|
حكايا الاجداد والاباء عن المأساة الفلسطينية التي كانت وما زالت ام القضايا.! وما
صار بعد ذلك من ضياع للدول تباعا ما هو الا نتيجة حتمية لاهمال اقرار حلول عادلة
لقضية فلسطين العادلة التي افضت فيما بعد الى انتهاك كافة الحقوق دون تمييز حتى طال
استقرار ممن كان يقع عليهم واجب الدفاع عن فلسطين وقدسية القدس.بالنتيجة كان غض
الطرف عن التعاطي مع القضية الفلسطينية بشكل جدي هو الذي آل بالامور الى تفاقمها
والوصول الى الحد البائس الذي لا رجعة فيه، في كثير من الدول المحيطة.
الحقيقة ان قضية فلسطين التي اتطرق اليها الان! كانت حاضرة على لسان كل لاجئ سوري
سكن مخيم الزعتري في الاردن. والاسباب الموجبة لذلك غريبة بعض الشيء اذ ان اللجوء
الفلسطيني لم يشهده معظم من كان يعيش مرارة اللجوء الجديدة، بيدا ان خوفهم المضاعف
من اللجوء لانهم تأثروا به من خلال الشاشة الصغيرة وهم يتابعون مسلسل التغريبة
الفلسطينية التي جسدت المعاناة الفلسطينية بمرارة لا بد انها اقل كثيرا من المرارة
الحقيقية التي عاشها اللاجئ الفلسطيني. فكانوا يقولون بحسرة وبصدق: لو اننا لم
نشاهد المسلسل حتى لا نقع بذات المصير. عفوا اللجوء ليس عدوى وانما هو تقصير كانت
نتيجته احتلال غير رحيم لفلسطين ولاقطار غيرها فيما بعد وان كان بصور مختلفة.
كنت متوجسة ليس من الفشل بتحمل مشقة الوظيفة او من كون العراقيل التي وضعها الاهل
مبالغ. فالخوف كان من مواجهة الكارثة بكل ابعادها وامتدادها. الخوف من استعادة رؤية
الخيام، من جموع الشتات، وحكايا الناس التي ينفطر لها القلب، من دموع الاطفال الذين
سيكبرون في بيئة غريبة عنهم. الخوف من ولادة اجيال جديدة ستتغنى بوطنها الذي سوف
تتعرف عليه من حكايا الاباء والاجداد. الخوف من قسوة الظروف التي قد تحرم هؤلاء
الاطفال ابسط حقوقهم. ان وجود مخيمات جديدة على هذه الارض كان ينطوي على بعث جديد
لحرب لم نكن نتمناها لاحد، ونعرف ان فتيل الحروب يحتاج الى مدد من السنوات، الاه
كبيرة! وآلة الحرب لا تفرق بين الصغير والكبير، بين المرأة والرجل، بين الظالم
والمظلوم ناهيك عن حالات اللاجئين الذين تعرضوا لاصابات مباشرة او غير مباشرة وكلها
اسباب كانت كفيلة باطلاق الساقين للريح لان المهمة صعبة والوجع اكبر من رؤيته في
مشهد تلفزيوني او سماعه كقصص من شتى المصادر. مراقبة الوضع عن كثب كانت فرصة لأشباع
فضول يتملكني لمعرفة كيف يمكن ان تسير الامور في مثل هذه الظروف السيئة. والان ومع
مرور الوقت وقد اصبح المخيم على غير ما كان عليه: فلقد قسم الى قطاعات متعددة وكل
قطاع يتميز بشوارع معبدة وبأسماء من البيئة السورية والدينية والتاريخية. ومع مرور
الوقت عرفنا بأننا لم نكن لاعبين بالمعنى الحقيقي وانما مجرد افراد نتحرك في منظومة
مرسومة بقوانين وضوابط لا نستطيع تجاوزها او تغييرها. لم يكن مروري بالوظيفة عابرا،
يمكنني الان ان اقول بأنه كان موجعا وجع الجراح التي لا سبيل الى شفاءها. لذا كان
من الصعب تجاوز محنة اناس فقدوا ابتسامة النجاة من الموت تماما كما لو انهم فقدوا
معنى الحزن لشدته واصبحوا يعيشون على هامش هذه الحياة يعدون ايامهم وشهورهم
واعوامهم التي تتشابه مع بعضها. همهم الوحيد توفير وتخزين الطعام لاطفالهم. يحققون
بذلك غريزة الحياة وهم في غيبوبة عنها. كنت وكأنني على موعد مع التاريخ الذي يعيد
نفسه. مشاهد الشتات تتكرر من غير رحمة. دموع الاطفال يندى لها الجبين، صراخ وحالات
اغماء من المسعِفين والمسعَفين. تلتقي اطفالا مشلوحين على اكتاف ذويهم وهم ما
يزالوا نيام! نتيجة تعاطيهم الحبوب المنومة حيلة من ذويهم لمنع الخطر القادم من
اصوات لم تعد تعامل ببراءة في زمن جميعنا براء منه. خوفهم كان من نقاط التفتيش
والوقوع في كمائن يسيطر عليها جنود لم يعد معروف انتماءاتهم السياسية. المحزن ان
بحث اللاجئين عن الحرية بدأ بمسيرات سلمية تأثرا بظاهرة الربيع العربي الذي زار
اكثر من قطر عربي وانتهى خريفا وتحسرا باستخدام السلاح الكيماوي مرورا بعدة وعتاد
من الاسلحة التي لم تستخدم حتى! في حروب عالمية حتى غدت الجمهورية اشلاء بشر واشلاء
مكان.
كان رأي الاهل والاصدقاء قاطعا بشتى الطرق والوسائل لاقناعي برفض مثل هذه الوظيفة
التي تحمل العديد من الخطر بسبب الشائعات التي كانت تتنقل بسرعة النار بالهشيم. تلك
الشائعات كانت تدورحول انتشار عدد من الامراض الوبائية والتي عادة ما تستعيد مثل
هذه الاوبئة نشاطها بسبب انعدام النظافة وشح الماء بتلك الارض الجرداء. هذا عدا عن
التهديد بقصف المخيم من جانب جيش النظام السوري كشائعة كانت راسخة بعقول اللاجئين
بذلك المخيم. ايقاع قلبي كان لا يتماشى مع الظروف الجوية التي بدت قاسية اكثر مما
كنت اتخيل ويتخيله غيري من المتطوعين بقبول مثل هذا العمل. فالطقس بالصحراء يمر فيه
كل الفصول في اليوم الواحد، تماما كحال الناس هناك فتجد من استطاع بما نال من خدمات
ومسكن على تدبر نفسه وعائلته بحرفية تحسده عليها في حين هناك اشخاص لا يحسنون تدبر
امورهم فيمضي بهم الوقت طويلا مزدحما بالبؤس ورغم ذلك فأن ايقاع قلبي كان على وفاق
مع ظروف هؤلاء اللاجئين الذين كانوا يمضون نهارهم وليلهم بمثل هذا الطقس اللئيم!
ماذا تكون تضحيتنا بنصف نهار من العمل امام جموع النسوة وقد عدن الى تعبئة جرار
الماء وحملها على رؤسهن في مشهد سريالي تراه في اللوحات فقط. اما غسيل الملابس
بالطريقة البدائية بعيدا عن التكنولوجيا التي انطقت الحديد فكان حال النسوة هناك
مشهد يبعث على البكاء في مواجهتهن المباشرة مع غضب الطبيعة. اتذكر تلك المراة التي
تغسل الملابس المغسولة والمنشورة على بطانة خيمتها عدة مرات لان اطفالها لا
يستطيعون ارتداءها وهي مثقلة بالغبار.
بعض من دفع الثمن وراحة الضمير لن يضيرنا بشيء ونحن نكابد معهم ونتحمل معهم لبعض
الوقت ارتفاع الحرارة والتلوث بالغبار. اعتقد ان ما شاهدته اثناء فترة عملي بمخيم
الزعتري سوف يبقى ماثلا بعقلي وقلبي ما بقيت في هذه الحياة. والنظر يمتد بي حتى
يضيع في هذه الصحراء القاحلة المحملة بالغبار، لا اصدق ان استمراري بالعمل قد طال
حتى تغير حال المخيم وتلاشت الغبار منه بسبب رصف الشوارع بالزفتة، وحلول الكرافانات
بدلا من الخيام، وانتشار المحال التجارية وصالونات التجميل. التجارة تتوسع يوما عن
يوم حتى غدا المخيم مكانا لنمو رؤوس الاموال. كانت دهشتي بنفسي كبيرة وانا اعود
والغبار تطال كل حواس جسدي، وكأنني عاملة في محجر، اسير بالشارع في طريق العودة الى
البيت من دون ان يصيبني ادنى حرج، فكنت وكأنني اواصل الليل بالنهار لان ساعات العمل
طويلة والطريق الى المخيم ايضا طويلة.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من واحات العدد 60 |