المكان ورقيّ الإنسان
 

 

يبحث الأحمق عن السعادة في مكان بعيد
لكن الحكيم ينميها على خطى أقدامه".
(جيمس أوبنهام)

بحسب فرويد أن هنالك ثلاثة اكتشافات مهمة نالت من كبرياء الإنسان واعتداده المزعوم بنفسه، أولها: الثورة الكوبرنيكية العلمية، والثانية اكتشاف اللاوعي لدى الكائن الناطق، والثالثة هي النظرية الدارونية التي أظهرت الأصل الحيواني للإنسان، إذ تبين أن الإنسان الحيوان لا يُفارق كلياً مرحلة الغابة كحيوان بدائي، بل قد ينقلتلك الحيوانية معهفي ترحاله مِن مكان لآخر، وقد يأخذها وهو يصعد برفقتها أرقى مراتب المدنية وأماكنها، ما يعنى أن المكان بحد ذاته ليس بالضرورة أن يكون قادراً على أن يُخلص الكائن الناطق من بهيميته الكامنة، إلاَّ في حال اشتغل المرءُ على الذات وصقلها وخلّصها من تلك المثالب التي تلقفها من محيطه الكبير أو نهلها من منزله الصغير أو توارثها عن أجداده البشر.
***
في لحظة صراحة وتصالحٍ مع الذات قال: لقد كذبنا وكُذب علينا بكل ما يتعلق بالوطن كمكان جغرافي، لذا أنا حالياً سأكف عن الوهم الوطني وكذبة الوحدة الوطنية، وبودي أن تنشطرالبلادإلى مجموعة من الجزر المعزولة، إلى حين أن يثبتوا بأنهم قادرون على العيش سويةً، وفي ذلك الوقت يمكن الاستفتاء على لم شمل الجزرإن اتفقوا على ما يخدم مصالح الجميع، أو تبقى كل جزيرة راضية في العيش ضمن حيزها البرمائي.
***
إن أيقنتَ بأنك في المكان الخاطئ ولم تستطع التأثير على مسار مَن كنتَ تظنهم على السكة المعوَّجة معك، ولم تكن ممكن لهم السطوة لإحداث التغيير المنشود، فعليكَ إما التعوُّدعلى الأخطاء إلى حين،ومن ثم تقترف أصغرها ضرراً في بعض الأحيانِ إذا لزم الأمر لكي تُشعر الحضورَ بأنكَ منهم ولستَ رقيباً عليهم، وفي الأخير إن أخفقتَ في زحزحتهم أو مجاراتهم أو مناغاتهم أو تحريكهم قيد أنملة، وخشيتَ من الانزلاق إلى مرتعِ المثالب معهم، ليس لكَ إلاَّالاِنسحابَ من المكان الخاطئ، لئلا تكون محط كربٍ بين مَن تحلو لهم الإقامة في تلك الديار، أو حاول الاقتداء بقول الجاحظ: "لا تبقى في المكان الذي لا تعرف فيه قيمتك".
***
المكان الذي تتضخم الأنوات فيه جديرٌ بالمغادرة
لأنه إن لم تلسعك حراشف المبالغة
طالتك شظايا انفجار أحد المطوسنين.
***
المكان الذي لا تكون مرغوباً فيه من قبل أُناسه
لا قيمة لمنطوقك فيه
حتى وإن كنت تبذر الدُّرر بين جُلاسه.
***
لا يبدو صحيحاً على الدوام قصة أن المكان يُغير نفسية الإنسان، والدليل أني تجولت ساعات طوالفي أرقى الشطوط باستنبول التركية، ولكن مع ذلك فالكآبة لم تغادر محياي طوال اليوم، كما أن مكوث فنانين وأدباء كبار ولسنواتٍ طوال في أمريكا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي لم يدفعهم للتخلص من عقدة المذهبية أو التطهر من دوافعهم العنصرية.
***
يتصور الدخيلُبأنه كلّما ازداد تشبهاً بأهل الدار وملتصقاً بهم كان جميلاً بنظرهم، ناسياً بأن الكائن الطبيعي ينجذبلوجود المغاير ولا يتأفف من حضور المختلف كما هو حال العنصري،ويبقى اللامتصنع لدى الأسوياء من أصحاب المكان محبوباً أكثر ممن كان للحرباء إماماً أو خليل.
***
بناءً على تماهي بعضهم مع الأماكن التي يلتقطون فيها أو بجوارها صورهم، ولكي لا نتحدث عن الآخرين كما جرت العادة، وكمثال حي فنحنمنذ سنوات نعمل في منطقة يقطنها أصحاب الشأن ورؤوس الأموال في هذا البلد، ولكن لا أنا استطعت أن أقترب قيد أنملة من طبيعة القاطنين فيها، ولا المكان جعلني أتشبه به أو بطبيعة الحياة فيه، بل ودائماً بقي سؤال يراودني مرات كثيرة وهو ما الإضافة التي يلتمسها أو يحصل عليها المرءُ من خلال مجاورته لأفخم أو أقذر الأمكنة؟ وما القيمة التي يضفيها المكان على المرء، أي مكانٍ كان، إذا لم يكن الشخص بحد ذاته قيمة! لذا كن قيمة من دون الحاجة للتباهي بمجاورة قصور الأمكنة أو حظائرها.
***
ظل شهوراً يفكر بكيفية الوصول إلى القمة المشتهاة، فلم يكن يُشغله شيء غير الوصول إلى ذلك المكان الذي بدا مقدساً لديه، ولكنه بعد أن وطأت قدماه تلك البقعة لم يجد أي أثر لقصة القداسة وملحاقتها، وقد بدا له المكان عادياً حدّ الضجر، فما من سحرٍ يجعله يعيش لحظات السعادة كما ظل يتصورها لأشهر، بل وداهمه شعور الرتابة وبدأ الملل يحوم في أرجائه، ولكن من غير التصريح بذلك، لأن مشكلته أنه من فرط ما مدح وروّج لعظمة ذلك المكان وأهميته لم يعد يتجرأ على إبداء ملاحظاته حول سلبياته، طالما أنه تخلى عن الكثير من الأشياء والأصدقاء هنا لقاء الحصول على حق المكوث هناك.
***
هل نبالغ في الحكم إن قلنا بأن مَن يُفضل المكان على الإنسان هوإما يعاني من علَّةٍ قريبة من الإنفصام، أو أنه في دخيلة ذاته المضطربةيرى نفسه حيناً دون المكان،وأحياناً أعلى من الإنسان الذي يشغل ذلك المكان؟
***
رصفُ الكلمات لوحدها في محفلٍ ما لا يجعل المكوّم في ذلك المكان روضاً من رياض الفكر والفن والأدب، ولا القوانين والدساتير والسواتر اللغوية بمقدورها صنع مكتوبٍ خلاَّب، إنما يجب أن يحتوي المُنتج قبل كل شيء على فكرةٍ أو موضوعٍ أو رسالةٍ أو مادةٍ جوهرية أو نواة، وقبلها طبعاً امتلاك الشخص لأدوات ذلك الفن، ومن ثم تأتي الكلمات واللغة للمساهمة في إتمام تلك العَمارة، سواءً أكانت الناطحة أدبية أم فكرية أم فلسفية أم نقدية أم لوحة مرسومة بخَضَبَ الكلمات.
***
الأماكن لا تحدث انتفاضات مباشرة أو فوريةفي تربة العقول، إنما العقول هي المتكفلة بإحداث المفاجآت عندما تستطيع تشييد ما لم تعمره من قبلُ وتغيير أطباع أصحابها بُعيد الوصول، وذلك وفقاً للقوانين والطبيعة والمناخات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجديدة، هذا إذا ما كان العقلُ عقلاً منفتحاً على العالَم بكل اختلافاته، لا معقلاً لتصورات وعاداتٍ متكلسة من المحال أن تزول.