هراء ايديولوجي
عن الله والبشر والعالم

 

 

إذا كنت غير قادر على أن تتغير، كيف تطلب من الآخرين أن يفعلوا ذلك، كيف تبني أحلامك و "مشروعك" "للتغيير" على هذا الاحتمال الذي تعجز عن تحقيقه أنت نفسك.

الله دائم النوم أما البشر فلا تعرف عيونهم طعم النوم.
الملحدون والمؤمنون يتشابهون لدرجة التطابق في هذا الأمر: كلاهما يحتاج الله لكي يدعي البراءة و ليتخلى عن أية مسؤولية عن كل شيء، خاصة عن أفكاره و أفعاله الخاصة، مرةً نفيًا وتارةً أخرى إثباتًا.

هناك بشر يولدون أرستقراطيون بالفعل، صحيح أن أبناء الملوك وأشباههم، من يمكننا تسميتهم "أرستقراطيون بالإكراه", يتعلمون ممارسة السلطة والاستبداد ربما أفضل من أي أرستقراطي "بالولادة" وأن قضاء يومين في قصر أو على عرش ما مهما بلغ من التفاهة، كفيل بتحويل أتفه البشر إلى جلادين وقتلة، لكن بعض البشر يولدون بغرائز أرستقراطية، ليست سلطوية بالضرورة ولو أن ذلك لا يعيبها قط، رغم أني أزعم أن الاستبداد ليس جزءً من الغريزة الأرستقراطية بالضرورة رغم أنه قد يكون إحدى تجلياتها المحتملة …

الاستبداد مرض، مرض يصيب العبيد كما السادة، رغم أن إصابة العبيد به أكثر خطورة وإلحاحًا وأسوأ إنذارًا … إنه مرض، تمامًا كالحياة، أو هو نصفها، تمامًا كما أن الصحة هي نصفها الآخر … لكن العنجهية والاستخفاف بالمصاعب وبالحياة وبالآلام والتعالي على الحياة والآخرين وما يحترمونه ويقدسونه، بكلمة خلق القيم وتحطيمها، هي أقرب إلى سلوك غريزي منه إلى سلوك تعليمي آو تلقيني … يمكن غرس قداسة أشياء ما في وعي البشر و سلوكهم ، من المال إلى الآلهة ، لكن لا يمكن غرس أو تعليم النظر إلى كل شيء في العالم على أنه منزوع القداسة، قد يتعلم المرء ذلك بتجربته الخاصة لكن بكل تأكيد ليس بالتلقين أو بالإكراه.

لكن سؤال الغرائز ليس سؤالًا سهلًا، على العكس تمامًا، لأننا في الحقيقة مدينون بكل شيء لهذا العالم، نحن خالقو أنفسنا مجازًا فقط، إننا أبناء هذا العالم، غصبًا عنا، إننا نتاج معقد بل شديد التعقيد لهذا العالم، إنه خالقنا، لكنه لا يتمتع لهذا بأية سلطات خاصة علينا، هذا فقط يذكرنا بأننا نتاج معقد لعوامل لا حصر لها، بعضها يعود إلى أزمنة مغرقة في القدم وبعضها إلى حاضر طارئ في عالم دائم التغير لا يثبت على حال … الغرائز هنا لفظ اصطلاحي أكثر منه مفهوم محدد أو ثابت أو واضح أو حقيقي ربما، نستخدمه للدلالة على مشاعر وأفكار وسلوكيات لا تتطابق، ظاهريًا على الأقل، مع الواقع، تشذ عنه و تخالفه، لا تتماشى مع السائد أو المباشر أو العام أو القطيعي … إنها تمايز و خصوصية بل و شذوذ كما يسميها القطيعيون.

لكن هذا لا يعني أن هذا الاختلاف أو التمايز هو شيء إيجابي بالضرورة، أكثر من أنه موجود، تمامًا كما أن كوننا جميعًا بشرًا لا يعني أننا جميعًا متساوون بالضرورة أو بالقطع
الله ليس أكثر من مبرر نستخدمه عند الطلب و حسب الرغبة، حتى لو كانت تلك الرغبة مكبوتة أو لا واعية … بل خاصة إذا كانت مكبوتة أو لا واعية … الليبراليون على حق، الله كذبة ضرورية، كذبة ضرورية لهم قبل غيرهم.

بالنسبة لأصحاب الأوهام و رغم أن لها جميعها نفس الدور الوظيفي، تتفاوت الأوهام و تتفاضل، أوهامنا الخاصة تأتي دائمًا في المقدمة … أما بالنسبة لضحاياها فالموضوع مختلف جذريًا … ما الفرق إذا كنا نتعرض للقمع أو للذبح أو للاستعباد باسم الديكتاتورية أو باسم الحرية، باسم إله محمد أو يسوع أو بإسم شيفا أو باسم الإلحاد، القيود والأسوار تلغي الفوارق بين السجون، لا توجد ولا يمكن أن توجد، أية مساواة بين الحراس و المساجين، كما قال اورويل، الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من بعضها الآخر.