مستوطِن
 

 

كُن، ساكن، مقيم، ثاوي، نزيل، مهجّر، مهاجِر، نازح، لاجئ، مشرد، مَنفي، مُغترب، مُبعَد، مطارَد، مُلاحَق، ولكن لا تقبل أن تكون مستوطِن، ولا تسمح لمن يُمولك أو يعرض عليك البدائل أو يفرض عليك خياراته بأن يحولك من مواطن صاحب حق إلى مستوطن يسلب حق غيره، ولا تسمح لأحدٍ بأن يلحفك بذلك الثوب النتن، لأن المستوطن بمعية المسلح أو بقوة السلاح هو قرين السَّفالة، ومحروم من التآزر والتعاطف معه حتى وإن كان بنيران الحاجة يُلسع، ليس جديراً بالحزن عليه حتى وإن كان على صفيح التعاسة يتلوى، فلا يستأهل الرأفة ولو كان موجوعاً منذ قرون، ولا يستحق المساعدة وإن كان في سعير الفاقة يغوص، وليس جديراً بالتعاون لأن التضامن لا يكون مع مغتصِب، بل وفوقها هو مستحقَر ومنبوذ ودميم ومُقرف، وحاله أقرب إلى حال المستعمِر المحتل وليس المستعمَر المضطهد.
***
المقيمُ بقي في مأمنٍ من روائح الإدانةِ
والساكنُ متبرئٌ من تهمة العدوان
القاطِنُ لا يُشعل إيقاعه بأنغام النفور
الماكِثُ لم يضف معناه لقاموس البُغضِ
المُسْتَقَرُّ لم ينضم لرهط السُّخطِ
المنفيُّ تبوأ بجدارة كرسي المظلومين
والنزيلُ حافظَ على نفسه
ولم يلوث ذاته برغبة الاستحواذ على ما ليس لهُ
أما المستوطِن فاختزَل كل تاريخ النتانة
وبدا للناظرِ لحاله وكأن ماضيه لم يكن أكثر من مكب.
***
قال بصوته الذي غدا كنايٍّ اختنقت الأنغام في حنجرته، وهو لا يعلم بأن ملفوظه سيغدو شهادة هَرمٍ قارب المئة عام، معمرٍ طاعنٍ في الذكريات، بالرغم من أن أبعد مشوارٍ له طوال عمره كان إلى مدينة حلب، مُسناً تعمَّد منذ نعومة أظفاره بماء الوئام والتهذيب، فلم يكن يعلم شيء عن معني الغزو والنهب والاستيطان والمستوطن، ولا كان على دراية بما كان يفعله المستوطن المجلوب من أقاصي العالم بجسد فلسطين وأهلها، ولكنه قال عن النموذج البشري الذي أمام ناظريه، أي ذلك المستولي على أرض وكروم وآليات وبيت قريبه وممتلكات أصدقائه في أكثر من قرية في منطقة عفرين، بأن هؤلاء المسلطون على رقابنا بإيعازٍ من خليفة المسلمين، كانوا السبب المباشر لأكف عن النظر في وجه الرب منذ أن داسوا بأظلاف وحوافر مواشيهم هذه المرابع؛ فهو الذي كان يستحم قبلها بأولى شعاعات فجرالإله وخواتيم غروبه منذ عقود، فمن هول الصدمة راح يقول: أمن الممكن أن يكون إلهي هو نفسه إلهُ هؤلاء الهمج؟ مضيفاً بأنه منذ أن استوطن الأوباش في قريته وهو يخطأ بمواعيد الصلوات، وغادرت شفتاه البسملات والحمدلات، وبُدلت تمتماته السَّمحة بجُملٍ معبأة بديناميت اللعنات، ويردف بأنه منذ أربع سنواتٍ يحاول تقديم تعريفٍ مناسب لمقام من غزوا قريته، إلاَّ أنه عجز حتى الآن عن وصف ما هم عليه، لذا في الحديث عنهم يقول:
مهما دحرجتُ ملفوظاتي التوضيحية صوبكم، بقيت كلماتي المجازية غير قادرة على وصف البشاعة التي جُلبت مع ظلالهم حين الغزوِ وبعد طول المكوث، فكيف لي إذن أن أقدر على وصف شيءٍ من شناعة حقيقتهم؟