هل من صلة بيننا وبين حضاراتنا القديمة؟
 

 

ينتشر بين شريحة ليست صغيرة من المثقفين في العراق وسوريا ولبنان ومصر، تصور يفصل على نحو تام بين الثقافة ولغة الثقافة. اي انهم ينفون على نحو ما وجود ثقافة عربية مشتركة، رغم وحدة اللغة. حيث يظن حاملوا هذه الفكرة من العراقيين، ان الثقافة العراقية الراهنة هي امتداد، لتراكم حضارات وادي الرافدين من سومرية، وآشورية، وأكدية، وإن كانت تستخدم اللغة العربية. وعلى طرزهم ينسج حاملوا فكرة الفصل بين الثقافة واللغة من السوريين، حيث يربطون الثقافة السورية بالإرث الحضاري الآرامي، ويربط لبنانيون ثقافتهم بالإرث الفينيقي، يشاركهم في ذلك تونسيون من حملة لواء الفصل بين اللغة والثقافة، واتسعت في مصر مؤخرا شريحة، من يرون ان الثقافة المصرية الراهنة، لاتمت بصلة الى ثقافة الصحراء، لانها وريثة ثقافة حضارة البناء والنماء (الفرعوني)

ولو دققنا في هذه الطروحات المشبعة بالإرادوية، والناجمة عن الأحساس بوطأة الحاضر وما يغرق فيه من تخلف مريع، والمتطلعة إلى تجاوزه بالأستعانة بماض أنصرم ولم يعد له من وجود، سنجد أنها ليست أكثر من تعبير عن حالة إحباط تعانيها شريحة من المثقفين، تجد لها شيئا من الصدى في شرائح صبيانية التفكير. ذلك ان الحديث عن ثقافة مجتمع ما، لا يتعلق بالانتاج الإبداعي، والفكري الذي تتداوله نخب ثقافية محدودة، وفي الغالب معزولة، وهامشية التأثير في العقل الجمعي. إنما هو حديث عن الثقافة بمعناها الواسع الذي يؤثر في فكر الفرد والجماعة وسلوكهما. وبما يتبناه الفرد العادي من قيم ومفاهيم، وبنظرته الى تأريخه، ولنفسه وللآخر وللوجود من حوله.

الفرد المعاصر في العراق وسوريا ولبنان ومصر أقرب ما يكون الى بعضه - من حيث عناصر الثقافة التي أشرنا اليها - وأبعد ما يكون عن الفرد الذي عاش في نينوى أو بابل، أو صيدون أو طيبة. بل يمكن القول ان ما يعرفه هذا الفرد عن اسلافه المفترضين، أقل كثيرا مما يعرفه مختص أجنبي بالمصريات القديمة، أو مستشرق أوربي باحث في الحضارات السومرية والآشورية والبابلية، لا بل ان كل معارفه عن تلك الحضارات وصلته عن طريق الباحثين الأجانب وليس من خلال تواصل مباشر معها.

وتفصل بين المصري والسوري واللبناني والعراقي المعاصرين، وأسلافهم المفترضين جدرانا سميكة من المعتقدات الدينية والقيم والمفاهيم، التي تحملها اللغة العربية، وما يرتبط بها من تصورات وأساطير وأوهام عن الوجود، وما بعد الحياة، وما يتبع ذلك من تصور عن الذات والآخر، والأحكام التي تنظم علاقته مع ذلك الآخر. وتنقل لنا نشرات الأخبار في كل لحظة صورا ناطقة عن إصطفاف الأفراد والجماعات في علاقات تفاعل فيما بينها، لا علاقة لها بأي شكل من الأشكال بثقافة بابل أو آشور، أو بالثقافة الآرامية والفينيقية، أو بإرث بناة الاهرامات.

والحقيقة التي تغيب عن أسرى وهم أنتماء أجيالنا الحالية الى الحضارات القديمة، أنهم هم أنفسهم لم يرثوا شيئا ذي بال من الحضارات التي لم يبق منها سوى شواهدها المادية من أطلال ومخطوطات ملغزة. وأن تفكيرهم هو تفكير معاصر، ربما يكون أنغلو ـ سكسونيا، غريب نوعا ما عن التوجهات الفكرية السائدة حاليا في مجتمعاتهم، ولو نظروا الى تأثيرهم على فكر وسلوك الأنسان العادي في هذه المجتمعات، ومستوى تفاعله معهم، وقارنوه بتأثير الأخوان والسلفيين وكل حاملي الفكر الديني سواء كان مسيحيا أو إسلاميا، سنيا أو شيعيا، فسيكتشفوا إن المقارنة ليست في صالحهم على الأطلاق، وبالنتيجة ليست في صالح وهمهم عن الصلة المفترضة بين مجتمعاتنا الحالية، والمجتمعات التي بنت الأهرامات والجنائن المعلقة.
هذا ما يتعلق بالأنتماء الثقافي ـ الحضاري المفترض بالحضارات القديمة، أما ما يتعلق بالصلة الإثنية فهي أكثر من واهية، فعلى مدى مئات، بل آلاف السنين، كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسرحا لعمليات أندماج وتلاقح أثني، ربما لم تشهده مناطق أخرى من العالم، وفي عروق كل فرد من أفراد الكتل البشرية التي تسكن هذه المنطقة خليط من عشرات أنواع الدماء والجينات الرومانية واليونانية والفارسية والعربية والأمازيغية والتركية والمغولية والتتارية والسلافية وربما حتى الفرنسية والإنغليزية وغيرها مما لا يحصى.