُّوحِ حيناً وعلى الجسدِ حيناً آخرَ
فراغاً لا يحتَمِلُّهُ إلا ثُقْلُ:
الجَدِ حيناً
ومُزاحُ اللحظةِ في النَّفَسِ حيناً آخرَ.
في الحبِّ:
كُلُّ اللحظاتِ سكاكينٌ تَجِزُ رقبة الانتظار.
في العيشِ:
كُلُّ اللحظاتِ مَقاصِلٌ تَجزُ رقبة الحرمان.
في الرغبةِ:
كُلُّ اللحظات مُنتَحِرةً إنها لحظاتٌ دون إفراغ.
*****
ثلاثةُ سيّر
ثلاثةُ أعمار
ثلاثةُ أشباح
ثلاثُ كائنات
ثلاثُ توريات
لمجهولٍ واحدٍ بِمعادلةٍ دون درجة
حَلُّها رمادٌ باقيٌّ من جَمرِ الأنفاس.
في الحُبِّ:
لا بدايةَ أبداً
لا نهايةَ أبداً
كُلُّ الزمنِ جَمرٌ من روحٍ تَحتَرِق
وما الرمادُ الباقيُّ إلا:
روحاً تُبعَثُ.
حَرقٌ وَجَعٌ
بَعثٌ وجعٌ
لا هدوء
لا راحةَ
لا غفلة
فقط: يقَظةٌ أبديّةٌ عُمْرُها.
في العيش:
بدايةٌ صدفة
نهايةٌ صِدفةٌ
كُلُّ الزمن:
حَبلُ مِشنَقةٍ يتدلى من سماء الغيب
يلفُّ عُنقَ اللحظةِ والغدِ
أرجُلُّها على كُرسيٍّ يتآكلُ من دودِ الصدفة
حتى دنوِ عُمرِها الأخير.
في الرغبةِ:
البدايةُ جامِحةٌ
النهايةُ كذلك
لا كابِحَ يُهدِّئ من رعشةِ الجموحِ
كُلُّ الذراتِ حُرّةٌ في الرّوح
كُلُّ الجسد حريقُ تيارٍ كهربائيٍّ مُستمرٍ
كُلُّ ما في الرأسِ خِواء
لا دم يَصِلُهُ
كُلُّ الدمِ فورانٌ يوقِظُ ما لا ينام.
*****
ثلاثُ مزاراتٍ لثلاثةِ مراقِد حجيجُها:
وحدةٌ .. عُزلةٌ .. سِرٌّ
وبياضٌ يلمُّ أدعيتها بحبرِ تُرابِها.
في الحبِّ:
كُلُّ الكلماتِ أمٌ
كُلُّ الأحرفِ أولادٌ
كُلُّ السطورِ آهاتٌ
كُلُّ البياضِ مخاضٌ.
في العيشِ:
الحجُ مبرورٌ بما تحمِلهُ اليدُ.
لا كلمات للبياض
وحدهُ اللسانُ حِدوةُ الرجوعِ
والحِمْلُ عَلَفُ البسمةِ وتهافُتُ المدائحِ.
في الرغبةِ:
البياضُ عُمقٌ
الكلماتُ أسِنَةُ رِماحٍ تَلِجُهُ
والأدعيةُ أقنعةُ الغايةِ في الوصولِ
لا وصولَ بَعْدُ إلا في ولوجٍ.
*****
ثلاثةُ ألواحِ تُرابٍ لأسطورةٍ ملحمةٍ،
عليها:
يُخَطُّ النَّفَسُ ترجمةٍ للصمت.
في الحبِّ:
لا صدى للصمت.
كُلُّ السكونِ:
عواصفٌ .. براكينٌ .. زلازِلٌ
تُفتِتتُ الداخِلَ دون صدى.
في العيشِ:
كُلُّ الصدى ضجيجٌ.
الصوتُ كتومُ فراغٍ
لا جدرانَ تحوُّل دون ثرثرة الصدى.
في الرغبةِ:
لا صدى أصلاً
لا جُدران أصلاً
كُلُّ كِتمانٍ فضيحة
وكُلُّ صوتٍ فحيح.
*****
ما مِنْ حبٍّ بِخَيار
ولا رَغبةٍ بِخَيار
ولا عيشٍ بِخيار
كُلُّ ما في الأمر:
إنكَ أنتَ نَفْسَكَ لهم الخيار.
بعدَها:
أنتَ شِتاتُ نَفْسِك
أنت وطن مُمَزَقٌ بحربٍ أو حتى بسلام.
أنتَ ساحةُ اغتصابٍ لِما ينفُرُّكَ
وأنتَ دريئةٌ أيضاً لِما يجْذِّبُكَ.
في الحبِّ:
شَرايينُكَ خناجِرٌ لوجعٍ لذيذ
قلبُكَ زلزالُ وجعٍ لذيذ
خطواتُكَ رعشةُ وجعٍ لذيذ
نومُكَ يقظةُ آرقٍ لذيذ
حُلمُكَ آهاتٌ أيضاً لوجعٍ لذيذ
كُلُّكَ وجعٌ لوجعٍ لذيذ.
في العيشِ:
دمُكَ بحرٌ لنهرٍ يبتلعُكَ
قلبُكَ أرضٌ لرقصة الحياةِ
طريقُكَ ألغامٌ لا تُردي غيركَ
نومُكَ آرَقٌ أسيرٌ
كُلُّ ما يُحَرَّكُ فيكَ
ريحُ الدورانِ حولَ نَفْسِكَ لغيركَ.
في الرغبةِ:
شُعيراتُ جَسَدِكَ وخزُ إبرٍ في كُلِّ لحظة.
لا نومَ .. لا حُلمَ .. لا طريقَ
كُلُّ ما فيكَ ليسَ لكَ
أنتَ صهوةُ حِصانٍ يَقُودُكَ دونَ عِلمٍ.
*****
حُبٌّ مَسٌّ .. عيشٌ مَسٌّ .. رغبةٌ مَسٌّ
ثلاثةُ نياشينَ على صدرِ الرُّوحِ في بدلةِ الجسَد،
ثلاثةُ براهينَ لسحَرة السنينَ ومعجزات الإله.
في الحبِّ:
كانت أرواح لُقيا تَمَرُّدٍ على ذاتِها
كان الجسدُ شذراتُ هواءٍ يلمُّ ذاتُهُ
كانت الرُّوحُ هائمةٍ في انتظارٍ ما
كان الجسدُ دونَ سلطانٍ في مَهبِ النسيان.
في العيشِ:
الجَسدُ مَطيِّةُ الرُّوح كبديهةٍ
الرُّوح منفى لكُلِّ الدروبِ السالكةِ
غريبةٌ عنها كُلُّ الحواجز
وَحدَهُ الجسدُ رافعُ أثقالٍ لصدعِ الحياةِ الحديدِ.
في الرغبةِ:
الرُّوحُ مصاصة دماءٍ للجسد
الجسدُ دون ماءٍ كُلُّهُ هديرُ ما ضيِّعَهُ
كُلُّهُ جَهلُ ما أرعَشَهُ
الرُّوحُ ساحِرةٌ مَسَّت الجسدَ:
كهذرٍ .. كنسيانٍ
كموتِ انتظار.
*****
ثلاثةُ شظايا في انفجارِ الحياة:
حُبٌّ في القلب.
عيشٌ في الجسد.
رغبةٌ في الخيال.
أيُّ سعادةٍ توحِدُّها؟
أيُّ شقاءٍ يُغذيها؟
الفكرُ كرأسِ قطارٍ لعرباتٍ ثلاث وَصْلاتُها:
كونٌ آهاتٌ .. ولولاتٌ .. ونحنحاتٌ
كُلُّ عربةٍ رَبُّ محطةٍ لن تقف فيها.
لا أبداً:
لا وقوفَ .. لا راحةَ .. لا وصولَ
الرُّوحُ هائمة .. الجسدُ هائج.
الرُّوحُ طائرة .. الجسدُ مقبورٌ.
الرُّوحُ مَجَرة .. والجسدُ مِسبارٌ.
في الحبِّ:
لا تحديدَ .. لا وجهةَ .. لا غايةَ .. لا طريقَ
فقط لحظةٌ هي كُلُّ الحياة.
في العيشِ:
كُلُّ لحظةٍ تحديدٌ
كُلُّ خروجٍ وجهةٌ
كُلُّ النَّفَسِ طريقٌ
كُلُّ خطوةٍ غايةٌ.
فقط سيرٌ دونَ ركونٍ في أيةِ لحظة.
في الرغبةِ:
لا جهاتَ .. لا فناءَ .. لا حياةَ
لا شيء .. لا أيُّ شيء
وكُلُّ شيءٌ لحظةٌ عابرة تطفو في كُلِّ آن.
*****
أنتَ:
فيكَ، منكَ، عليكَ،
كُلَّكَ "فرانكشتاينٌ" مُبَوَبٌ بالتكسير:
كَسيرُ حُبٍّ
كَسيرُ عيشٍ
كَسيرُ رغبةٍ
أشلاءٌ أنتَ في مُضيِّكَ
لا لا بل في شَدِّكَ إلى ما آلتْ إليه حالُكَ.
وأنتَ ما زلتَ تتنفسُ.
ويلاهُ إلهي:
كم رائِعٌ أنتَ!
حياتُنا صحراؤكَ
وتفتتُنا استهزاؤكَ.
كم رائعٌ أنت ؟إلهي:
عيشُنا سُبحةٌ في يديك
وحبُّنا نَّفَسُ شهيقِكَ
ورغبَتُنا زفيرُ إرادتِكَ.
رائعٌ أنتَ إلهي:
كُلُّكَ مجهولٌ
والأدهى أننا الأجهلُ في مراثي مُبتغاكَ.
الرقمُ ثلاثة أبجديةُ غَضَبِكَ:
غُربةٌ .. لجوءٌ .. منفى
في لملمةِ كُلُّ العُمرِ المهدورِ دمُهُ في قاموسِكَ إلهي.
في الحبِّ:
تسألُني من أخاطِب؟
أردُّ: لا أدري.
لكن هُناكَ بُدٌّ من أن أُقِرَّ:
بأنكَ صدىً ما
لحبٍّ ما
لعيشٍ ما،
لرغبةٍ ما.
أوجعتُ قلبكَ إلهي
لا يُغرَّنكَ صُراخي
أنا الناكِرُ لي ما هو أنا فكيف بكَ أنتَ
الضاحِكُ دوماً وأبداً في ما لا أراك
غير أنَّ:
الدمعَ .. الحدسَ
يؤوِّلانِ كُلَّ ما فيكَ
هي ليست سوى ثلاثةُ أشباحٍ من:
غِربالِ النَّفَسِ في طينِكَ أو في ماءِكَ.
سمِّ ما شئتَ من ظِلالِنا تتلهى بها أنتَ ونتشظى.
ثقيلٌ أنا على أنا
وثقيلةٌ كُلُّ ما في الثالوثِ وبها في خياراتي.
في الحبِّ: ريشةٌ ثقيلة.
في العيشِ: حَبلٌ ثقيلٌ.
في الرغبةِ: حيوانٌ ثقيلٌ.
*****
مُتيقظاً دوماً
وحُزنُكَ جُرحُ وجودٍ
أنتَ الغارِقُ في بحثكَ عنكَ.
لا الحبُّ أوجدَ لهفتَكَ.
ولا العيشُ أرغمَ القسوة على تجاوزِها.
ولا الرغبةٌ أردتكَ مُنتشيَّ لحظةٍ.
كُلُّ ما كانَ لكَ صارَ نفثةَ هواء.
كُلُّ ما كانَ ليس لكَ عَتَّقَت فيكَ يأسكَ وضياعِكَ.
دُرّ إلى ما لكَ وليسَ لكَ
كُلُّكَ كُرسيُّ جلوسٍ
كُلُّكَ خِتمُ حِبرٍ
كُلُّكَ ما لا تُدرِّكُهُ أنتَ إنكَ لستَ كُلّكَ.
عُدّ بِكَ إلى الطفولةِ بريئاً:
لا حُبَّ .. لا عيشّ .. لا رغبةَ
في براءةِ قاموسكَ
وبهدوءٍ مُعَلَّقٍ بالعُمرِ كحصانٍ
وأنتَ كحُوذيٍّ دُرّ لِجامَ العُمرِ إلى حيثُ:
حُبٍّ يَرويك
وعيشٍ يؤمنُ لكَ ما فيكَ
ورغبةٍ تَكْبَحُ جِماح الشهوةِ فيكَ
إن كان هذا في إمكانِ أيةِ عودةٍ
وإلا:
ظَلِّل ما أنتَ فيه
ما كانَ بكَ
ما آلت إليه أحصِنَتُكَ
وما صِرتَ عليهِ من مِحَنْ
في بحثِكَ الدؤوبَ عنكَ
فيما لا يُفاجِئُ السيرَ إلا:
حُبَّاً .. عيشاً .. رغبةً،
في كُلِّ نَّفَسٍ يُبقيكَ على قيدِ حياةٍ
كُلُّ ما في أمرِّها أنّها:
تُرديكَ.