القصة


عصافير خيرو قاسم الشر

 فهد مرتيني :: الكاتب اليساري 


فهد مرتيني | سورية



 نشأتُ في دار عربية في زقاق شعبي في مدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية، بعيداً عن صخب عالم الماكينات والأدوات الصناعية، حيث الطبيعة تتجلى في فورة جمال صاخب أيام الربيع في تلك البيوت ذات الفسحات السماوية والجدران العالية. وعندما يشتد الحر يسود هدوءٌ فريدٌ عصريات النهار. هدوءٌ لا يشوبه إلا صوت أبي الذي كان يصدَح بأغنيات عبد الوهاب على صحن الدرج في أرض الدار. كان يروق له أن يلف سيكاره من تبغ مفروم ويشرب الشاي ويتأمل في مزروعات أمي المنتشرة في باحة الدار. الفل والقرنفل والنفنوفة وزهر العسل، والدالية التي تُفَيِّءُ على الدرج والسطوح، وتعربَشُ على الجدران حتى تبلغ السطوح الفوقاني، فوق المْربَّع الكبير في الطابق العلوي.

كانت عصافير الدوري تتخذ من تلك البيوت الهادئة مرتعاً لها. حيث الشمسُ والأفياءُ والخضرةُ والماءُ ووجهُ بنت الجيران الصَبُوحِ يُطلُّ مِن بينِ أوراق عَرِيشة الياسَمين المتَسلِّقة على الدَرَابزون. كلها كانت مغرياتٍ لعصفور الدوري كي يتّخذ من ثُغور أسطحة المنازل أعشاشاً له، ومن أجواء أرض الدار مسرحاً لمغامراته. فينط من الدالية إلى الجملون إلى صينية البرغل المنشور على السطوح فيملأ منه حُويصلته، ويَعصرَ مؤخرتَه ليُسقّط على البرغل، ثم يُحلّق منتشياً بامتلائه. وهو ما كان يُغضِب أمي أحياناً، مثلما كان يُغضبها أن أَستخدِم البرغل والغربال وخيطان الخياطة لعمل شَرَك لكعْش العصافير وتربيتها.

الحُب الذي أكنه لعصفور الدوري يبلغ درجة العشقْ (وعندما تقول لي أَعشقْ، لا أسألُك عن الأسباب) أُحبُ فيه حضورَه ونشاطَه وزقزقتَه، وألوانَه التي تحاكي ألوان الأغصان التي يقفز عليها. حتى أن هناك صفاتٌ مشتركةٌ بيننا، فأخاله الحيوان الأقرب إلى شخصيتي. وكان من أحلام طفولتي أن أكسب ثقة الدوري ليدنو مني، ويأكلَ من يدي، ويقف على كتفي، ويُسقِّط على صفحات كتابي. وهذا ما تحقق لي بالفعل.

فقد صادَفَ أن انتشلتُ فراخَ عصافير من عشٍ مهجورٍ في إحدى الخرابات في حَيّنا. كانت ركناً مهجوراً في منزل بيت عبد الحميد مرتيني، حيث اخترقتْ الجدار شجرةُ تين ذكر وعجوز، فتراكمت الحجارةُ حولها ونبَتت الطحالب حتى صارت ملاذاً للأفاعي وملتقىً للقطط الشاردة. القططُ والأفاعي تُشَكّلُ خطراً على فراخ الدوري. هذا ما أفتيتُ به لنفسي وقتها لأُبرِّر انتزاعي فراخاً (شحيم لحيم) من كَنَف أبَويهم.

بنيتُ لهم عشاً من بقايا ساعة منبّه كروية، وقد زودتني أمي بخرق الأقمشة لفرْش عشهم. كنت أُطعمهم البرغل وكسر الخبز اليابس منقوعين بالماء، وعندما تقترب أصابعي منهم تشرئبُ أعناقُهم وتنفرِجُ أفواههم على مصراعها لأزقَّهم وأقطرَ الماء لهم بالقطارة لإروائهم. ماتَ الجميع ولم يصمد منهم إلا عصفورٌ واحدٌ، وهذا منطقي، إذ لم أكن بكفاءة أمهم. كَبرَ العصفور وترعرع في كنَفِي، وصار صديقي، وحقَقَ لي حُلمي بأن صار يلعب معي ويأكل من يدي. حين أنقرُ له بسبّاتي على الأرض يُزقزق ويرفرف لي بجناحيه الغضتين، ويهرع راكضاً نحوي لالتقاط ما أكافئه به. علَّمتُه الطيران بالتدريج؛ من راحة كفي إلى الأرض، ثم من ركبتي وكتفي، حتى اشتد جناحُه وصار يتمكن من الارتفاع إلى أغصان الدالية. وحتى لا يُكمل مشواره ويغادرَني، كنتُ أنقر له بسبابتي على الأرض فيرفرف بجناحيه ويقفز عائداً للقائي. لكنه في النهاية آثر أن يغادرني ويشقَّ طريقَه للحاق، ربما، بصديقاته.

جاء يومٌ كنت فيه على السطوح الفوقاني أتفقَّدُ صَواني الدبس بندورة، وفقاً لتوصيات أمي، لَمحتُ عصفوراً دورياً على شرطان الكهرباء القريبة من السطوح، خلتُه عصفوري، وقد جاء لزيارتي، لكنني كنت في شك من ذلك، فحسب علمي، كل عصافير الدوري لهم هوية واحدة، ولا يمكن تمييزهم عن بعض. لكنني أحسستُ بزقزقة تقصدني. جثَوتُ برَويَّةٍ على ركبتيَّ، نقرتُ له بسبابتي على الأرض، فرفرف بجناحيه غبطةً وهرع نحوي مغرداً وفرحاً بلقائي. طافَ من حولي كمن يسلّم عليّ ويُبلغني رسالةً بأنه سيغيب بعيداً إلى حيثُ عالَمُه ورفاقُه. ومن يومها لم أعد أراه.

لم تنته القصة بعد، فتلك العلاقة الحسيّة بالعصفور الدوري، كان يشوبها ما هو نقيضها الخسيس، فقد كنتُ في جانبي اللاإنساني أحبُ اصطياد عصافير الدوري ببندقية صيد هوائية، نسميها خردقة لأننها نستعمل الخردق في تلقيمها، كنتُ أعشق طعمَها مشويةً على موقد الغاز (وعندما تقول لي أَعشقْ، لا أسألُك عن الأسباب). كنتُ أحمل خردقتي عصر النهار، أتجوّل بها في الحارة وأتلصص هنا وهناك لأقتنص عصافير الدوري.

كان الحاج خيرو قاسم الشر (هكذا كان اسمه) يواظب على الصلوات الخمس في جامع الأقرعي في سوق الخضرة، وقبيل أذان العصر كنتُ أترقَّبُ خروجَه من بيته للصلاة، إذ كان يترك باب بيته موارباً، فحالة الأمان كانت منتشرة بين أهل الحارة، ولا حاجة أن يكلف نفسَه عبء حَمْل مفتاح بيته في كل مرة يذهب إلى المسجد. كان حسب ما أذكر رجلاً طويل القامة، جهم الجثة، ذا هيبةٍ ووقار. حين تصادفه يمشي الهوينا في الحارة، تستطيع أن تجزم بأنه ذاهبٌ إلى الجامع.

كنت أستغلُّ فرصة خروج الحاج خيرو قاسم الشر وقت صلاة العصر في الجامع، فأتسللُ نحو بيته حاملاً خردقتي واضعاً بعض الخردق في فمي وهذا أسهل في التناول من وضعها في جيب بنطالي. أمدُّ السبطانة من فرجة باب بيته مترصداً. كانت عصافير الدوري توردُ منزلَه لتتفيّأ في شجرة كبيرة في أرض الدار الفسيحة، ولتشربَ من بقايا نَتْح الماء من الجب. كان منزلاً فسيحاً نظيفاً تصبُغه السَكينةُ ويسودُه الهدوءْ. فزَوجةُ الحاج خيرو والعمَّات كُنَّ قليلاتِ التجوّل في أرض الديار، إذ يَعملْن بالحياكة في مجلسٍ كبيرٍ بعيداً عن الشجرة، إضافةً إلى أن فترة العصاري في تلك الأجواء كانت فترة قيلولة وزوال. كنتُ أترصَّدُ بكل لهفة وُرُودَ العصافير إلى الشجرة، وعندما تستقر على مرمىً مِن خردقتي، كنتُ أصطادها بلا أي اعتبارٍ لعلاقتي الحميمة معها. كلُّ ما كنتُ أهدسُ فيه في تلك اللحظات؛ هو كيف سأتمكن من إحضار العصفور بعد أن يسقط من الشجرة، وقبل أن يعود الحاج خيرو قاسم الشر من الصلاة. فأتحيَّن انشغال العمّات في المجلس، أفتحُ باب منزلهم بهدوء، أركض بخفّة إلى حيث الشجرة لالتقاط العصفور من أرض الديار، وأعود بسرعةٍ خاطفة كي لا تلمحني العمات، ويصل خبري إلى أمي.

في إحدى المرات، كانت العصافير نشيطةً على غير العادة، لا تكاد تستقر على غصن حتى تنتقل إلى غصنٍ آخر، دون أن تعطيني فرصةً كافية للتصويب (تسديد الشعيرة على الفريضة والهدف وحبس نصف نفس، قبل إطلاق الزناد). جاءني شعورٌ بأن العصافير تشعر بتصويبي خردقتي من شق الباب نحوها، فتتلاعب بي وتشغلني لدرجة نسيت بها مرور الوقت، حتى أحسست بالحاج خيرو قاسم الشر مطلاً بقامته المديدة فوق رأسي، وقد عاد لتوه من الجامع ليكتشف فعلتي. فوجئتُ بوجوده خلفي وطأطأت رأسي خجلاً، فبادَرَني إلى سؤال يوحي بأنه يعرف كل شيء: ما اصطدت شِي اليوم؟ قالها بابتسامةٍ طيبةٍ ثم دخل إلى بيته تاركاً الباب موارباً خلفه.

على هامش الحديث، يُروى بأن الحاج خيرو قاسم الشر كان الوحيد من بين أخوته الذي نجى من حرب السَفَر بَرلِكْ (الحرب العالمية الأولى) بينما فُقِدوا جميعهم في الحرب. فحين جاء دوره بالفحص الطبي للالتحاق بالعسكر، طَلَب منه الطبيبُ فتْح فمه، فانفرج على ليرتين ذهبيتين، تناولهما الطبيب من فمه وأعفاه صحياً من المشاركة.