المنظمات غير الحكومية
أداة اليمين البرجوازي

 

 

ليست هناك إحصاءات دقيقة حول عدد المنظمات غير الحكومية على مستوى العالم، ولكن الإحصائيات المتوفرة بما فيها احصائيات الأمم المتحدة تشير الى وجود 40000 منظمة غير حكومية دولية والملايين من المنظمات غير الحكومية المحلية. يشير أكثر من مصدر الى وجود حوالي 2 مليون منظمة غير حكومية في الهند لوحدها في 2009 (منظمة لكل 600 شخص) و 277 الف منظمة في روسيا في 2008. وتقدر عدد المنظمات غير الحكومية في كردستان العراق ب 2800 منظمة وبحلول 2010 كان هناك بين 8000 و12000 منظمة في العراق. يعد قطاع المنظمات غير الحكومية ثامن أكبر اقتصاد في العالم حيث تزيد قيمته عن ترليون دولار سنويا ويوظف حوالي 19 مليون عامل اجير بالإضافة الى اعداد هائلة من المتطوعين.

يعتبر الكثيرون جمعية مناهضة العبودية التي تشكلت عام 1839 اول منظمة غير حكومية دولية. ومن الأمثلة المشهورة التي تلت، هي منظمة الصليب الأحمر الذي شكلت في خمسينيات القرن التاسع عشر بعد الحرب الفرنسية- الإيطالية، ومنظمة أنقذوا الأطفال التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى واوكسفام وكير بعد الحرب العالمية الثانية.

ولكن نمت حركة المنظمات غير الحكومية بسرعة هائلة منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وقد رافق هذا النمو صعود التيار اليميني النيوليبرالي الذي عمل على تقليص دور القطاع العام في الاقتصاد والخصخصة وتقليل الخدمات التي تقدمها الدولة. ورافق هذا النمو أيضا افول القطب الشرقي والشيوعيات البرجوازية بشكل عام وضعف مكانة الماركسية واليسار عالميا. وقد ساعد هذا النمو القمع الممنهج الذي مارسته الدولة ضد اليسار في بلدان مثل اندونيسيا وتايلند. لقد مكن الإحباط والتخبط الفكري في صفوف اليسار وخيبة الامل من شيوعية الاتحاد السوفيتي والصين، المنظمات غير الحكومية من إزاحة الحركات والمنظمات اليسارية الراديكالية وأحيانا النقابات العمالية واستقطاب مفكريها وقادتها وفعّاليها.

في الوقت الذي شن اليمين البرجوازي هجوم على دولة الرفاه في الغرب وقام ممثلا بالحكومات الغربية وخاصة النيوليبرالية ومؤسساتها مثل الصندوق النقد الدولي على اجبار الحكومات في البلدان الخاضعة على تقليص دور القطاع العام في الاقتصاد وتقليص الخدمات الحكومية، قام بالدفع بالمنظمات غير الحكومية ضمن خطة مقصودة ومدروسة لأسباب سناتي على ذكرها.

تعتبر حركة المنظمات غير الحكومية بالشكل الحالي ظاهرة حديثة وجدية، على الشيوعيين مواجهتها.

لا يمكن اصدار تعميمات مطلقة حول حركة المنظمات غير الحكومية، اذ ليس هناك شك بان بعض المنظمات تقوم بتغير ايجابي على الأرض ولبعضها اهداف تقدمية وهناك الكثير من الافراد الذي يشاركون في هذه الحركة بنية صادقة، ولكن يمكن القول بثقة بان المنظمات غير الحكومية تلعب دور سياسي رجعي للغاية في المجتمع. انها تمثل جزء من استراتيجية الطبقة الحاكمة واداة التيار النيو ليبرالي في ادارة المجتمع. على الرغم من ادعاء المنظمات غير الحكومية حول تجنب السياسية، الا انها منخرطة بشكل فعال فيها، ولكن نتيجة فقدانها لنظرية سياسية واضحة ورفضها للتنظيم السياسي، تصبح أداة طيعة لخدمة ايدولوجية وسياسات الطبقة الحاكمة وخاصة جناحها االنيوليبرالي.

 

وظائف المنظمات غير الحكومية

 

يبغي التيار النيوليبرالي الذي يمثل مصالح الاحتكارات وقلة غنية، تحويل كل شيء الى بضاعة وبسط منطق الربح على كل زوايا حياة البشرية وخاصة على القطاعات الاقتصادية التي كانت تقليديا تدار من قبل الدولة بما فيه قطاع الخدمات كوسيلة لتراكم الأرباح عن طريق نقل الثروة من الطبقة العاملة الى الطبقة البرجوازية. ولكن خصخصة كل ميادين الاقتصاد وتخلي الدولة عن مسؤوليتها تجاه المواطن، تكشف عن وحشية النظام الرأسمالي وتجعل الحياة جحيم بالنسبة لقطاعات واسعة من البشرية، وهذا يزيد من فرصة حدوث اضطرابات واحتجاجات وثورات اجتماعية ضد النظام. وهنا يبرز دور المنظمات غير الحكومية، حيث يوكل لها دور جعل النظام الرأسمالي اقل وحشية.

يؤيد التيار النيوليبرالي إحلال منظمات المجتمع المدني بدلا من الدولة لتقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية لان هذا يعني فتح قطاعات اقتصادية ( قطاع العام) امام الاستثمار وجعلها مصدر لخلق الأرباح، وتقليل الضرائب على الرأسماليين لجمع الأموال اللازمة لتمويل الانفاق الحكومي، تقليل حصة الرأسماليين من تمويل الخدمات عن طريق تقليل مقدار الخدمات والرعاية بشكل عام، وجعل تمويل المنظمات غير الحكومية عمل تطوعي وتشجيع بقية المواطنين على التبرع بعد اثارة شعور بالذنب عندهم، إضافة الى ان معظم الأموال المقدمة كتبرعات هي مستثنية من الضرائب.

ان اهم وظيفة تقدمها حركة المنظمات غير الحكومية للطبقة الحاكمة هو حجب الانقسامات الطبقية العميقة والاستغلال الطبقي والصراع الطبقي في المجتمع عن طريق الترويج لمفاهيم غير طبقية مثل " المجتمع المدني".

تقوم هذه المنظمات بالتمويه على الأسباب الحقيقية للماسي التي تواجهها البشرية ومسؤولية النظام الرأسمالي عنها. فمثلا لا تقول دعايات المنظمات غير الحكومية في الدول الغربية مثل وورد فشن واوكسفام الهادفة الى جمع التبرعات شيئا عن سبب استمرار الفقر المدقع او الامراض المعدية في الدول الفقيرة، بل تعرض صور مؤثرة عن المعاناة الإنسانية الناتجة عن هذا الفقر والمرض. تصور هذا الفقر والمرض كحالة طبيعية مثلها مثل الظواهر الطبيعية، ليس أحدا مسؤولا عنها. وبدلا من ان تكون وظيفة النظام القضاء على هذه الظواهر، يطلب من العامل في المجتمعات الغربية التبرع من اجل التخفيف عن نتائجها بعد اثارة مشاعره الانسانية.

تقوم هذه الحركة بتحييد وتفتيت الاستياء المتزايد تجاه السياسيات اليمينية وصرف السخط عن النظام الرأسمالي والسلطة البرجوازية والشركات الاحتكارية والبنوك وكبار الرأسماليين وتوجهه ضد المشاريع الصغيرة المتمثلة بالمنظمات غير الحكومية.

وتقوم بمنافسة واحتواء الحركات الاجتماعية الراديكالية وجذب الكثير من كوادر ونشطاء هذه الحركات الذين يجدون صعوبة في مقاومة اغراء المنظمات غير الحكومية.

لذا فليس من الغريب، ان الاماكن التي شهدت نمو هذه الحركة عانت من ضعف وحتى غياب الحركات الثورية المنظمة في وقت اشتداد الازمات الرأسمالية.

وقامت حركة المنظمات غير الحكومية في الكثير من الدول باستخدام قواعدها ومواردها ومكانتها كمنظمات مدافعة عن حقوق المهمشين لدعم السياسيين والأحزاب التي تدافع عن الإصلاحات الشكلية بدلا من الإصلاحات المؤثرة.

عملت بعض المنظمات غير الحكومية الأجنبية المهتمة بشؤون العمال بين الحركات العمالية في مختلف الدول كعملاء للحكومات الغربية وأجهزة استخباراتها. اذ تقوم السي أي أي مثلا بتوجيه الأموال من خلال بعض المنظمات العمالية الامريكية لاختراق والتجسس على الحركات الراديكالية، ولمواجهة تأثير الشيوعيين في النقابات والمنظمات العمالية في الدول المختلفة. كما قامت الكثير من أحزاب الديمقراطية الاشتراكية مثل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الالماني بتمويل المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية وبناء توجه نقابي غير مقاتل يناسب مع توجهات تيار الاشتراكية الديمقراطية.

ولكن غالبية المنظمات غير الحكومية هي ليست عملاء للاستخبارات والتيارات السياسية في الدول الغربية، ولكن مع ذلك تلعب دور رجعي للغاية. حيث تصبح بشكل غير مباشر ومن خلال المشاريع والتقارير التي ترفعها الى الجهات المانحة ومن خلال المؤتمرات التي تعقدها، اداة لمراقبة مزاج وحركة المجتمعات وقياس التحديات التي تواجه السلطة في هذه المجتمعات. وقد بين التاريخ الحديث الدور التي تلعبه هذه المنظمات في خدمة اليمين البرجوازي فنجد ما ان تزداد الاضطرابات السياسية في منطقة او دولة يزداد عدد المنظمات غير الحكومية.

وتساعد حركة المنظمات غير الحكومية على ابراز شخصيات معينة في المجتمع كشخصيات " تقدمية" و "ديمقراطية"، تصبح بمثابة بديل سياسي للطبقة الحاكمة المحلية والعالمية عندما تصبح الأنظمة الحاكمة مرفوضة من قبل الجماهير ويتزايد خطر الإطاحة بالسلطة. أي انها تصبح صمام امان الطبقة الحاكمة من اجل منع الأمور من الانفلات.

لهذا السبب، عندما تزداد الاحتجاجات الجماهيرية وتصبح خطرة على السلطة تخفف الحكومات والمؤسسات الرأسمالية المانحة من شروط وقيود التمويل فتتكاثر المنظمات غير الحكومية بشكل كبير، وتبرز فرصة "للمثقفين والفعالين" لتقديم خدماتهم للتبليغ ضد الانخراط في الحركات السياسية والتخلخل في الحركات الاجتماعية لتجنيد قادتها وتوجيه الطاقة نحو مشاريع المساعدة الذاتية وحملات للدفاع عن حقوق جماعات على أساس الهويات بدلا من الحركات الاجتماعية. ويؤدي عملها الى فرز شخصيات تقدم كبديل للأنظمة الحاكمة. هكذا، لقد تدفقت الملايين على إندونيسيا وتايلاند وبيرو ونيكاراغوا، وشيلي، والفلبين والسلفادور وجواتيمالا وكوريا وهايتي والعراق ودول افريقيا في وقت الازمات.

 

التوافق بين المنظمات غير الحكومية واليمين البرجوازي وسياساته النيوليبرالية!

 

بغض النظر عن الاهداف المعلنة للمنظمات غير الحكومية ونية الافراد المشاركين فيها، تتفق طبيعة عمل هذه المنظمات مع السياسيات النيوليبرالية لأقصى اليمين البرجوازي الى حد كبير. اذ تناهض المنظمات غير الحكومية مثلها مثل التيار اليميني دور الدولة وان كان باسم "المجتمع المدني" وليس باسم " السوق الحر". يقبل منظرو هذه الحركة ادعاءات التيار البرجوازي النيوليبرالي بأن الدولة غير كفؤة في تقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية، لذا تطالب هذه الحركة الدولة بتقليل توفير الخدمات لصالح نظام مساعدة ذاتية لامركزي. تتفق في توجيه موارد الدولة ليس لتقديم الخدمات للجماهير بشكل مداوم ومنظم وبعدل أكبر وبشكل قابل للمحاسبة بل تخويل المنظمات غير الحكومية بتقديم خدمات اقل جودة، بشكل غير منظم او مداوم وغير ملزم وبدون محاسبة لشريحة صغيرة في المجتمع.

وعمليا تتناقض مصالحها مع مؤسسات الدولة التي تقدم الخدمات الاجتماعية وتدير البرامج الحكومية الشاملة، اذ تنافس للحصول على حصة من الأموال العامة من اجل مشاريعها.

وهكذا، رغم ان المنظمات غير الحكومية لا تناضل بشكل فعال من اجل الخصخصة الا انها تتفق مع وتمكن سياسات اليمين البرجوازي بخصخصة الخدمات والتوظيف.

تقوم حركة المنظمات غير الحكومية مثل التيار النيوليبرالي بتقوية سياسة الهوية. فالكثير من المشاريع الخدمية والحملات تكون هدفها اقلية تعرف على أساس هويات مثل الدين او الاثنية او الجندر او الميل الجنسي او العاهات الخ.

ترى ايدولوجية المنظمات غير الحكومية ان أساس مشاكل مثل الفقر والامية هي قلة المبادرة الفردية والمهارات الفردية، لذا تركز جهودها أحيانا في هذا الاتجاه.

 

أسباب الدفع بالمنظمات غير الحكومية!

 

ان الدفع بالمنظمات غير الحكومية للقيام بتقديم الخدمات نيابة عن الدولة ليس لأسباب اقتصادية بل هو لأسباب ايدلوجية وسياسية. ليس هناك شك بان بإمكان الحكومة تقديم الخدمات بشكل أرخص وأكثر فعالية وأكثر عدلا وشمولية من المنظمات غير الحكومية.

بعكس الحركات الإصلاحية الأخرى مثل الحركة النقابية، ليس هناك الكثير مما يدل على فعالية حركة المنظمات غير الحكومية. رغم عدم وجود علاقة سببية، الا انه هناك علاقة طردية بين نمو المنظمات غير الحكومية وبين تدهور المستوى المعيشي للأغلبية. هايتي هي من أفقر دول العالم في حين لديها أكبر عدد من المنظمات غير الحكومية مقارنة بعدد السكان. الدفع بالمنظمات غير الحكومية هو من اجل تعزيز الوضع الراهن من الناحية الايدولوجية والسياسية والاقتصادية، تقويض الصراع الطبقي، واضعاف الحركات الراديكالية، وجعل النظام الرأسمالي أكثر مقبولية.

 

أسباب عدم فعالية المنظمات غير الحكومية!

 

ان النقد الأساسي لحركة المنظمات غير الحكومية هو ليس حول عدم كونها حركة ثورية بل حول عدم فعاليتها في النضال الاصلاحي وتحولها الى أداة بيد اليمين الرجعي.

على الرغم من الادعاء بان المنظمات غير الحكومية تقوم بتمكين الفقراء والشرائح المهمشة لا انها عمليا تفشل في القيام بذلك لأنها ترفض النضال السياسي المنظم.

فعدم فعالية هذه الحركة يكمن في نمط عملها. ليس لا تؤكد هذه الحركة على تغير النظام او السيطرة على الوسائل الإنتاج فحسب، بل انها لا تؤكد على بناء الحركات بل على الحملات والمشاريع مثل المشاريع الإنتاجية الصغيرة، وحملات التمكين، والمناصرة، والمساعدة المالية، والمساعدة الفنية، بناء المهارات الخ ولذلك فهي غير مؤثرة من الناحية الإصلاحية.

ان نشاط المنظمات غير الحكومية لا يتجاوز التأثير على مجالات اجتماعية صغيرة من حياة شريحة صغيرة بموارد محدودة ضمن الشروط التي يحددها التيار النيوليبرالي.

لا تقول المنظمات غير الحكومية شيئا عن السياسيات التي هي سبب معظم المشاكل التي تواجه الجماهير بما فيها المشاكل التي تحاول هذه المنظمات مواجهتها. كما لا تقول هذه المنظمات عدا عدد قليل جدا مثل منظمة العفو الدولية شيئا عن دور الحكومات الممولة مثل الحكومة الامريكية او الاوربية وحروبها وتدخلاتها في خلق الكثير من المشاكل وعن تواطئ تلك الحكومات مع الحكومات والقوى المحلية وانتهاكاتها لحقوق الانسان.

بدلا من الحديث عن القضايا الأساسية التي تمس الظروف المعيشية والحقوق والحريات وعن الجذور الأساسية لهذه القضايا وحلولها مثل أسباب فقر الطبقة العاملة وعواقب تدخلات الدول الامبريالية تركز على قضايا هامشية غير جوهرية بالنسبة للنظام تصرف الانتباه عن جذور القضايا الاساسية.

فمثلا تتجنب النضال ضد الحروب والتدخلات العسكرية، الأسباب الحقيقية للفقر والامراض المعدية والاضطهاد الطبقي من قبل المؤسسات الرأسمالية والشركات الاحتكارية، الخصخصة، البطالة، ومن اجل ترسيم الحد الأدنى للأجور الخ ولكن تركز على تقديم مساعدات محدودة لعدد محدود من ضحايا الحروب، والامراض المعدية والمشردين الخ. وتركز على المسائل الاجتماعية التي تمس الاسرة مثل العنف الاسري وحرية الزواج والطلاق الخ أكثر من المسائل الاجتماعية التي تمس النظام. وهي بذلك تعالج الاعراض بدلا من جذور القضايا التي تواجه الجماهير ضمن الحدود المسموح بها.

تحول الخدمات والحقوق من مطالب يجب فرضها على الطبقة الحاكمة من خلال نضال طبقي مقاتل الى مسالة تطوعية، تستجدي لطف السلطات والنزعة الخيرية للأغنياء ونزعة المساعدة وحب الاخرين عند المتطوعين والمتبرعين. ان اعتماد المنظمات غير الحكومية بشكل أساسي على التمويل من الأثرياء والمؤسسات الحكومية والخاصة التي تمثل مصالحهم، يضع حدود لأنشطتها يحددها ما هو مقبولا لدى هؤلاء الأثرياء. فلا يمكن لمنظمة غير حكومية تستلم التمويل من الاثرياء ان تناضل ضد الأسباب الأساسية لعدم المساواة التي هي نفس الأسباب التي تمكن الأثرياء من جمع ثرواتهم.

كما ان معالجة جذور المشاكل التي تواجه الجماهير يزيل التبرير لوجود تلك المنظمات وحصولها على التمويل.

تقوم هذه الحركة بتقويض النضال الطبقي الشامل والمقاتل وعرقلة التضامن الواسع داخل الطبقة العاملة من خلال بناء منظمات ومجموعات ضغط ذات قضية واحدة. ولا تسعى الى الربط بين مختلف القضايا في صراع عام ضد الرأسمالية.

يحول أسلوب هذه المنظمات الأغلبية الى متلقيين سلبين للتغير والمكاسب ينتظرون من المنظمات غير الحكومية النضال نيابة عنهم وينظرون الى أنفسهم كضحايا او مهمشين بدلا من عناصر فعالة ونشطة في النضال من اجل تلك المكاسب.

انها تعرقل أساليب النضال للحركات الأخرى وعملية صياغة بدائلها. تقوم بجذب واحتواء قادة وفعالي الحركات الاجتماعية والنقابية والنسائية من خلال المغريات التي تقدمها. فهي تنافس بشكل مباشر الحركات السياسية من اجل النفوذ بين الفقراء والنساء والمهمشين. لذا فهناك علاقة عكسية بين قوة الحركات الاشتراكية وحركة المنظمات غير الحكومية. اذ ليس من باب الصدفة ان نجد تراجع في العمل السياسي الطبقي وتقهقر في المستوى المعيشي وزيادة الفقر وغياب المقاومة ضد السياسات النيوليبرالية في الأماكن التي أصبحت فيها المنظمات غير الحكومية مهيمنة.

غالبا ما تقوم المنظمات غير الحكومية بتجنب العمل بين العمال الذين يحتمل ان يكون لديهم قوة اقتصادية وسياسية أكبر وحتى عندما تقوم بالعمل بين العمال يكون لهذا العمل طابع اجتماعي. اذ من غير المرجح ان يدعم الممولين الأجانب المشاريع التي تشجع على الإضرابات او المظاهرات وتعزيز الصراع الطبقي.

تعرقل المنظمات غير الحكومية وايدولوجيتها السياسية وطريقة عملها النضال من الأسفل وبروز القيادة الذاتية بل تركز على العمل بدلا عن الجماهير. ان طبيعة عمل المنظمات غير الحكومية ورفضها للنضال السياسي والتركيز على المساعدة الذاتية ينزع الطابع السياسي عن البشر. كما ان طابع عملها المحدود وغير الشامل يخلق تمييز بين الشرائح المختلفة في المجتمع وتزيد من الفرقة وتضعف الوحدة الطبقية.

 

ايدولوجية المنظمات غير الحكومية

 

رغم ان حركة المنظمات غير الحكومية تعتبر نفسها حركة بدون ايدولوجية ونظرية سياسية وترفض السياسة واتخاذ المواقف السياسية، الا انها عمليا تتفق مع ايدولوجية التيار النيوليبرالي واجندته الى حد كبير او على الأقل تعزز هذه الايدولوجية. من الناحية النظرية رغم الابهام الهائل، تعتمد هذه الحركة على مفاهيم غير طبقية كثيرة اهمها "المجتمع المدني". ومن الناحية العملية تمكن او تدفع بالسياسات النيوليبرالية وسياسات الهوية التي تعتبر القضايا المتعلقة بالعرق والدين والجنس والميول الجنسية والعاهات وموقع المعيشة مثل المناطق النائية الخ هي اكثر جوهرية من القضية الطبقية رغم وجود اختلافات طبقية عميقة بين المقسمين على أساس تلك الهويات. ان نظرية هذه الحركة الواقعية ومنطق عملها تستند على رفض التحليل الشامل للنظام الاجتماعي الحالي وخاصة التحليل الطبقي.

ترفض هذه الحركة الحاجة للاستيلاء على السلطة والاطاحة بالنظام الحالي وبناء نظام اقتصادي واجتماعي جديد، بل تقبل بالنظام، تخلده، تعتبر حكمه بديهية، تعمل ضمن حدوده وبهدف احداث تغييرات طفيفة عليه وتلطيف بعض جوانبه القاسية. وتقبل هذه الحركة عدم وجود بديل عن رأسمالية السوق الحر والديمقراطية البرلمانية.

ان الابهام النظري والأيديولوجي وفضفاضيه مفهوم "المجتمع المدني" يسهل ويسمح للمنظمات غير الحكومية بتبني احيانا سياسات رجعية والتعاون مع اقذر الحكومات والمؤسسات والمصالح الرأسمالية.

ورغم ان اللغة التي تستخدمها حركة المنظمات غير الحكومية هي لغة يسارية وشبه ماركسية، تم صياغتها بدقة من اجل إعطاء هذه الحركة صبغة تقدمية اذ تتحدث عن "الجماهير الشعبية" "المهمشين"، "القيادة من الأسفل" "المساواة بين الجنسين" "التمكين" "التنمية المستدامة" "الحقوق" مثل حقوق الأقليات والمثليين وذوي العاهات والنساء الخ، الا انها في الواقع حركة معادية للماركسية والعمل الشيوعي. ترى في المنظمات الماركسية الراديكالية خطر وتروج لفكرة بان الماركسية والتحليل الطبقي تنفي او لا تهتم بالتمييز القومي او الديني او التميز على اساس الجنس الخ. حتى المنظمات غير الحكومية التقدمية التي هي نسبة صغيرة تتبنى نهجا فوضويا في العمل.

 

المنظمات غير الحكومية وسيلة لصعود شريحة صغيرة!

 

لقد أصبحت المنظمات غير الحكومية في معظم انحاء العالم وسيلة لصعود شريحة متعلمة ومثقفة من مهنيين، وأكاديميين وفعالين اجتماعيين وسياسيين بمن فيهم ممن تخلوا عن الحركات الشيوعية الذين يمتلكون مهارة وقدرة التأثير على شرائح من الجماهير. يأتي هذا الصعود من خلال الحصول على وظائف سهلة برواتب مغرية لإدارة منظمة غير حكومية تشمل وظيفتهم كتابة مقترحات لمشاريع جديدة وجمع دلائل حول إنجازات منظماتهم من اجل جلب المزيد من التمويل وقضاء وقت في مكاتب فخمة نسبيا ووضع الميزانيات والقيام بالحسابات والتنقل في سيارات الدفع الرباعي وفرصة السفر وحضور مؤتمرات داخل وخارج بلدانهم يتحدون فيها بلغة خاصة والاهم الأمان من قمع الحكومات مقابل التنازل عن الاستقلالية وحرية الاعتراض على السياسات البرجوازية الداخلية والخارجية.

ويستفاد الكثير من كوادر المنظمات غير الحكومية من الأفكار والمهارات التي اكتسبوها من خلال عملهم في المنظمات الراديكالية.

 

ادعاءات حركة المنظمات غير الحكومية!

 

يدعي أنصار حركة المنظمات غير الحكومية بان "المجتمع المدني" الذي ينون بنائه سوف يعزز الثقافة التقدمية والمظاهر المدنية والحقوق الفردية والمدنية، ويدفع بالإنتاجية والكفاءة، وينوع الخيارات امام الناس ويضغط على الحكومات من اجل تحسين اداءها والتقليل من القمع والتقليل من سلطة الدولة واعادة توزيع السلطة على " الشعب" بشكل غير مركزي، ويؤدي بالنهاية الى بناء نظام ديمقراطي تعددي.

ولكن لا يوجد اي دليل على وجود علاقة بين مدنية المجتمع ومدى القمع الذي تقوم به الدولة من جهة وبين نمو المنظمات غير الحكومية. في الحقيقة ان نمو هذه الحركة يؤدي الى اضعاف الحركات التقدمية مما يساهم في تعميق التخلف والرجعية والقمع. ان اغلب العمل الذي تقوم به حركة اخوان المسلمين يتم من خلال منظمات غير حكومية ولكنها دائما تساعد على نشر الرجعية والقمع والانغلاق.

 

المنظمات غير الحكومية والديمقراطية والمساواة والاستقلالية!

 

على الرغم من التبجح بالديمقراطية ومعاداة الدكتاتورية، معظم المنظمات غير الحكومية هي بيروقراطية وهرمية وتفتقر الى اليات صنع القرار الجماعي والديمقراطي، ويسود عملها جو من غياب الشفافية في المسائل المالية. يشبه هيكلها الداخلي الى حد كبير الهياكل الداخلية للمشاريع التجارية الرأسمالية.

في الكثير من الحالات يقوم الأشخاص الذين يؤسسون المنظمات غير الحكومية بتعيين أنفسهم مدراء لا يواجهون الانتخابات ابدا، لهم القرار في تحديد المشاريع والتوظيف والطرد ومن يسافر الى الخارج من اجل حضور المؤتمرات دون ان يتم التصويت على هذه القرارات.

فمن اجل الحصول على اعتراف الجهات المانحة وحتى على التبرعات والاعفاء الضريبي على هذه المنظمات تنظيم نفسها في هيكل هرمي. ليس قادة المنظمات غير الحكومية مسؤولين امام الأعضاء او المتطوعين او الشرائح التي "يخدمونها او يمثلونها" وليسوا عرضة للمحاسبة من قبلهم بل مسؤولين امام الممولين مثل الحكومات الغربية والمنظمات غير الحكومية الدولية مثل اوكسفام او المؤسسات الخيرية مثل مؤسسة بيل غيتس او بيل كلنتون والمشاهير والمؤسسات الرأسمالية مثل البنك الدولي. لذا تركز المنظمات غير الحكومية على القضايا التي تجلب التمويل عادة الغربي وليس القضايا التي تهم السكان وتقيم اداءها حسب معايير واهتمامات الممولين.

عادة ما يكون هناك فجوة كبيرة بين رواتب المدراء وبين العمال الذين يعملون بأجور لصالح هذه المنظمات. وهناك امثلة هائلة على قيام المنظمات غير الحكومية مثلها مثل الشركات الربحية على فرض العمل المضني على العمال ودفع أجور زهيدة لعمالها وتوظيفهم بعقود مؤقتة بينما يمنح المدراء التنفيذيون أنفسهم رواتب كبيرة. ان الرواتب التي يتلقاها مدراء منظمات مثل اوكسفام وكير هي افضل الأمثلة.

ورغم الادعاء بالاستقلالية الا إن المنظمات غير الحكومية ترتبط بعلاقات تبعية مع الحكومات او المؤسسات الخاصة التي لها علاقات وثيقة بالدولة والممولة من قبل الشركات الاحتكارية وكبار الرأسماليين.